يوم اعتقل بطلي  1/2

يوم اعتقل بطلي  1/2

رامي الأتاسي

لم يكن تاريخ ١/١٠ يعني لي شيئاً حتى عام ٢٠١١ حيث أصبح أحد أسوأ المصادفات في حياتي، والذي كان له تأثير كبير على ما بعده .

في هذا التاريخ كان تسريحي من الخدمة الإلزامية، والذي كنت أحلم به طوال سنوات خدمتي، وخاصة بعد أن تم الاحتفاظ بالدفعة التي كنت بها والتي كانت آخر الدفعات التي تم تسريحها …. لقد عشت أياماً كثيرة من الأحلام عن انتهاء تفاصيل يومية سخيفة، والعودة للحياة الطبيعية، وانتهاء فترة المضايقات والمخاوف التي رافقتني منذ بداية الثورة السورية، كوني أولاً ابن المناضل المعارض وابن حمص ثانياً .

بدأ اليوم بطريقة كنت قد خططت لها مسبقاً، فقد أحضرت من حمص “حلوان التسريح” من بائع حلويات معروف مع والدي، وبدأت بتوزيعها على اصدقائي في مكان خدمتي بعد استلام دفتر العسكرية، والذي يعني انتهاء الخدمة الإلزامية بشكل رسمي، وبعد البدء بتلقي التهاني اتصل بي والدي طالباً مني أن لا أتأخر – على غير عادته – فتركت ما بقي من  الحلوى بمكانه، واستسمحت من الأصدقاء، واتجهت فوراً عائداً إلى حمص … وفي الطريق كلمني والدي مطمئناً أكثر من مرة، وهذا أيضاً لم يكن اعتياديا ….

وصلت إلى حمص، وعدت إلى المنزل في وقت مبكر نسبياً قبل غياب الشمس، ولما لم أجد والدي في البيت، سألت عنه فقالوا أنه في المكتب – كان مكتباً علنياً للنشاط الثوري – اتصلت به مراراً دون جدوى، اعتقدنا أنه بأحد الاجتماعات، وهذا ما كنا معتادين عليه، أو في مكان لا يريد أن يرد، و خاصة أنه كان على علاقة بأغلب النشطاء السياسيين والتنسيقيات وفي العمل الميداني ..

مر الوقت بطيئاً ونحن ننتظر، لكنه لم يرد على أي من اتصالاتنا حتى غابت الشمس، ونحن نخمن أين يمكن أن يكون؟ حتى بدأ الشك يأكلنا فقررت الذهاب للمكتب أنا وأحد أقربائي على الرغم من الخطورة الشديدة في الطريق إلى المكتب، والذي كان ملاصق لجامع خالد بن الوليد وهي منطقة لا يخرج إليها الكثير في هذا التوقيت، وفي ذلك التاريخ، فهي الفترة التي حرك فيها النظام مجموعاته الطائفية، وشاع الخطف والقتل على الهوية في حمص على وجه الخصوص.

قدنا السيارة في الشوارع الفرعية الفارغة، وثم في الشارع الرئيسي الذي كان مظلماً تماماً، ولا يوجد فيه أي نوع من الحركة سوانا، …. دخلت المكتب – كان دائماً يعج بالحركة والنشاط والأفكار والنشاطات  الثورية – لكني لم أشعر بأي فرق في البداية، أو لنقل أنني لم أرد أن أشعر على الرغم من غياب تفاصيل المكتب، فهو مبعثر تماماً لا يوجد شيء في مكانه، إلا صورة كاريكاتورية لأبو مطيع، كان قد رسمها صديقه ورفيقه وعلقت على الحائط، لا أعرف بالضبط الوقت الذي استغرقته حتى استطعت تجميع أفكاري، وربط المشاهدات مع بعضها البعض، وصولاً لاتخاذ قرار بأن المكتب تعرض لمداهمة، وأن أبو مطيع معتقل.

عدت إلى المنزل – في الحقيقة لا أذكر حتى اليوم كيف عدت أو أي تفصيل عن العودة أو الطرق التي سكناها – عندما فتحوا الباب وقفت كالمصعوق و قلت اعتقلوا البابا …  صعق الجميع في المنزل، ومرت لحظة سكون طويلة جداً، ثم بدأ البعض محاولة تماسك نفسه والبدء بالأسئلة المنطقية التي كان يجب أن تسأل، نعم كانت لحظة انهيار للجميع، الاسئلة التي لا يوجد لها إجابات كثيرة … أين هو؟ … من اعتقله؟ ….. أي جهة؟ …. هل يعذب الآن كما درجت العادة؟ …. هل صفوه؟ … هل هي جهة رسمية أو شبه رسمية؟ …. الأدوية التي يحتاجها كيف سنوصلها له؟ …. من أين نبدأ بالبحث؟ …. آلاف الأسئلة التي شكلت دوامة منعت الجميع من النوم.

الوجود المحبب للوالد في المنزل، ودماثته، وضحكته المزلزلة  كان طاغياً، فهو للجميع بلا استثناء – حتى للأحفاد – كان الأب و الأخ والصديق والرفيق والمعلم والسند والقدوة و …. لا يمكن تخيل المنزل بدونه … فكيف مع خيالات عاشها جميع أهالي المعتقلين .. التعذيب الوحشي الذي يعرف الجميع تفاصيله …. القتل تحت التعذيب … كل هذا جعل الليالي ترفض أن تنتهي.

في اليوم الثاني بدأت محاولات الإجابة عن الأسئلة، فكانت الوجهة الأولى بشكل منطقي إلى المكتب، فبدأت أسأل الجيران هل شاهدتم أي شيء؟ لكن حالة الخوف دفعت الجميع للإنكار، عدا البواب الذي قال لنا أن دورية من المخابرات الجوية اعتقلته مع رفاقه، … في هذا الوقت بدأت تتوارد اتصالات من أهالي المعتقلين الذين ألقي القبض عليهم بنفس الوقت، ليتبين لي أنها حملة منظمة على الحزب، وطالت عدداً كبيراً من الرفاق – بالمناسبة كانت أول حملة منظمة ضد حزب في الثورة السورية – طبعاً بدأ النظام كعادته بتسريب أخبار كاذبة، فقيل أنه في أمن الدولة، وآخر قال أنه في الأمن العسكري، طبعاً لا يوجد جهة للسؤال، ولا إجابات قاطعة … كان الوالد قد ترك بشكل سري مع أمي عدد من الأرقام في حال اعتقاله الذي كان يتوقعه … خاصة عندما خرج أحد مناضلي حمص من المعتقل، وسرب له معلومة سمعها خلال اعتقاله القصير تفيد بأن المخابرات الجوية تريد اعتقاله، كان من بين الأرقام الدكتور الطيب التيزيني صديقه ورفيقه، اتصلت به، ونقلت له الخبر، فما كان من الرجل السبعيني إلا أن انتفض بكل حب ورجولة وطلب مني أن أمر به في صباح اليوم التالي .

ذهبت صباحاً إلى الدكتور الطيب، وقال لي أن أبو مطيع مناضل سياسي، ويجب الاتجاه إلى الجهة السياسية وهي حزب البعث، فذهبنا معاً إلى قيادة الفرع، و جلسنا عند سكرتير أمين الفرع – كان هناك اجتماع أمني في الفرع بنفس التوقيت – هنا بدأ الدكتور طيب بالكلام: “أنقل ما أذكر منه” لقد اعتقلتم شخصية وطنية صلبة … شريفة يمارس العمل السياسي منذ عقود … لا يمكن إلا لنظام بإجرامكم أن يقوم باعتقال قامة وطنية دون أي مراعاة للعمر أو الوضع الاعتباري … أنتم مجرمون وقتلة.

لا أنكر أن محبي أبو مطيع كثر، وحقيقيين، وحاول الجميع أن يوصل لنا معلومة حقيقة دون جدوى، حتى ذهبت مع أكثر المقربين لي مرة ثانية  وقابلنا أمين فرع حزب البعث بحمص، وكان استقباله جيد …. طلب من السكرتير أن ينظر في الاضبارة الموجودة لديه، والتي فيها جميع المعتقلين بالتاريخ المشؤوم ( ١ – ١٠ ) فقال أنه لم يجد شيء- ويبدوا أنها كانت طريقة متبعة لديهم كي لا يصرحوا بمعلومة – لكن في هذه المرة طلب منه بطريقة فجة أن يحضر الاضبارة فوراً، فأحضرها، اطلع عليها أمين الفرع بشكل سريع، وقال لنا أنه اعتقل لصالج المخابرات الجوية فرع المزة في دمشق … وكان ذلك بعد اعتقاله بنحو ثلاثة أيام.

النظام يكذب بكل شيء حتى بنشرة الأخبار الجوية كما قال الماغوط …. لا يقين …  كل كلمة قد تكون صحيحة … كل إشاعة هي جزء من الحقيقة، نظام لا يعرف الحد الأدنى للمصداقية، وخاصة في مسألة المعتقلين … في أحد الأيام قيل لنا عن طريق قريب من أحد ضباط أمن الدولة أن الوالد قد يكون قتل في بساتين الخراب، حيث وجدت ثلاث جثث مقطعة، وأستطيع تذكر الجملة “يمكن قطعوه وزتو بالبساتين مباريح لقينا ثلاثة” مع العلم أنه أثناء الاعتقال اعتقل ثلاثة من المكتب، كان أحدهم الدكتور عبد الفتاح الزبن، والذي استشهد بعد خروجه من السجن بفترة، متأثراً بثقب في الرئة بسبب التعذيب الشديد للجميع بمن فيهم والدي طوال الطريق أثناء نقلهم من حمص إلى دمشق .

عندما سمعنا هذه المعلومة جن جنون أهل المنزل، بدأنا حملة تتهم النظام، بتصفيته كما نقل لنا الضابط، حققت الحملة أهدافها وسمح لنا بزيارته في فرع المزة … الأمر الذي كان نادراً في تلك الفترة.

  • Social Links:

Leave a Reply