إشكاليات مراجعة التجربة الوطنية الفلسطينية…الإحصائيات مثالاً (2)

إشكاليات مراجعة التجربة الوطنية الفلسطينية…الإحصائيات مثالاً (2)

ماجد كيالي – الغد :

 

ضمن مراجعة لمسيرة الكفاح المسلح الفلسطيني، ذكر القيادي أبو جهاد (الشهيد خليل الوزير) أن “فتح” نفّذت 148 عملية في العام 1965، و55 عملية في العام 1966 (بسبب الظروف القهرية التي كانت مرت بها في سوريا ذلك العام باعتقال أبو عمار وأبو جهاد وقياديين أخرين من قبل النظام في دمشق)، و146 العام 1967، و667 عملية العام 1968.(1) وفي الإجمال ذكر بأنه حتى يوم 28/5/1967، أي قبل وقوع حرب يونيو بأسبوع واحد تقريبا، كانت قيادة قوات العاصفة قد أصدرت بلاغا عسكريا ضمنته الإعلان عن 268 عملية شملت أهدافا إسرائيلية عديدة ومهمة على امتداد فلسطين المحتلة. (2)

بيد أن كل تلك العمليات، والتي من المفترض أنها بلغت الـ 1500 في أقل تقدير، حتى أحداث أيلول في الأردن (1970) لم تتضمن معلومات واضحة عن نتائجها في إسرائيل. فالخسائر البشرية الإسرائيلية، بين 1/1/1965ـ3/3/1968، نتيجة 385 عملية فدائية، بلغت 1292 إسرائيلياً، بين جريح وقتيل، بمعدل 400 شخص في السنة، كنتاج الجهد العسكري لـ “فتح” وحدها، في مقابل 53 شهيداً و62 جريحاً.

ثمة مصدر فلسطيني أخر (3) يتحدث عن جهد عسكري للفصائل الفلسطينية، في الفترة من 1972 ـ 1981، تمثل في 4432 عملية، نجم عنها مصرع 261 إسرائيليا: 291 عملية عام 1972 أدت على مصرع 32 إسرائيليا، و752 عملية عام 1973 أدت إلى مصرع إسرائيلي واحد، و1641 عملية عام 1974 أدت إلى مصرع 60 إسرائيليا،  و345 عملية عام 1975 أدت إلى مصرع  44 إسرائيليا، و135 عملية عام 1976 أدت إلى مصرع أربعة إسرائيليين، و167 عملية عام 1977 أدت إلى مصرع سبعة إسرائيليين، و272 عملية عام 1978 أدت إلى مصرع 49 إسرائيليا، و289 عملية عام 1979 أدت إلى مصرع 19 إسرائيليا، و263 عملية عام 1980 أدت إلى مصرع 13 إسرائيليا، و277 عملية عام  1981 أدت على مصرع 3 إسرائيليين.

وتبعا لتلك الإحصائيات يمكن التساؤل عن محددات كل عملية، وعن المعايير التي تم على أساسها احتساب العمليات الفدائية، وهل مجرد إطلاق قذائف (هاون أو غيرها) أو رصاص (كلاشن أو أي رشاش) من الحدود الأردنية أو اللبنانية أو السورية يعتبر بمثابة عملية؟ وكيف أن أزيد من أربعة ألاف عملية نجم عنها مصرع 261 إسرائيليا فقط، أي مع كل 17 ـ 20 عملية فدائية مقتل إسرائيلي واحد. أيضاً، ثمة 752 عملية نجم عنها مصرع إسرائيلي واحد عام 1973، و135 عملية نجم عنها مصرع أربعة إسرائيليين عام 1976.

وحتى في التجربة الفلسطينية، في الداخل، ثمة تساؤلات. فثمة إحصائيات تفيد أنه جرى في العامين 2018 ـ 2019 حوالي 5688 عملية، نجم عنها مصرع 23 إسرائيليا وجرح 142 منهم، ما يعني أنه في كل 33 عملية تم تكبيد الإسرائيليين خسارة بشرية (بين قتيل وجريح)، وان كل 247 عملية نجم عنها مصرع إسرائيلي واحد؛ طبعا دون إغفال الخسائر الأخرى، في الاقتصاد أو المعنويات، لكنها في كل الأحوال قليلة، وغير مؤثرة. (4)

أيضا، في مقابل ذلك فقد نجم عن الاعتداءات الإسرائيلية مصرع 463 فلسطينيا في العامين المذكورين، أي مقابل كل إسرائيلي من الـ23، الذي قتلوا في العامين المذكورين، قتلت إسرائيل عشرين من الفلسطينيين. والسؤال الأهم هو ما هو حجم الخسائر البشرية الفلسطينية في هذا المجال، في العمليات، وأيضا في التبعات التي نجمت عنها، في الأردن أو لبنان، إذ أن إسرائيل كما نعلم كانت تقوم بقصف وحشي في كل مرة تشعر فيها بتهديد مباشر، أو لدى تعرضها لأي عمل يستهدف جنودها أو مستوطنيها.

اللافت أن الأمر على صعيد الإحصائيات بات أكثر دقة بعد خروج المقاومة الفلسطينية المسلحة من لبنان، سيما منذ الانتفاضة الأولى (1987)، أي مع انتقال ثقل العمل الوطني الفلسطيني إلى الداخل. ففي تلك الفترة من أواخر عام 1987 إلى أواخر عام 2019، أي في 32 عاما، بلغت الخسائر البشرية الإسرائيلية 1822 شخصا (حسب معطيات مركز الزيتونة وبعض المصادر الفلسطينية)، أو 1686 شخصا (بحسب معطيات مركز بتسيلم ومصادر إسرائيلية أخرى)، مع ملاحظة أن الفارق ليس كبيرا، وأن المعدل السنوي للقتلى يقارب 60 إسرائيليا، بمعدل شهري قدره حوالي خمسة أشخاص، مدنيين وعسكريين، وهو ضعف ناتج جهد الكفاح المسلح الفلسطيني، الذي كانه في الخارج.

وللتذكير فإن تلك الإحصائية تشمل القتلى الإسرائيليين الذين لقوا مصرعهم في المواجهات مع الفلسطينيين، إبان الهبات الشعبية، والانتفاضتين الأولى والثانية، والحملات العسكرية التي شنّتها إسرائيل في الضفة وغزة، بينهم 584 من العسكريين، و1102 من المدنيين والمستوطنين (وفقا لإحصائية بتسيلم). ولمزيد من التفصيل فهي تشمل مصرع 421 إسرائيليا بين الانتفاضة الأولى وبدء الانتفاضة الثانية (1987 ـ 2000)، ومصرع 1265 إسرائيليا مع بدء الانتفاضة الثانية (أواخر العام 2000) وحتى مطلع العام 2020.

ويجدر لفت الانتباه إلى أن العدد الأكبر من القتلى الإسرائيليين حصل إبان احتدام الصراع في الانتفاضة الثانية، والتي نجم عنها مصرع 1040 إسرائيليا في خمسة أعوام، وهو يساوي ثلثي العدد الإجمالي لخسائر إسرائيل البشرية منذ العام 1987 حتى مطلع العام 2020؛ أي في الثلاثين عاما الماضية، بل إنه أكثر من خسائرها، على هذا الصعيد، منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية والكفاح المسلح الذي انطلق من الأردن ولبنان وسوريا، واستمر بين الأعوام (1965ـ1982). لذلك فقد اعتبر بعض قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أن تلك الأعوام مثلت الذروة في الصراع العسكري الإسرائيلي مع الفلسطينيين. مثلا، يقول آفي ديختر، رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (سابقا): “منذ بداية الانتفاضة في سبتمبر 2000 وحتى يوم 8/8/2004، “أصيب جراء الإرهاب (أي العمليات الفدائية) أكثر مما أصيب في الفترة منذ الإعلان عن قيام الدولة في نوفمبر 1947 وحتى العام 2000.. حيث أصيب في السنوات الأربع الأخيرة بالإرهاب، من الإسرائيليين (قتلى وجرحى)، 11.356 شخصا، مقابل 4.319 شخصا أصيبوا بين 1947 و2000”. (5)

ولعل ما تقدم يثير التساؤل عن مدى نجاعة الكفاح المسلح الفلسطيني في الخارج، من أواخر الستينيات إلى مطلع الثمانينيات (1965 ـ 1982)، أي طوال 17 عاما، وهي الفترة التي تعمدت فيها التجربة العسكرية الفلسطينية. وبحسب يوفال ديسكن، وهو شغل منصب رئيس جهاز المخابرات “الشاباك” لفترة، فإنه “منذ تشرين الأول 2000 وحتى اليوم (20/7/2005) نفّذت 25.375 عملية، منها 142 عملية انتحارية، قتل فيها 1.048 إسرائيلي وأصيب نحو 5.600.” (6) والحديث هنا يدور عن 25 ألف عملية، بواقع 5 ألاف عملية في العام مقابل 4400 بين 1972 ـ 1981، أي أن جهد عام واحد من أعوام تلك الانتفاضة كان يوازي جهد عشرة أعوام من الجهد الفلسطيني المسلح في الخارج.

من ناحية أخرى، فإن معطيات جهاز الأمن العام “الشاباك” تفيد أيضا بأن الانتفاضة الثانية كبدت الإسرائيليين خسائر بشرية أكثر مما كبدتها أية حرب أخرى خاضتها في المنطقة، باستثناء حربين سابقتين كان عدد القتلى الإسرائيليين أكثر (حرب الاستقلال في 1948 وحرب يوم الغفران 1973).. ثمن المواجهة الحالية (فترة الانتفاضة الثانية) في الخسائر يكلف إسرائيل أكثر مما كلفتها حرب الأيام الستة، 803 قتيلا، وحرب الاستنزاف، حين سقط 738 إسرائيليا في الحدود مع مصر سوريا والأردن. (7) وهو بالطبع أكثر مما كلف الجيش الإسرائيلي إبان احتلال جنوبي لبنان (1982ـ2000).

ويستنتج من ذلك أن المواجهات التي تمّت في أعوام الانتفاضة الثانية كلفت إسرائيل أكثر مما كلّفتها تجربة الكفاح المسلح الفلسطيني، طوال الأعوام 1965 ـ2000، مع كل التوظيف العسكري، والضجيج الإعلامي، والتحشيد العاطفي، الذي ساد في تلك الفترة، سيما في السبعينيات ومطلع الثمانينيات، حيث خطابات قيادات الفصائل والبلاغات العسكرية الصادرة عنها كانت تفيد بتحطيم أكثر من جيش لإسرائيل، مع كل ما في ذلك من خسائر لإسرائيل في العتاد والأرواح!

 

هوامش:

1 ـ (محمد حمزة: “أبو جهاد..أسرار بداياته وأسباب اغتياله”، المركز المصري العربي، 1989  ص 332 ـ 334). الرابط (https://www.dopdfwn.com/cacnretra/scgdfnya/abo-ghad-ar_PTIFF.pdf)

2 ـ المصدر السابق، ص 434، الجداول في ص 327 و352.

3 ـ عدنان أبو عامر: “تطور المقاومة الفلسطينية: الشعبية والمسلحة بين عامي 1967 ـ 1987، مجلة الجامعة الإسلامية (سلسلة الدراسات الإنسانية)، المجلد التاسع عشر، العدد الأول، ص 1235 ـ 1236، نقلا عن: بافير إيلان، ويعقوب أزر، “الجيش الإسرائيلي…موسوعة الجيش والأمن”، تل ابيب، 1984، ص 170. وحاتم أبو زايدة: “الكفاح الفلسطيني المسلح.. حصاد في ظل الحصار”، مركز أبحاث المستقبل، غزة، 2006، ص 69.

4 ـ احصائيات التقرير الاستراتيجي السنوي للأعوام (2005ـ2019)، مركز الزيتونة، بيروت. واحصائيات مركز بتسيلم في الرابط ( https://www.btselem.org/arabic/statistics)

5 ـ آفي ديختر، “هآرتس”، (9/8/2004)

6 ـ تقرير يهودا غولان، “معاريف”، 20/7/2005.

7 ـ “هآرتس”، 24/8/2004.

  • Social Links:

Leave a Reply