صباحك مطر متأخر – كنانة عفاش

         صباحك مطر متأخر – كنانة عفاش

 كانت أصابعك العشرة ترتجف ، وكنتُ أراكَ ممدداً   أمامي كبقايا أحلام تذوي ، قلتُ كمن يريد الهروب من فاجعة

 : ( اسمع .. إنّها  ترعد .. حتما ستمطر . )

نظرتَ إليّ بطرف عينيك ، أجهزة التنفس  كانت تضخ جسدك بهواءٍ مختلف ودمٍ جديد لذلك لم أتمكن من تفسير نظرتك جيداً .

أشرتُ إلى  النافذة  وعدت أهمس في أذنيك همساً خفيفاً ( إنّه الرعد .. حتما ستمطر . )

احتويت وجهك  بأصابعي الباردة وتبلّلت بعرقي عندما هاجمني ذاك السؤال الموحش ( هل حقاً أرغب بموتك ؟ )

خجلت من كوني فكرت بذلك للحظة .

سحبتُ الكرسي وجلست فوق رأسك .. كان وجهك يختصر كلّ أيامنا الغابرة . أحسست بأنّني أريد البكاء ولكنّي أريد الانتقام أيضاً .

( ألم تكن العصا الغليظة في عجلة أيامي ؟ )

حاولت مراراً أن أنحّيك لكنّك كنت تدسّ أنفك بكلّ تفاصيلي ، لذا كان يجب أن أقول وأقول وأنت يجب أن تسمعني دون أن تقاطعني

هل تذكر حين قلت لي عندما كنّا صغاراً ( غدا .. حين تكبر سأزرع لك حقلا من النعناع البري وحدك من سيمشي فيه ، لن نسقيه  إلّا من ماء المطر ) هل تذكر كم كنتَ تحب المطر ؟ كنتَ تسحبني من يدي وتطلب مني أن نركض معاً تحت زخاته ، تأخذ نفساً مبلّلاً تتنهد وتقول ( إنّها الحياة ) أنظر إليك دون أن أفهم ، أمشي محاذاتك تنتبه  إني أصطك من البرد تلقي عليّ معطفك دون أن تتذكر بأن تسألني إن كنت أحب المطر مثلك أو لا .

كان وجهك يطلّ عليّ صباحاً ، يحجب الستائر عن نافذتي ، يمرر الشمس إلى وجهي ، ينقرني لنهار جديد وحدك من يمليه علي ، وكنتُ أحب وجهك صباحاً كنتُ أشعر بأنّه الحقيقة الوحيدة التي أحبها . كم كنتُ أتمنى لو أنّك تكتفي بهذا القدر وتتركني أرى العالم حين لا تكون فيه كيف يبدو . لكنّك لم تكن تفعل . كنتَ تنتشلني من سريري وتطلب مني أن نبدأ بالركض .. تركض بي بعيداً دون أن تتعب ، تركض حتى تتذمر الأرض تحت قدميك تتوقف متنهداً وتلقي نصيحتك المعتادة ( الركض مفتاح الحرية ) لم أجرؤ أن أسألك عن أيّ حرية كنت تثرثر .

جميع الأطباء هنا يقولون أيامك باتت معدودة . وأنا لا أصدقهم أو إنّني لا أريد أن أصدقهم أنا أعرف كم أحببت الحياة .

هل تذكر تلك المرة التي سرقتَ بها بندقية جدّنا وخبأتها على السطح : قلت لي وأنت تحفر لها بين أكوام القش ( بهذه سأعلمك كيف تصطاد الرؤوس الغبية ) وكان أول رأس غبي اصطدته هو رأسك إذ إنني تسللتُ ليلاً إلى السطح ونبشت عنها لأحيلها إلى قطع متناثرة .

المقالب التي نحيكها معاً وفي حقيقة الأمر أنت وحدك من يحيكها ، كنتُ أنا من يثبطها . الطائرات الورقية التي أدمنت على ابتكارها كنتُ أنا من يحرقها .

حتما الآن رأسك ممتلئة بمئات الأسئلة  وأنا لا جواب لدي . ستقول لي لماذا وسأقول لك لا أعرف .

كل ما أعرفه إنني أمقتك كدم أسنان فاسد .

هل تتذكر يومي الأول في المدرسة ، حينها تعمدتَ أن تلازمني كي لا أكون خائفاً ،  رغم أنّك في ذلك اليوم أزلتَ خوفي إلا أنني لم أكن سعيدا بوجودك وأيضاً لا أعرف لماذا .

كنتُ أكبر تحت ناظريك الأخ الذي يكبرك ببضع سنوات ،

سنوات قليلة جعلتني أتخيلك الصواب الوحيد على هذه الأرض وكلّ ما دونك هو الخطأ بعينه .

الحياة منحتك دوراً بطوليا تمارس فيه كلّ صلات رحمي حتى تغلغلتَ بعالمي وضيقتَ عليه الخناق .

لم تسألني يوماً إن كنت مثلك أحب الألوان الناصعة لكني كنت أرتديها . لم تسألني إن كنت أحب رائحة النعناع البري وأنت تدوخ غرفتي برائحته .

كنتَ تقول لي أعطني يدك وكنتُ أعطيك إياها وأنا أعرف بأنّك تأخذ شيئاً ليس لك .

هذا أنت الأن .. تمتد أمامي ‘ كبحرٍ رائقٍ يعلوه زبد الانكسار  ، وأنا أتمشى أمامك كبحرٍ هائجٍ يريد أن يطيح بكلّ شيء . فماذا ستقول ؟

هل تتذكر الاسطوانات الموسيقية التي نخرت بها جمجمتي كانت أول شيء حطمته حين نقلوكً إلى هنا .

هل رأيت كم كبرنا أم أنّك لم تنتبه بعد ؟

كلّ تلك الأيام الغابرة تلوح في رأسي كذاكرةٍ غائبةٍ عن الوعي ، لكن ذلك اليوم كان مختلفا ، لم أستطع فيه فصل ضوءك عن عتمة أيامي ، كنتَ حينها جالساً بجانب عروسك والتصفيق يعلو ويعلو في رأسي على إيقاع الزغاريد ألف سؤال  أهمها كيف ستكون حياتي بعدك ؟

ولما اخترقتَ  الجموع باحثاً عني تنادي باسمي  كمجنونٍ أيقنتُ أنّ شيئا لن يتغير . ضللت تحت جناحيك البرعم الذي لن يكبر يوماً وأنا كنت أريد التحديق إلى السماء دون أن أراك .

كان أطفالكَ يتكاثرون وكنتَ تتكاثر بي كداء لا شفاء منه . هل حقاً أريد أن أشفى منك ؟

أتصدق .. عشتُ  معك كلّ ذاك العمر أردتك أن تغيب عن حياتي يوما واحدا فقط كي أشتاقك .

أردت الإحساس بعظمة وجودك .. أحببت المشي تحت المطر وحدي كي أتفقد دفأك .

ها نحن الآن .. أنا وأنت .. وحدنا كما كنّا دوماً .. نبدو كعجوزين أفلسا كلّ ما في جيبهما من دماء للحياة ، فأنت في تمددك الساكن تبدو كما لو أنّك تريد العودة إلى حاراتنا القديمة إلى ملامسة كلّ الأمكنة التي كنا بها .

هل تتذكر الأبواب التي كنّا نقرعها ونهرب ، كانت تلك اللعبة الوحيدة التي أشاركك فيها فرحي لأنني أحبها ، كنا نطرق الأبواب بالحاح ونختبئ كي نراها وهي تنفتح ، لم يكن يعنينا شيء أكثر من سماع صوت المفتاح وهو يفتك بالقفل . لم نسأل بعضنا يوماً لماذا أحببنا ذلك الصوت دون أن نعرف .

أنا الآن أسألك سؤالاً وحدك  من يعرف جوابه .. هل أنا لا أستطيع العيش بدونك ؟  أجبني فأنت تعرف ذلك أكثر مني .

أمسكتُ بيدك الهزيلة وبكيت ، شعرت أنّ يدك ليست اليد القديمة التي أعرف ، ليست اليد التي تشدّني نحوها بقسوة الحب وتنبهت إلى أنّني على شفا كارثة ، هذه أولى خساراتي .. قوة يدك .

قم .. انهض .. قم وسأفتح لك الستائر كما تحب .. سنمشي تحت المطر معاً ولن أتذمر داخلي .. سأشم النعناع البري حتى آخر شهقاته دون أن أشمئز .. سنراقب حبال الغسيل وهي تنتفخ بالملابس الملونة على أسطح الجيران ونضحك .

قم .. لم تعتدنا الأمكنة هكذا .. لن تعترف بنا أنا وحدي وأنت وحدك .. أتعرف أين تكمن فاجعتي بك .. إنّها في ملامستك لكل التفاصيل التي ساصارع أشباحها  وحدي . هل حقاً ستتركني أتخبط مع مجانين ذكرياتك ألاحق رائحتك في كلّ وقت . أمرض دون أن تصرخ في وجهي ( كن رجلاً ) .

قم .. لن أصدق الشمس وهي تقرع نافذتي دون وجهك ، إنّ شمساً تطلع بعدك شمسٌ خائنةٌ .. أنّ مطراً يهطل  بعدك هو  مطرٌ منافقٌ كاذبٌ .. أنت المطر .

انظر .. إنّها تمطر .. تمطر المطر الذي تحبه بالغزارة التي تحبها ، سنقفز تحت المطر بعكازينا وسأشعل سيجارة أمامك كيلا أدخّنها وراء ظهرك لأنّني لا أريد أن ألوث دمي .. دمك بكذبة .

للحظةٍ خاطفةٍ أحسستك تشدّ على يدي كأنّك تريد قول شيء ما .. قربتُ   فمي من أذنك وهمست ( إنها تمطر .. اسمع .)

لكنّك لم تسمعني .. ربّما كنت تريد أن تقول لي أن اصمت ، لكنّه الوقت لم يتسع لتسمع صوت المطر الذي تحب حتى في آخر لحظاتك .

كان المطر في الخارج يهطل ويهطل عندما استيقظت على سؤال زحف على ركبتيه ووصل إلى رأسي . سقطت يدك من بين يدي .. عندما سألت نفسي : ( ماذا لو كنتُ أنا العصا الغليظة في عجلة أيامك ؟ ) .

فتك المفتاح في القفل لكنك لم تضحك .. كم تأخرت لكنّها أمطرت .   

#كنانة_عفاش

  • Social Links:

Leave a Reply