يوم اعتقل بطلي   2/2

يوم اعتقل بطلي   2/2

رامي الأتاسي

كان الخبر مفرح جداً، مازال على قيد الحياة .. لم يصفوه … سنراه … و لكن كيف سيكون؟ .. هل هو بخير؟

قررنا الذهاب في اليوم المقرر أنا وعمي ناجح – كانت آخر مرة يراه فيها – وأمي، أحضرنا له بعض الطعام والملابس، وذهبنا دون أن ننطق بأي كلمة …  عند وصولنا، أخذنا إلى غرفة انتظرناه بها، ومر وقت طويل قبل أن يأتي …علمنا فيما بعد أنهم كانوا يجهزونه للزيارة، فقال لنا أنهم سمحوا له بالاستحمام قدر ما شاء، وهو بالنسبة له مكسب كبير، وقلموا أظافره، وحلقوا ذقنه بماكينة الحلاقة ..

فجأة فتح الباب، وإذا بأبو مطيع بعد أكثر من شهر على اعتقاله، و يبدو عليه أنه تفاجأ بضيف لم يكن ينتظره … كان قد خسر الكثير من الوزن لدرجة ظهور عظام فكيه … اكتشفت لأول مرة أن شعر ذقنه أبيض، فلم أكن أراه من قبل، وهو الحريص على حلاقته كل صباح، … بدأت بالتدقيق بملامحه لقد خسر بعض أسنانه الأمامية … لقد كسر بعضها ….. معصميه لا يزال يرى أثر القيود البلاستيكية – قال لي مؤخراً أنها بقيت ليوم واحد فقط – والتي أثرت على حركة أحد أصابعه لفترة طويلة بعد إطلاق السراح … قميصه الداخلي عليه شعر لحيته التي قصوها له، وواضح أنه قميص جديد أحضر خصيصاً للمقابلة …

بدأ اللقاء بصمت مع تحديق مني في عينيه، فيها فخر وشفقة وحكايا الأيام الطويلة التي غابها عنا ، كسرت أمي الصمت سائلة كيفك … قال بضحكته الشهيرة، وبشموخه المعهود، أنا منيح، وسأل عن أحوالنا بعجالة … ثم سأل كيف حمص؟ قالت له الوالدة متلعثمة –  بسبب وجود ثلاثة من العناصر كانت عيون أحدهم لا تشبه عيون البشر فيها من الحقد ما يجعل شراراً يخرج منها – أسوأ مما تركتها  … قاطعها بصوته الجهوري عندما يغضب طالما النظام يعتمد الحل الأمني، وطالما يستخدم السلاح، فسيزيد القتل، وستغرق سوريا بشلالات الدم … لا حل في سوريا سوى الحل السياسي، ووقف القتل، وإعادة الجيش إلى ثكانته … صمتنا جميعاً، وخفنا أن يتعرض لموقف أمامنا سيبقى عالقاً في ذاكرتنا مدى الحياة… ثم أعطيناه الثياب، وكان يشعر بالبرد الشديد فطلب مني سروال طويل كنت ألبسه، وقال كانت هذه الأشياء بالنسبة لي كالكنز .. غادرنا لا نستطيع الكلام … صمدت  دون بكاء حتى العودة لحمص … وهناك دخلت بموجة بكاء هستيرية لأول مرة في حياتي … كانت تفاصيل جسده المنهك تلاحقني، أشعر بالجبن أنني لم أقتل السجان … العجز القاهر أحب الناس لقلبي أتركه بين يدي هؤلاء اللابشريين …

لا أعرف لماذا سألته في المستشفى قبل أن يغادرنا بأيام: ألم تخف – وأنت تتحدث بهذه الطريقة – من تعرضك لموقف أمامنا؟ فقال لي: خفت أن يبتزوكم بي فكان لا بد أن أشد من عزيمتكم.

استمر الاعتقال في فرع المزة شهرين تخللها ست جلسات تحقيق اثنان … أربع جلسات منها ترافقت مع تعذيب شديد، واثنتان كانتا دون تعذيب مع مسرحية، أما التحقيق فدار كما ذكر لي عن التنسيقيات والمنشورات والبيانات التي كان يصدرها، ولكن التعذيب كان يتصاعد بشكل جنوني عندما يسئل عن الأقليات، فكان قد شكل تنسيقية الزهراء للتغير الوطني الديمقراطي، وحي الزهراء هو أحد الاحياء التي كان يغلب على سكانها الطائفة العلوية، وتنسيقية الحميدية، والتي كان أغلب سكانها من المسيحيين … كان المحقق يقول له من يقترب من الأقليات سنقطع له يده، ويشتد التعذيب في هذا الوقت، لكنه كان دائماً يناقش المحقق، قائلاً: لا يوجد أقليات في سورية، يوجد متضررين من قمع النظام وسياسته … ذكر لي أن أحد العناصر قال بلهجته: ماشفت حدي جنن العميد غير أبو مطيع فقد أدخله في دهاليز السياسة التي لم يألفها.

عندما أخذوه إلى المخابرات الجوية في حمص، وضعوهم مقابل حائط، وطبعا غطوا أعينهم والقيود في أيديهم، وهم واقفين جاء أحد العناصر الذي يعرفه، وقال له بلغة يظهر أنها ودودة : أستاذ أبو مطيع هاد انت، رجاع لورا شوي، أنت قريب من الحيط. طبعا أعتقد أنه شخص يريد الخير له فرجع قليلاً، لكن العنصر مسك أبو مطيع من شعره وهو يرجع – وكان قد فقد توازنه – وضرب رأسه بالحائط. يقول لي الوالد أنه من شدة الضربة لم يعد يرى، ويعتقد أن ضغطه قد ارتفع، فلم يعد يرى سوى لون أصفر في عينيه، لفترة طويلة لا يستطيع تقدير مدتها، واعتقد أنه قد فقد بصره حتى عاد إليه رويداً رويداً ….. كيف نستطيع أن نسامح هؤلاء؟ … مع من كنا نعيش؟ … كيف وصلوا لهذه الدرجات من الحقد؟ …

في أحد جلسات التعذيب في فرع المزة، عذب بالكهرباء والضرب على القدمين، يروي لي أبو مطيع أنه في نهاية الجلسة لم يعد قادر على الوقوف يقول أنه كان لا يعرف وضعه، لكن استدعوا له الطبيب، وهو الممنوع من الدخول لغرفة التحقيق، وعندما دخل الطبيب – يتضح من لهجته أنه شامي – صرخ بهم ( شو عملتو انتو ما بتفهمو ) وبدأ بمعالجته وإعطائه الأدوية، بعد انتهاء الطبيب حاول الوقوف دون جدوى، فقام اثنان من العناصر بمسكه من معصميه، وجره إلى زنزانته الانفرادية بدون احساس بقدميه.

أما عن المسرحية التي نسجها خيال أحد المحققين للنيل من أبو مطيع أمام رفاقه والتي دارت فصولها في فرع المزة أيضاً، فقد كانت بالاتفاق مع أحد ممن اعتقل معه بنفس الحملة، وهو لم يكن من أعضاء الحزب، بل كان ابن أحد الرفاق واعتقل بدلاً من والده، وكانت المسرحية تقتضي جمع الكل في غرفة التحقيق، ووضع أبو مطيع في المنتصف، ثم بدأ الشاب يتحدث بأن أبو مطيع كان يورد السلاح، ويقود مسلحين مفترضين، ثم بدأ المحقق مداخلته هذا هو السياسي القدوة، رجل السلاح والقتل، اشهدوا على المثقف والقائد الشيوعي، وفي نهاية المسرحية – كما كتب المحقق السيناريو- رفع غطاء العين عن الشاب، وسأله أمام الجميع هل هذا هو أبو مطيع؟ الشاب لم يكن قد اجتمع بوالدي في حياته، فوجد أمامه رجلاً كهلاً كبيراً، واعتقد أنه يجب أن يكون أبو مطيع شاباً، فقال ليس هو، هذا الشخص لم أره في حياتي، هنا بدأ المحقق شتم الشاب، وضربه، وتم إنهاء المسرحية التي هزم بها داخل غرفة التحقيق.

في جلستي التحقيق التي لم يكن فيها تعذيب، عمل المحقق في الاولى على اقناع الوالد بالتحالف مع قدري جميل، طبعاً بعد كلام معسول، وأنهم على استعداد لإطلاق سراحه بمجرد الموافقة بعد احضار قدري إلى السجن ليلتقي به ويعلن انضمامه له، والجلسة الثانية كانت الجلسة النهائية، وحضر فيها محققين جدد – يعتقد أنهم من القصر الجمهوري – مع المحقق القديم الذي اعتذر وطلب منه مسامحته.

كان أغلب الوقت في زنزانة انفرادية يحاول أن يمارس الرياضة، وأن لا يفكر بما هو خارج السجن، ولكن – كما الجميع – كان لديه مخاوف، وكانت مخاوفه تشتد حين يسمع أصوات التعذيب وصراخ المعتقلين الشباب، فقد كان يخشى أن يكون أحدهم أنا، وقد جيء بي للضغط عليه … وكان أشد ما يؤلمه التعذيب الذي يمارس أمام زنزانته، والذي كان يمثل عذاب نفسي لا يطاق. روى لي أنه في أحد الأيام قام محقق  في الممر القريب من زنزانته – يبدوا أنه كان عنصر عادي – بوضع رأس شاب في برميل المياه، وهو يكلم أحد النساء عن شوقه وحبه، ونسي رفع رأس الشاب من برميل الماء، فمات المعتقل، هنا صرخ لرئيسه خائفاً: مات الشاب، لقد نسيته. فأجابه رئيسه: ما في مشكلة زتو بالمستودع … يا الله كم يعاني المعتقلين … لا قيمة لأحد عند هذه الكائنات، أحبابنا موجودون عند هؤلاء الوحوش دون القدرة على فعل أي شيء.

بعد جهود مضنية، واتصالات – لعب الحظ والقدر دور كبير فيها – وبعد بيانات وتضامن من الجميع، انتقل إلى سجن عدرا والذي كان بالنسبة له مكان استجمام مقارنة بفرع المخابرات الجوية، لبث فيه فترة وتوكل عنه عدد من المحامين مشكورين، كان أحدهم خليل معتوق – للأسف لا يزال معتقلا منذ فترة طويلة – وبعد عدة جلسات قرر قاضي الإحالة – بعد رفض قاضي التحقيق – إطلاق سراحه بكفالة، وهنا يروي لي أنه قد أقام علاقات طيبة مع الجميع في السجن، وعندما صدر قرار إطلاق سراحه كانت فرحة عارمة من جميع المسجونين، بما فيهم الإسلاميين الذين أذنوا فرحاً بإطلاق سراحه، وأنشد الباقي “بكتب اسمك يا بلادي” في مشهد أستطيع تخيله ويليق به .

أردت أن أكتب هذه السطور لأنه لم يتكلم إلا في الدوائر المقربة منه عن الاعتقال … كان دائماً يكرر أنه على المناضل الذي يعمل في الشأن العام أن يثبت يومياً أنه قادر على العطاء والتضحية حتى يكون مناضلاً … كان يعتبر أن التضحيات على أهميتها لا تعطي صك براءة أو شهادة وطنية، بل هي نتيجة طبيعية للنضال ضد نظام كالنظام السوري … هو نتيجة قرار اتخذه للعمل على كرامة ورفاه أبناء وطنه، وليس منة يمن بها على أحد ….

هذه قصة قصيرة من قصص بطلي الذي سأفخر به ما حييت

  • Social Links:

Leave a Reply