شاوستان  !

شاوستان  !

أسد القصار

 

لن أخوض في الأصل اللغوي او التاريخي لمسمى شاوي .. سأختصر المسافات مباشرةً الى الواقع المشهود .

الشائع في سوريا هو اطلاق لقب شوايا على اهل مدن وقرى الجزيرة والرقة والدير وارياف حلب البعيدة .

ولا أتذكر أين قرأت مرة .. أن  اهل الدير يعتبرون القادمين من الارياف والرقة شوايا ، ويعتبر أهل سوريا أهل الشرقية كلهم شوايا ، ويعتبر اللبنانيون كل السوريين شوايا .. ويرى الطليان العرب كلهم شوايا .. ويصنف الاوربيون كل الطليان شوايا .

وعليه ،، أجد أنه من العبثية أن  نرهق أنفسنا في البحث عن أصل التسمية .. في الوقت الذي  ندرك فيه أن مجرد اطلاق كلمة شاوي على احدهم  هو تجسيدٌ للإستعلاء على الآخر وتحقيرٌ له .

الطريف أو المضحك المبكي .. أنه كما يصنف أحدهم الآخر كشاوي ، فهناك من يضعه في نفس الاطار تماما ولا يراه إلا شاوي … فيصبح واحدنا بشكل أو بآخر شئنا أم أبينا في عين شخص ما في مكان ما .. شاوي .. فنصير كلنا في المحصلة …  شوايا !

…نفس النمطية الاقصائية العنصرية التي اختصرت كل تاريخ الكردي وثقافته وموسيقاه وأزيائه واحلامه وطموحاته ب : بويجي ! او بشخصية كاركاتيرية تجسد الفلاح الجاهل العنيد ..

ذاتها اختصرت شريحة كبيرة من أبناء بلدنا ب : حمد الذي يلبس جلابية وشالوخ ، جاهل ، همجي ، وساذج .

تعيش سوريا الآن شرخا اجتماعيا في ما بين مكونات هذا المجتمع

احد ابرز هذه الشروخ تجلى عند السوريين الأكراد .. شرخ دفع وسيدفع الأكراد الى اعتبار انفسهم خارج الهوية السورية وبالتالي خارج الوطن السوري مما يستدعيهم وسيستدعيهم دوما للسعي لتحقيق هدف الانفصال بمناطقهم عن الوطن السوري ، وما مسألة الانفصال سوى مسألة امكانيات وظروف سياسية متى تمكنوا منها فلن ينتظروا دقيقة واحدة لاعلان استقلال مناطقهم عن الوطن السوري .

بذور هذا الشرح تنبت وتكبر لدى الشوايا يوما بعد يوم … ووصولهم الى يوم يرون فيه أن الأفضل لهم الانفصال بهويتهم عن الهوية السورية وبمناطقهم عن الوطن السوري لهو  يوم محتوم .

ولو وقف الأمر على طرح فدرلة سوريا كحل .. لكان الأمر منطقيا ومقبولا للغاية بل ومشروعاً للغاية .. لكنه ليس كذلك إطلاقا

مؤخرا وفي خضم صرعة القواميس السورية … أجد أن الظاهر في صفحة ( قاموس الشوايا ) … تلك الغصة الممزوجة بفرحة عارمة من قبل الشوايا انفسهم .. اذ تكاد هذه الصفحة المنصة الاعلامية الأولى التي يتحدث فيها الشاوي كشاوي .. بلهجته دون ان يتكلف التحدث باللهجة الشامية او الحلببة ليحكي  عن عاداته عن نوادره وتاريخه دون ان يتعرض للتندر والسخرية والاضطهاد  .. اسعدني ذلك واحزنني في نفس الوقت اذ لمست من غالبية المعلقين انهم اصبحوا يرون انفسهم شوايا وشوايا فقط !

اليوم التقيت بشاب سوري بسيط وطيب  من الموحسن يقول لي .. أسد لم نعد نحتمل هذا الاحتقار والازدراء من باقي السوريين وكأننا بشر من فئة ثالثة أو رابعة ، حقيقةً لم يعد أمر بقاء مدننا  وقرانا أو انفصالها عن سوريا يعنيني كثيراً .. طز فلننفصل عن أؤلئك الذين يحتقروننا ولتكن … شاوستان !

هذا الألم مما يتعرض له أهل الجزيرة ليس حكرا على البسطاء .. النخب والمثقفون من أبناء المنطقة باتوا يتباحثون جديا حول التوحد على ضرورة فدرلة سوريا وادارة مناطقهم ومواردهم بأنفسهم .

 

لقد كان مشروع الثورة في سوريا .. فرصة ذهبية لنا جميعا ، فاللمرة الأولى وعلى عكس كل الهرتلات البعثية والعروبية والقومية  والوحدوية التي عشناها لعقود أحسسنا أننا جميعا سوريين وأننا جميعا نتطلع الى ذات الاهداف ( دولة مدنية ديموقراطية – حرية – عدالة اجتماعية – مساواة ) …  ومع تفسخ مشروع الثورة تحت وطأة الإسلام السياسي وعمالة وفساد قوى وشخصيات  ثورية .. تفسخت فرصة الوحدة الشعبية الوطنية السورية … وعادت سموم المناطقية والفؤية تبث  علنا من جديد  وللأسف لم تكن هذه الموجة مقتصرة على الغوغاء بل ركبتها أقلام كنا نحسبها على المثقفين والكتاب والصحفيين

كسر الاحتكار الهوياتي المدني للهوية السورية هو الحل الانجع للحيلولة دوم فقدنا شريحة اخرى من مكونات الشعب السوري .

 

وفي الحقيقة انا لا أجد في المدن السورية ( دمشق وحلب كنموذج ) مجتمعات مدنية مثالية … لن أقول كباريس أو لندن .. بل كالقاهرة والقيروان .. سنجد أن مدننا ما هي الا مدن قبلية فئوية عشائرية النمط ..  اقتصادا واجتماعا وسلوكا ولا فرق بينها وبين الارياف البعيدة النائية سوى في الشكليات والقشور  ولا شيئ سوى الشكليات والقشور

فلا نظامٌ ، ولا رقيٌ ، ولا نزاهة  ولا تحضر … مضارب بدوية في هيئة أبنية يطحن اهلها بعضهم بعضا في حرب تستمر منذ شروق الشمس حتى غروبها مبتعدين كل البعد عن روح المدنية وحقيقتها  . والبحث في انتفاء المدنية كنمط حياة  في مدن سوريا يطول ولربما افردت له مقالا خاصا .

قد تحتمل البلاد بركان الثورة والتغيير وربما فدرالية .. ولكن جغرافيا سوريا ومقدراتها  واقتصادها ونسيجها الاجتماعي لا يحتمل مشروع انقسام آخر لقطعة أخرى من سوريا  ولشريحة أخرى من شعبها

التنبه لهذه المسألة الآن وان كنا متأخرين أفضل بكثير من التعامي عنها وانكار وجودها .

  • Social Links:

Leave a Reply