السؤال والنقد وثقافة الأجوبة

السؤال والنقد وثقافة الأجوبة

بقلم: أحمد برقاوي

ليس النقد إلا روح السؤال، ولهذا فالذات التي امتلأت بالأجوبة واطمأنت إليها واكتفت بها ذات خالية من روح النقد، والثقافة، بدورها، إذا تحولت إلى ثقافة أجوبة لن تتعرف على قيمة روح النقد بوصفها امتحاناً معرفياً للمعروف وللواقع معاً.

قبل أن أفض روح النقد أذهب للسؤال حول معنى ثقافة الأجوبة. فثقافة الأجوبة هي الثقافة الراكدة تاريخياً والعاكسة لمجتمع راكد، ثقافة مجتمع يعيش الاستبداد السياسي والأيديولوجي والقيمي والديني، مجتمع مناهض للذات، مجتمع يولّد ثقافة بلا فضاء، ومعادية للشك والبحث الدائم عن الجديد.

ثقافة الأجوبة هي ثقافة سيطرة النظام المتعالي على البشر والمتمثل بالبني الآتية:

أولاً: بنية الوعي الأصولي: ولا يحسبن المرء أن الوعي الأصولي وقف على الأصولية الدينية فقط، وأجوبة الإيمان المطلقة والجاهزة وإنما كل تمترس وراء الحقيقة المطلقة هو وعي أصولي. كل تعصب لفكرة أو لواقعة تاريخية أو لسلطة سياسية أو لأيديولوجيا ما هو وعي أصولي.

ومن هنا خطر الأيديولوجيا الشمولية على روح النقد، سواء كانت أيديولوجيا دينية أم كانت أيديولوجيا دنيوية.

ثانيا: النظام السياسي الدكتاتوري القمعي: يصادر النظام القمعي الحرية في الحياة، وبالتالي يحجر على روح النقد بوصفها صورة احتجاج على العالم. ويخلق حراس الجهل والقبول والنعم. إنه عالم الأجوبة الزائفة.

ثالثاَ: عالم القيم السائدة وحراسها من الجماعات العتيقة: فحراس المألوف والقديم يقفون بالمرصاد للذات الناقدة حاملين سيف التهديد والوعيد والشر. فلنتوقف عند السؤال إذن.

وعندي إن ظهور السؤال ظهور لروح النقد حين نقول انتقل الإنسان إلى السؤال. يعني أنه كان “عائشا” قبل السؤال. ثقافة الأجوبة عودة إلى ما قبل السؤال، عودة إلى ما قبل النقد.

العيش قبل السؤال رد فعل البيولوجيا تجاه الحياة. الكائن الحيّ لا يريد أن يبقى حيا “بوصفه حيوانا”.

عندما ظهر الكائن السائل بدأت مرحلة جديدة من الحياة متحررة من ردّ الفعل البيولوجي.

السؤال: انتقال الإنسان من المعلوم إلى المجهول. من رد الفعل البيولوجي إلى الفعل الذهني. مع السؤال يبدأ التاريخ الإنساني، لأن التساؤل تدشين لمرحلة التفكير وولادة الإنسان الحر.

السؤال عتبة الحر، ذلك أن كل سؤال إنما يتجه نحو الامتلاك، امتلاك ما ليس معطى مباشرة، امتلاك السر. هذا الامتلاك غير ممكن دون شعور بالرفض والتمرد وابحث عن الخفيّ.

إنه – أي السؤال – اجاه نحو المستقبل. طالما هو يسعى الامتلاك، إلى كشف السر. فالسر ليس في الماضي وليس في الحاضر، ولكن الظهور هو في المستقبل، الامتلاك هو في المستقبل.

السؤال يتجه نحو المستقبل لأنه يحتاج جهدا للكشف. وكل كشف هو حركة إلى الأمام.

الكائن وهو يتجه نحو الأمام إنما واقع في حال القلق الوجودي. فمع السؤال بات يعرف أنه مختلف عن كل الأشياء والكائنات وأنه لم يعد مستقرا “في لحظة من الحياة. والسؤال وقد حرره من استقراره وألقاه في يم المعلق، حمله على التفكير بوجوده عبر التفكير بوجود العالم أصلا”.

هل حياة السؤال هي حياة الكائن وحياة الكائن الولادة المستمرة للسؤال. وهو المعيار المميز بين الكائنات وترابتها.

من الكائن الذي عاش ويعيش بلا سؤال إلى ظهور الكائن ذي السؤال العامي إلى ظهور السؤال الديني إلى السؤال العلمي إلى السؤال الفلسفي إلى سؤال المعرفة والنقد إلى السؤال عن السؤال.

لا أعرف بدقة زمن ظهور السؤال لكني أعرف أن الحاجة والدهشة وحب المعرفة الذي نما في إطار الحاجة والدهشة كل ذلك أسس لظهور المتسائل بوصفه “شكلا” من شجاعة الوجود المتجهة إلى الفهم.

وليس مصادفة أن سمت العرب أدوات التساؤل أدوات الاستفهام. فالسؤال محاولة في الفهم، وتحرير الكائن من الموقف السلبي تجاه الوجود، وكل محاولة في الفهم تجاوز.

يتميز الكائن السلبي بأنه محروم من الدهشة. إنه يقف أمام العالم بكل ما ينطوي عليه من غرابة، موقف المشاهد ذي العطالة العقلية.

ولهذا ربط اليوناني ظهور الفلسفة بالدهشة، أي بين الفلسفة والتساؤل والتأمل.

في العلاقة بين التساؤل والتأمل نقبض على ترابط دائم، حيث لا تساؤل دون تأمل ولا تأمل دون تساؤل. ولا تأمل وتساؤل دون نقد صريح أو مضمر.

في هذا الترابط يكون التأمل حالة مثله مثل التساؤل بوصفه دهشة خفية. فـ”المتأمل لا ينطق بالسؤال بل يطرحه على نفسه صامتا”. والتأمل المتسائل والمتسائل المتأمل أس الدهشة وظهورها، فالدهشة تظهر بالتأمل المتسائل. و”التساؤل – بهذا المعنى – ظهور الذات الفاعلة عقليا”.

والكائن المتسائل كائن قرر عن وعي كامل بوجوده الذي هو أمامه دائما أن لا يتصالح مع الواقع الإنساني بل والطبيعي.

حين تعلن الذات “إن هذا العالم لا يعجبني وأريد عالما آخر”، والعالم هنا بمعنى الواقع، فإنها بالضرورة تطرح السؤال لماذا؟ وكيف؟ وما؟ وهذا جوهر النقد. لماذا كان هذا الواقع على هذا النحو، لماذا لا يعجبني وكيف أتجاوز هذا الواقع على هذا النحو، وما هو الواقع الذي أريد. من الواقع إلى نقد الواقع ومن نقد الواقع إلى امتلاكه نظريا ومن امتلاكه نظريا إلى نقد امتلاكه وهكذا.

التساؤل هنا هو الكائن الفاعل، فاعلية الكائن العملية (البراكسيس). بوصفها عملا “ونظرا” متمردين، الكائن يريد المراد هنا متأمل ومتعين بالخطاب والسلوك.

التساؤل إذن “هو سلب مطلق. ولا سلب بلا تساؤل. والسؤال هو (اللا)”.

ولأن السؤال هو اللا، فهو في الوقت نفسه هروب دائم من اليقين، من الحقيقة، من الوعي الموروث، هروب من العفن ومن الرائحة الكريهة للمستنقع من الركود التاريخي للكائن.

أعود إلى أدوات السؤال التي أطلقت عليها العرب أدوات الاستفهام، (أستنفهم) فعل لمن لم يفهم بعد، الاستفهام بحث عن الفهم والفهم تصور المعنى. في الاستفهام طلب الكشف، ومن فهم اشتق المفهوم – يعني أنه صار لديّ معنى له خصائصه.

السؤال – استفهاما – كشف، تمزيق الحجاب، لأن المعنى مخفي. يقود الاستفهام – السؤال إلى الجواب. هذا يعني أن الاستفهام الذي يطلب الفهم هو استجواب يطمح للإجابة – إلى الجواب. الجواب إذن “هو فهم”. الجواب – بهذا المعنى – ليس نقيض السؤال. بل هو السؤال وقد تحرر من السؤال. إذن قل السؤال وقد أنجب السؤال. والجواب يصير عدو السؤال، والسؤال يقارع الجواب حين يهيمن ثقافة الجواب – ثقافة استبداد الأجوبة، استبداد السلطة.

تخطيط: ساي سرحان

والسؤال الذي ليس استفهاما “ليس سؤالا” لا يتمخض عن الجواب، وحده السؤال – الاستفهام استجواب – الاستجواب بحثا عن الجواب.

في العلاقة التاريخية التي تقوم بين الإنسان والعالم علاقة استجواب.

الكائن يستجوب الوجود – يسأل – يستفهم، لكن “العالم لا يقدم جوابا”، لا يتكلم، يلوذ بالصمت.

ولهذا الكائن هو المتسائل والمجيب، لكن المتسائل لا يطرح السؤال إلا بوحي من العالم. العالم الذي يوحي بالسؤال يوحي بالجواب دون أيّ كلمة منه. لا يحمل الوحي – العالم كتابا “مسطورا” من الجواب. بل يترك المتسائل في حيرة، وحرا “في التجوال”، حرا “في التقاط ما يستطيع. بل ويغلق على نفسه أحيانا ويهيئ للمتسائل جوابا”. التساؤل “اعتراف بالعالم وبالحجاب أولا، واعتراف بسلطة الذات ثانيا، واعتراف بالفقد ثالثا”.

العالم محجوب، لا لأن وراء الظاهر باطنا، بل لأن الظاهر محجوب، الذات لا تراه، وتسعى لأن تراه.

العالم محجوب لأنه يحدثني بلغة لا أفهمها مباشرة. ولهذا فالفهم هو تعلم لغة العالم المحجوب، يتعلم العالم لغة الكائن التي ما أن يتعلمها العالم حتى سهل استفهام العالم والكشف عن الحجاب.

العالم محجوب ذو لغة قد تعلّمها من الكائن أو هكذا صار العالم لغة؟

العالم هو أنا وكل ما يقع تحت سلطة الأنا و…العالم هو كل ما يحمل الأنا على الفهم والتساؤل.

حين أسأل ذاتي عن ذاتي أغدو عالمين، العالم إذن “عوالم”. لكني أنا العالم الوحيد الذي يطرح السؤال، العالم الآخر هو الذي يسأل. ولهذا عندما أجعل من ذاتي “عالما” يُسأل أخرجه من عالمي بوصفه “عالما” آخر، والذات العالم الذي يسأل.

العالم عوالم يعني أن العالم يوحي بعدد من الأسئلة، بل كل ما يظهر لي على أنه شيء مسمى هو أشياء.

الجبل: هذا الكائن الشيء العالم الظاهر الموجود هم مجموعة من العوالم يوحي بأنماط متعددة من التساؤل ومن السائلين.

فالجبل هذا بالذات وليس سواه: مقدس، قديم، بركاني، جميل، ذو معنى قومي، ذو ماض تاريخي – إنساني.

إذن “الجبل مجموعة من الألفاظ اللغوية الدالة. صار الجبل لغة. كل جواب عن سؤال يصير عالما من اللغة ولأنه كذلك فقراء العالم كثيرون”.

الذات – سلطة حملت العالم على أن يكون ذا لغة، عبر سلطة الذات هذه ولدت الذات. ولم تعد محدودة، وتعيّن الذات يعيّن بدوره جملة أسئلتها.

حين تطرح الذات السؤال تشعر بالنقص، بالفقد، وتبحث عن الامتلاء. ولأن السؤال يضع الذات في حضرة الشعور بالنقد فإنها تبحث عما يسد جموحها نحو اللقاء “وجها” لوجه بما كانت تبحث عنه.

ولهذا فإن الذات الممتلئة بالأجوبة والمكتفية هي ذات فارغة وليست ممتلئة، فارغة من الفقد الذي يدفعها إلى التساؤل. الذات الممتلئة هي الذات الغنية بالأسلحة. والسؤال بوصفه حاجة هو دافع لا يتوقف، دافع يتحول لدى الذات الممتلئة إلى غريزة عقلية. بل إلى غريزة نقدية.

ربما يكون في مصطلح (الغريزة النقدية) نوع من التناقض أو هكذا قد يفكر العقل العامي.

عندما أصف الذات المتسائلة أنها قد وصلت إلى حد أن أصبح التساؤل عندها غريزة نقدية فهذا يعني أنها لم تعد ترى وجودها الحر خارج التساؤل الذي أصبح صفة لازمة من صفات عقلها النقدي، إنها ذات عقل جائع دائما يتجه إلى خارجه ليمتلئ في اللحظة ويعود جائعا وهكذا.

أخطر تعيّنات الذات تلك التي تعود إلى الثقافة المسيطرة، والتي تفرض على الذات طبيعة الأسئلة وطريقة حلها وتحرمها بالتالي من غريزة النقد التي ولدت بالتحرر من النعم.

بل قل: تفرض الثقافة على الذات عادات السؤال إلى حين تتحرر الذات عبر قتل الآباء ومراجعها المتوارثة.

والذات حين تنتصر وتغدو الثقافة “تعبيرا” عن انتصارها تتحول الثقافة هذه إلى عامل مساعد لإبداع الذات – السؤال.

ودون ذلك لا سلطة ذات، أو وجود ذات بلا سلطة على ذاتها.

لقد استخدمت مصطلح ثقافة الأجوبة بوصفها ثقافة راكدة، استبدادية، مناهضة للذات وللحرية، وذات أسوار عالية لمنع الهروب إلى السؤال. ثقافة بلا فضاء، معادية للشك وللبحث عن الدائم، عن الجديد وبالتالي معادية للنقد.

أسئلة ثقافة الأجوبة أسئلة التكرار الممل التي تنطوي مباشرة على الجواب الجاهز سلفا. لأنها ثقافة التعصب، ثقافة الوعي الأصولي بالعالم.

تحاول ثقافة الأجوبة أن تمنع الذات من الشعور بالفقد وبالعدم. تحاول أن تحولها إلى خزان أجوبة، إلى ذات عاجزة عن النقد. فالذات المتسائلة تشعر بالنقصان دون أي شعور بالامتلاء الدائم. ففي الوقت الذي تتحرر فيه الذات من ثقافة الأجوبة في عملية رفض وصراع وخوف وثورية ونقد لثقافة الأجوبة، فإن الذات في ثقافة السؤال تحلّق بحرية كاملة دون أي عائق في فضاء السؤال المغتني بثقافة السؤال ثقافة الحرية. ثقافة النقد.

يقع السؤال النقدي في ثقافة الأجوبة في حقل الحرام، وتفرض على الناس أسئلة تنطق بالأجوبة الجاهزة.

إنها تقوم “عمليا” باغتيال السؤال بسلب السؤال ماهيته وتنشر شبه السؤال. فالسؤال المستند إلى حقائق مطلقة زائفة أصلا “ليس سؤالا” بل “تأكيدا”، كل سؤال تأكيد هو شبه سؤال.

تأمل شخصا يريد أن يسأل عن الكون وهو مؤمن بأسطورة التوراة أو فرض عليه الخامات أن لا يطرح السؤال حول الكون إلا تأسيسا على هذه الأسطورة.

إن “الاستفهام من وحي المقدس ليس سؤالا”.

السؤال بوصفه شعورا بالنقص يحول البشر إلى سيرورة دائمة ولا نهاية لها من التفكير والتأمل والتجاوز والرفض واليقين بين قوسين، اليقين بين قوسين ليس “انتقاصا” من الحقيقة بل “تأكيدا” لماهيتها المفتوحة على كل جديد، وعلى كل نقد.

اليقين – الجواب حين نجعله بين قوسين اعتراف متحفظ بالحقيقة.

وإن وضع الحقيقة بين قوسين لا يساوي تعليق الحكم عند هوسرل فالحقيقة هي “واقعة حبلى بالإمكانية دائما”، لأن “كل واقعة هي حبلى بالسؤال دائما”.

ومن هنا ينتج أن ثقافة الأجوبة هي ثقافة الحقائق المنجزة إلى الأبد. الحقائق التي لا يأتيها الباطل ولا تتغير ولا تتبدل.

وإذا كانت ثقافة الأجوبة وثقافة الحقائق الأبدية التعبير الصارخ على التأخر التاريخي – الإنساني ولا وجود لإنسان بوصفه “حرّا”، فإن مجتمع الأسئلة والحقائق الحبلى بالإمكانية هي النقيض المعبّر عن حضور الذات الحرة المعبرة عن مجتمع الحرية وثقافة النقد.

السؤال في ثقافة النقد اكتشاف وليس اختراعا، والسؤال الاكتشاف هو السؤال الحقيقي، لأنه صادر من قلب الواقع، وجوابه كامن في قلب الوقائع محجوبا، ولكنه جواب يكشف عن نفسه عبر السؤال.

إني لا أستطيع أن أخترع سؤالا “حتى ولو كنت حرا”، فالسؤال في ثقافة الأجوبة صادر عن الأجوبة الصادرة عن أسئلة مخترعة لا رابط بينها وبين الوقــائع سوى رابطة وهمية. فالذي اخترع وجود الأشباح في الخرب والبيوت المهجورة أو المعمورة اخترع السؤال: ما الطريقة لإخراج الأشباح من المكان، أما السؤال: لماذا يؤمن الناس بوجود الأشباح وما الثقافة التي تؤسس لإيمان كهذا، فهو سؤال عن واقعة الإيمان بالأشباح بوصفها واقعة ذهنية، سؤال فهم واقعة الإيمان ليس إلا نقدها.

ولو عدنا إلى جواب السؤال الزائف ( ما الطريقة لإخراج الأشباح)؟ فإن الأجوبة جاهزة أصلا، وليس هناك أيّ أمل بتحرير الناس من الأسئلة الزائفة إلا بتحريرهم من الأجوبة الزائفة.

غير أن خطر الأسئلة اليومية الزائفة أقل بكثير من خطر الأسئلة السياسية والمعرفية والاجتماعية الزائفة الناتجة عن رغبة في الكذب لتحقيق انتصار سلطة ما أو استمرار سلطة ما ذات طابع عنفي ديكتاتوري تسلطي نفعي.

السياسي – الشيخ – الأيديولوجي في اتحادهم أو استقلالهم هم سدنة. هياكل ثقافة الأجوبة في عالمنا وجزارو ثقافة النقد. وعندي إن السؤال والحرية والنقد في ترابط لا ينفصم.

كاتب

روح النقد

ليس ما يشغلنا، في هذه المقالة، ما له علاقة بالنقد الأدبي، بل روح النقد ذاتها.

وروح النقد تشير إلى ماهية العقل الذي يجعل من الواقع ووعي الواقع موضوع تساؤل تأسيسا على مبدأ الحقيقة. وروح النقد، بهذا المعنى، سابقة على تعيناتها.

فروح النقد الحسية الناتجة عن الرفض والقبول والتأفف والإعجاب والنفور نشأت بنشأة الحس العام، أو العقل العام، وعلى علاقة مباشرة بالواقع الجزئي. وبكل ما له علاقة بالحياة المعيشة الجزئية. الصفة الماهوية التي تعين النقد في هذه المرحلة الحسية هي عدم القبول لأسباب ذاتية صرفة. وغالبا ما تعينت روح النقد هنا بموقف الجماعة الضيقة من أسلوب الحياة. فالتمييز بين الضار والنافع هنا تمييز اختباري- تجريبي. ووصفنا لروح النقد في هذه المرحلة بالنقد الحسي يعود إلى الوعي الحسي بالعالم ودور الحواس التي هي أصل وفصل التمييز، ولم يصل الوعي بعد إلى مفهوم الحقيقة.

وروح النقد بوصفها روح التمييز لا تعني تمييز الأشياء المختلفة عن بعضها البعض من حيث طبيعتها. فالحواس تدرك بطبيعتها الفرق بين الغنم والبقر وبين الحجر والحية وبين التراب والماء. بل التمييز هنا بين حجر وحجر وماء وماء وهكذا.

وما إن انتقل الإنسان إلى لحظة التفكير بمظاهر الطبيعة وبعد أن دخل في عالم اللغة، وصاغت النخبة المفكرة أساطيره على أنحاء مختلفة تحول التفكير لأول مرة إلى نقد الوعي بالعالم، ولكنه تفكير فئة تفكر وتلقي بنتائج تفكيرها إلى الناس. ولقد نشأ الوعي النقدي داخل الوعي الأسطوري والديني.

لإعادة صياغة أشكال فهم الكون والطبيعة وحياة البشر المرتبطة بالحكم والقيم. وهنا انتقل النقد من التأفف الحسي إلى النقد العقائدي الذي بقي محدودا في فئة صغيرة تنتج أشكال الوعي بالعالم. وما يميز النقد العقائدي هو أنه لا يقيم قطائع معرفية حقيقية مع الوعي العقائدي وأصله، فالانتقال من تعدد الآلهة إلى الإله الواحد ليس سوى انتقال وظائف الآلهة المتعددة إلى وظائف الإله الواحد، فانتقلت وظيفة الإله الخاص بالمطر مثلا إلى وظيفة الإله الواحد وهكذا.

وإذا كان صحيحا بأن هناك اختلافا بين الأيديولوجيات فإن نقدها لبعضها البعض ليس نقدا معرفيا، بل النقد هنا نقد عدواني يسعى للانتصار على الخصم.

ومع ظهور الوعي الفلسفي بالعالم، الذي شكل قطيعة معرفية مؤسسة على مرجعية العقل وحده، نشأ النقد النظري للواقع والنص معا. وإذا تركنا سقراط، المُختَلف حول وجوده أصلا، فإن أفلاطون هو المؤسس الحقيقي لروح النقد العقلي-النظري المعرفي، لأن المفاهيم هي التي صارت عدّة النقد، بل إن المحاورات كلها هي محاورات تسري فيها روح النقد بوصفه سبيلا للوصول إلى الحقيقة.

والمسألة الأهم تكمن في أن روح النقد العقلي- النظري التي عادت إلى الظهور في الغرب منذ عصر النهضة، واستمرت في التعين في العصر الحديث ومن ثم في العصر الراهن قد أصبحت ذهنية تطبع أوسع أفراد المجتمع، وصارت وعيا نلقائيا بموقف الإنسان من العالم.

ورؤية النقد العربي تأسيسا على هذه المقدمة النظرية حول روح النقد توصلنا إلى أن النقد العربي مازالت تتعايش فيه كل تعينات روح النقد عامة.

ولو تركنا جانبا قدامة بن جعفر البغدادي ونقده الشعر والنثر فإن روح النقد العقلي- النظري قد ولدت مع ابن رشد في كتابه الأشهر تهافت التهافت في الرد على أبي حامد الغزالي ومع مقدمة ابن خلدون في نقده للروايات التاريخية اللاعقلانية للمؤرخين المسلمين تأسيسا على منهجه التاريخي الجديد الذي جعل من علم التاريخ علما عقليا لما كانت المقدمة في الأصل مقدمة منهجية نقدية للكتابة التاريخية فإن أول ما خطه ابن خلدون في علم التاريخ هو التمييز بين التأريخ وعلم التاريخ الذي سماه فن التاريخ. فالتأريخ هو سرد الوقائع أو ما يُعتقد بحدوثها وتحديد مواقيتها وقد يلعب الوهم والهوى في سردها. أما فن التاريخ فهو تأمل ونظر وبيان علل الحوادث وأسبابها، وتحرر من الانحياز والهوى والوهم والكذب. إذ لما كان التاريخ خبر عن الاجتماع الإنساني والاجتماع الإنساني هو العمران البشري فيجب النظر إلى التاريخ بمقتضى قوانين العمران.

بهذا الوعي النقدي المعرفي شق ابن خلدون الطريق نحو منهج النقد التاريخي، الذي لم يجد التربة الصالحة حضاريا ليتحول إلى وعي نقدي عام لكتاب التاريخ العربي.

كان علينا أن ننتظر نهاية القرن التاسع عشر حتى يظهر الوعي النقدي العربي النهضوي. وقد ظهر عمليا في صورتين: صورة الإصلاح الديني من الأفغاني إلى محمد عبده إلى علي عبدالرازق وصورة الوعي الليبرالي عند رواد النهضة الشوام.

كان النقد يتم بين مفكرين يعترفون ببعضهم بعضا. فلقد كان كتاب محمد عبده “الإسلام بين العلم والمدنية” حوارا نقديا مع أطاريح فرح أنطون، حول علاقة الإسلام بالعلم والحكم. والكل على دراية بالمعركة التي اشترك فيها كثيرون حول كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” في العشرينات من القرن الماضي.

كان هناك ارتباط بين الحياة الليبرالية والنقد وقد استمرت هذه الحالة حتى ستينات القرن العشرين التي شهدت توسعا هائلا في الفئات الوسطى التي أنجبت كل صنوف الأحزاب والفكر والأدب، واختلاف الأجيال. يمكن اعتبار كتاب محمود أمين العالم وأنيس عبدالعظيم “في الثقافة المصرية” أحد الكتب الدالة على حيوية النقد في الخمسينات من القرن الماضي. حيث تعرضا بالنقد آنذاك إلى علمين كبيرين هما طه حسين والعقاد.

مع إطلالة الدكتاتوريات العسكرية الفلاحية بدأت تخبو روح النقد شيئا فشيئا حتى تلاشت وسادت حالك المجتمعات الراكدة تاريخيا.

أجل نحن نعيش في مجتمعات راكدة أو شبه راكدة، والركود لا ينجب إلا الاعتداء.

فيما تنتمي “المعارك الفكرية” إلى مجتمع يتميز بحالة نهوض تاريخي، واستطلاع رؤى مختلفة متناقضة حول فكرة المصير، المستقبل، والمكتوب الأدبي والفكري والإبداع الفني.

لايكون نقد إلا إذا سادت الخيارات الحرة والانحيازات المتعينة بالوعي المكتوب، ولا يكون نقد إلا بوجود حرية لارتياد العالم دون سلطة قامعة تحول دون انتشار الأفكار.

بهذا المعنى فالمعارك الفكرية حوار حار، عقول تجرد الكلم دون أحقاد، ومعارف يغني بعضها بعضا.

فإذا تأملت واقعنا الراهن وطبقت تلك المعايير السابقة التي ذكرت فسنجد أن المجتمع العربي مجتمع شبه راكد رغم أن اختلاف الرؤى حول مستقبلنا كثير، وركوده هذا ناتج عن غياب الحيوية السياسي، وعن غياب فئات صاعدة تشكل ذات التاريخ؛ التاريخ الذي يدفع دفعا إلى الأمام. وبالتالي لا تشكل الفئات الفاعلة سلبيا عنصر تقدم تاريخي، ولهذا ترى أن هناك ركودا فلسفيا فكريا يعكس الركود السياسي وسيادة القمع.، فلقد جاء حين من الدهر كان الاختلاف فيه قائما بين وجودية، وماركسية، ووضعية، ونزوعات فلسفية إسلامية.. إلخ.

وكانت المجلات والجرائد تعبر عن هذا الاختلاف؛ الاختلاف كان قائما في مجال الاقتصاد: أي الطرق الأسلم للتقدم الاقتصادي، وفي مجال الثقافة.. وفي مجال الأدب حيث توزع الأدباء إلى مدارس شتى واقعية ورومانسية.. إلخ.

لكن المجتمع بالأصل كان ينطوي على حيوية تاريخية للفئات الوسطى التي نمت وتطورت منذ مرحلة ما بين الحربين وحتى نهاية الستينات من القرن الماضي.

لا يجري الاختلاف حول رواية ما إلا نادرا، أو حول قصيدة ما، أو حول نص فلسفي جديد. طبعا هذا لا ينفي أن هناك بعض الشذرات النقدية الموجودة لكنها لا تشكل حالة أو طقسا، حتى ولو وجد من يكتب كتابا نقديا فإنك لا تجد من يدفع النقد هذا إلى الأمام.

فلقد كتب مثلا عبدالعزيز حمودة كتابين في “عالم المعرفة” حول الحداثة وما بعد الحداثة، ناقدا ما بعد الحداثة في صورتها العربية، وكان يجب على الكتابين أن يثيرا خلافا حادا في أوساط النقاد العرب، لكن الكتابين مرّا مع إشارة هنا وإشارة هناك، حتى الأسماء العربية التي ذكرت في الكتابين لم تدخل المعركة ولم تخضها.

أما وأن الأمر على هذا النحو فإن بعض الكتاب يؤثر التسلية عبر النقد المبتذل، وهو نقد أقرب إلى حياة “القيل والقال” والنميمة، ولهذا فإنه لا ينجب شيئا ذا بال، أو نقرأ نقدا هو أقرب إلى النيل من أحلام البشر وآمالهم.. وهذا شكل من أشكال الاعتداء، بل إن المجتمع الراكد لا ينجب إلا الاعتداء وشتان ما بين النقد والاعتداء.

فإذا تأملت واقعنا الراهن وطبقت تلك المعايير السابقة التي ذكرت فسنجد أن المجتمع العربي مجتمع شبه راكد رغم أن اختلاف الرؤى حول مستقبلنا كثير، وركوده هذا ناتج عن غياب الحيوية السياسي، وعن غياب فئات صاعدة تشكل ذات التاريخ؛ التاريخ الذي يدفع دفعا إلى الأمام. وبالتالي لا تشكل الفئات الفاعلة سلبيا عنصر تقدم تاريخي، ولهذا ترى أن هناك ركودا فلسفيا فكريا يعكس الركود السياسي وسيادة القمع

ومع بداية الربيع العربي راحت روح النقد تتململ، لكن غيابها الفاجع، لم يسمح لها بالحضور الفاعل المدمر للوعي القديم. فلم يميز الوعي العربي بين النقد والاعتداء في معمعة البحث عن المصير. لم يتمثلوا بعد روح النقد التي هي معرفة؛ فنقد الواقع معرفة به، وأمل في واقع آخر. ونقد المعرفة إما امتحان وإما دفع وإغناء لها.

لا شيء خارج النقد؛ الأفكار والوقائع. والمعرفة التي لا تخضع للنقد ليست هي كذلك. المفكر الذي يرى نفسه خارج عملية النقد مفكر استبدادي.

بل قل: إن حرية النقد هي الآن من أهم المعايير التي نقيس بها درجة حضور الحرية في المجتمع، ومستوى حضارة الإنسان.

وليست وظيفة النقد محصورة في هذه الجوانب التي ذكرت، إنما تستطيل لتشمل الكشف عن الثراء في نص ما، وتقويم درجة الإبداع فيه. وهذه واحدة من مهمات النقد الأدبي. وأرقى أشكال النقد هي تلك التي تنطلق من الاختلاف المؤسس على نظرة إلى العالم، أو على منهج يُعتقد بسلامته في الوصول إلى المعرفة.

فما زلنا نعيش على ثراء نقد الغزالي للفلسفة، ونقد ابن رشد للغزالي، وكم هي غنية أعمال ماركس في نقد هيغل، وليرجع القارئ إلى الاختلاف بين الوجودية والماركسية (راجع مثلا كتاب نقد العقل الجدلي لسارتر، وكتاب وجودية أم ماركسية للوكاتش).

فالنقد إذن يتخذ هذا النمط من المعرفة، فإنه يحول الاختلاف إلى إثراء للمعرفة الإنسانية.

غير أن بعض الكتبة في عالمنا العربي لا يميزون بين النقد والاعتداء؛ إذ تنتشر في الآونة الأخيرة ظاهرة الاعتداء على المفكرين والأدباء والشعراء الكبار، سواء على صفحات الجرائد والمجلات أو من على شاشات التلفزيونات.

اعتداء يأتي من قِبَل عقول متوسطة الذكاء، تملك قدرا كبيرا من التهور، وتطلق كما هائلا من الشتائم.

أعتقد أولا أن الاعتداء على المبدعين نزوع أصيل لدى صنف من المثقفين تعوزهم القدرة على احتلال مكانة ما في عالم الفكر والأدب، فتراهم يتوسلون الشهرة عبر الاعتداء الساذج على هذا الروائي أو ذاك المفكر.

إنهم يشعرون بعدم انتمائهم إلى العامة من الناس من جهة، ويعرفون أن ليس بمقدورهم الارتفاع إلى مستوى النخبة المبدعة من جهة أخرى. وهم بهذا يعيشون قلقا غير أصيل؛ إذ ذاك يتوهمون أن تحررهم من قلق كهذا لا يتم إلا عبر الاعتداء لا على نص المفكر أو الأديب فحسب، وإنما على الشخص بالذات، فيشهرون سيفا خشبيا، ويعملون ضربا عشوائيا، فيظهرون نفوسا قُدَّت من حقد دفين، وغيرة قروية، وحسد قاتل، ناهيك عن جهلهم الفاقع.

إنهم يرتمون غرقى في ما سماه هيدجر “عالم اللغو”، متمردين على عالمهم الخاص والفردي. فليست اعتداءاتهم إذن إلا الاحتجاج على وضعهم الأدنى، وتزداد عدوانيتهم عندما لا ينالون من منقودهم ردا؛ إذ ليس من شيمة المفكر والأديب الانخراط في عالم اللغو، لكنهم سرعان ما يحولون الترفع عن الرد من قِبَل المنقود نرجسية منه، متناسين أو غير مدركين أن الرد هو موقف من قضية، من فكرة، من منهج، وعندما يخلو النقد الموجه من قِبَلهم من كل هذه الأمور فلن يعثر المنقود على موضوع يشغله.

فإن هاجم ناقد أدبي (عالم في الأدب) الشعر الحر انطلاقا من انحيازه إلى الشعر القديم أو الشعر المقيد ببحور الشعر الكلاسيكية، مظهرا ما يراه من غرابة، ويعتقد خلو الموسيقى في الشعر الحر، فإن ناقدا آخر انطلاقا من تقديره لقيمة الشعر الحر قادر على أن يقدم نصا نقديا مضادا. نحن هنا أمام موقفين مختلفين من موضوع واحد هو الشعر.

ما الذي تقوله لشخص ينهال على روائي أو مفكر بالضرب والشتم بلغة سوقية، وأنت لا تدري أصلا ماذا يريد من نقده؟

وبعد:

لا يستقيم الحديث عن روح النقد دون الحديث عن الناقد نفسه، إن الذات الناقدة ذات تكونت ثقافيا في مجتمع محدد تاريخيا، وفي حقل إبستيمي سائد ولا يمكن لأحد أن يتحرر من هذا التكون إلا بجهد ذاتي كبير. ولهذا فإن الحديث عن نقد موضوعي حديث تعوزه الدقة ويعوزه الصواب. كيف لذات أن تكون موضوعية في تناولها للنص وهي محملة بإرث ثقافي، وأضيف بإرث أخلاقي وبحقل إبستيمي يكون عقليتها بعامة وعقليتها الناقدة بخاصة. دعوني إذن أعلن، بناء على ذلك، لا موضوعية في النقد، أي نقد، حتى لو توافرت عند الناقد العدّة المنهجية الصارمة. فكيف سيكون الأمر مع ناقد عربي تكوّن في ثقافة نقد الشخص وليس نقد النص، وثقافة الانحياز والتقويم؟ أجل: مازال النقد في ديارنا قائما في حقل الاستحسان والاستياء وتمييز الصواب من الخطأ ولكن في ثقافة نقد الشخص وليس النص، والعواطف من حيث الحب والكره. فالشخص إن حاز على درجة التقديس صار النقد مديحا للنص وللشخص، وإن تعرض له ناقد شجاع بنقد نصه قامت الدنيا عليه ولم تقعد. فثقافة الانحياز للشخص تصل حدّ الولاء، والولاء ثقافة كما نعلم. وثقافة الكره تبدي المساوئ، وهكذا نحصل على علاقة غريبة ليست من النقد في شيء، علاقة بين ناقد محمّل بثقافة نقد الشخص، ومنقود عرضة للتقويم. وهذا ينسحب على العلاقة بالنصوص كلها من النص التاريخي إلى النص الأدبي مرورا بالنص الفلسفي. فالعلاقة التي يقيمها النقاد التاريخيون العرب، وهم قليل، لا ينظرون إلى معقولية الوقائع التي حدثت أو إلى لا معقوليتها، بل إن الأفكار المسبقة عن شخوص الحدث التاريخي، أي الحقل الإبستيمي الذي تكونوا فيه، هي التي تحكم نقدهم التاريخي، وهذا أمر لا ينجب نقدا تاريخيا على الإطلاق. إذ كيف يقوم نقد تاريخي انطلاقا من الانحياز للشخص؟ وقس على ذلك في نقد الشعر، وهو أصعب أنواع النقد الأدبي، ولهذا تجد نقاد الشعر في عالم العرب نادرين. ولن يقوم نقد الشعر إلا إذا فصلنا بين الشاعر وشعره، بل ونسينا الشاعر والموقف منه، أما نقد الشعر تأسيسا على الموقف من الشاعر، فهذا لا ينجب إلا مناكفة أو تقريعا، وليس في هذا ولا ذاك نقد للشعر. وقد يصل الأمر إلى حدّ أن ناقدا حصيفا لا يجرؤ على أن يعبّر عن موقفه النقدي تجاه نص شاعر، بات نقد عيوب نص -ولو وحيدا- له، ضرب من الجريمة.

يستطيع الفرد أن يقول بكل ثقة: إن الثورة من أجل الحرية والكرامة هي حالة من النزاهة. أجَل، الثورة تخلقها النزاهة الثورية، وتخلق النزاهة أيضًا.

والنزاهة هنا عامة، في القول والسلوك العملي والأهداف العظيمة. والنزيه الثوري هو المتحرر من أي مصلحة شخصية بانضمامه إلى الثورة، والمتعفف عن الكسب من جراء اندراجه في الثورة. والمؤمن بقيمة ما يذهب إليه.

ونحن نشهد في الحياة اليومية التعبيرية ظاهرة النقد المتبادل، لدى اتجاهات المعارضة السورية، الذي يتناول سلوك الأفراد ومواقف الجماعات، ويصل إلى حد التجريح، ويتجاوز معنى النقد كحالة طبيعية وضرورية، وربما كانت هذه اللحظة حالة مألوفة في الثورات، قبل أن يعود النقد إلى هويته الطبيعية، بوصفه مدخلًا للوعي والتجديد. وليس هذا فحسب بل إن التطاول على الأفراد، بسبب أي خلاف غير سياسي، صار حالًا شبه عادية، والقول في تفسير أمرٍ كهذا قولان:

أولًا: لا يمكن فهم هذه الظاهرة دون الانتباه إلى أن الثورة، بوصفها تعبيرًا عن الحرية، قد فجرت في الذوات الشعور العاصف بهذه القيمة، والفرح بها، وبالتالي ولّد هذا الشعور بالحرية الشعورَ بالسيادة والإحساس القوي بالفردية والمساواة بامتلاك هذه الأنماط من الشعور. وإذا عرفنا أن هناك أربعين عامًا ونيف من سيطرة “النعم”؛ أدركنا قوة انفجار “اللا”.

فضلًا عن ذلك، فإن الثورة، بما هي حقل اختلاف واتفاق، أعادت الحياة إلى حالها الطبيعية، بعد الغياب القسري الذي دام طويلًا. أعادت الشعور بالاختلاف والتعبير عنه بحرية. غير أن هناك خطرًا على الاختلاف من قوى ذات نزعة شمولية دينية، وهو يشبه الخطر الذي أودى بالاختلاف، أو حال بينه وبين الظهور زمن الدكتاتورية، فالنقد الذي ينطلق من الوعي الشمولي ليس نقدًا، ولا يؤدي وظيفة النقد، بل هو سلوك نافٍ للآخر، فلا يعود للآخر الحامل الهمَّ نفسه، حضور لدي الشموليين.

ثانيًا: إن السلطة الحاكمة، عبر عنفها المستمر طويلًا، وأسلوب إهانتها لكرامة الشخص بأشكال متعددة ،قد حطمت قيمة الاحترام للفرد. فالاحترام للفرد -الأنا هو نمط من الاعتراف بقيمة الآخر وبكرامته الشخصية.

إن الذي تربى في وسطٍ ماتت فيها قيمة الاحترام، وشبّ على ذلك، يعكس -عمليًا- وعيَ أفراد السلطة المستبدة بالآخر. والثورة بعمرها القصير لم تستطع أن تعيد ثقافة الاحترام صورةً للسلوك، فإذا الثوري أو المنتمي روحيًا إلى الثورة أو المتشبه بأخلاق الثورة، كائن يلغي الآخر المختلف، والإلغاء غير النقد.

ولقد وفرت وسائل التواصل الاجتماعي فرصًا كثيرة لظهور هؤلاء الإلغائيين، عبر اللغة السوقية المعبرة عن غياب القيم الإيجابية التي كان من الطبيعي أن تعيدها الثورة إلى الحياة.

فالعنف اللغوي، وهو من صفات الرعاع، صار عامًا، إلى درجةٍ قد تجده عند أكاديمي وصحافي وكاتب إلخ.

كيف يمكن النيل من شخصٍ، دخل السجن دفاعًا عن الحرية قبل الثورة، وكان أول من انضم إلى ثورة الساحات والشوارع، وكتب وعبّر عن انتمائه بكل شجاعة ومن دون لبس.. أقول كيف يمكن أن يكون هذا الشخص موضوعَ شتيمة، بسبب أن له وجهة نظر عملية لا توافق آخر؟

عندي، لا ينفع الآن، ولا فيما بعد، إصدار المواعظ للتخفيف من الذهنية الرعاعية في التعبير عن الاختلاف. ولا أحد يستطيع أن يمنع رعاعيًا من أن يظهر رعاعيته، فالمسألة تحتاج إلى وقت طويل، للقيام بعملية ترميم القيم المفقودة، فعندما ينتصر مجتمع الاختلاف سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا وأيديولوجيًا؛ يعود النقد إلى مجراه الطبيعي، بوصفه تعبيرًا عن الحرية وانتصار الأنا.

  • Social Links:

Leave a Reply