ماجدولين الرفاعي – لحظة ضعف

ماجدولين الرفاعي – لحظة ضعف

عندما نتمادى في أخطائنا نتصور أن ضمائرنا قد ماتت تماما

 

لكن المأساة حين يغادر ضميرك دهاليز السبات وينطلق نحو اليقظة بلا تردد ويبدأ بمحاسبتك على كل ما اقترفته يداك من آثام وأخطاء

 

دموعه المنسربة على تجاعيد وجهه الحزين الغائر في متاهات السنين لم تبعث في نفسي الحافز للولوج في بوتقة أحزانه وبما أنني طبيبه النفسي كان علي أن أصغي باهتمام لكل تفاصيل حياته ودقائقها وبشكل حيادي

 

ولا يحق لي محاسبته على أخطائه مهما حصل

 

إستلقى على الكرسي المتحرك باسترخاء كما طلبت منه تماما

 

أغمض عينيه وبدأ بسرد الوقائع التي تحولت إلى كابوس يقلقه ليل نهار

 

وعزا سبب إنتسابه لسلك المخابرات الى الفقر المدقع الذي كان يعيش فيه هو واسرته وبما أن الراتب الذي كان يتقاضاه زهيدا فإنه كان مهما لتأمين بعض احتياجات أسرته وقد اخلص لعمله الذي امن له إلى جانب الراتب مكانة إجتماعية مرموقة نوعا ما فالكل يهابه بسبب قلمه المفخخ بالتقارير الاستخباراتية، حتى أولاد عمومته لم يسلموا من تقاريره النارية التي تودي بصاحبها إلى غياهب السجون بل الى الاعدام أحيانا..

 

كنت أتساءل مع نفسي وأنا أحدق فيه هل يولد الإنسان ساديا وعدائيا أم أنها صفات مكتسبة من البيئة التي تحيطه .

 

بحثت كثيرا بين طيات الكتب التي إمتلأت بها أدراج مكتبتي المتواضعة لعلني أحظى بإجابة تشفي فضولي لمعرفة الاسباب والنتائج لكنني لم أجد ضالتي …

 

حدثني كيف تسبب بمأساة لجاره كلفته عشر سنوات من عمره قضاها في المعتقل ..

 

لم تكن الأسباب أمنية أو سياسية إنما مشاكل خاصة بين زوجته وزوجة جاره والذي هدده كثيرا بالمسدس الذي لطالما تفاخر به ..

 

سرد لي أمام دهشتي الكبيرة طريقة عمله عندما استلم فرع التحقيق وكان عليه واجب انتزاع الاعترافات من أصحابها، لم يكن مهما أبدا إن هم قاموا بفعل تلك الأشياء ام لا.. المهم اعترافهم بها بفعل التعذيب ..

 

صرخات الألم كانت تصم أذنه .. لكنه كان لايأبه لها وكان يقنّع وجهه بابتسامة مزيفة وخبيثة في نفس الوقت أمام مسؤوله المباشر قائلا :

 

ـ سيدي لقد اعترف ابن الكلب أخيراً ولكن لا ادري عن حالته هل نطلب له الإسعاف؟؟؟

 

ـ ضعهم يصبون على رأسه بعض الماء البارد فيصحو…

 

حدثني عن صديق له كان قد اختلف مع زوجته وخرج من المنزل غاضباً

 

متوجها نحوه ليشكو له ما آل إليه حاله بعد المشاجرة الحاصلة .. ربت على كتفه الأيمن موجهاً له دعوة لزيارته للتخفيف عن معاناته قائلا له:

 

ـ تعال لتشاهد معي (فلما مثيرا).. ينسيك زوجتك وخلافاتها..

 

بعد جلسة كهر بائية لموقوف تحت التعذيب جحظت عيناه وشهق شهقات لا يحتمل سماعها بشر بينما جسده راح ينتفض بشدة ..

 

أغمي على جاره الذي كان يشاهد قسوة التعذيب في ذلك الفيلم وبعد أن استيقظ من إغماءته قطع صلته به تماما واعتبره مخلوقا حقيراً لا يستحق حتى المصافحة..

 

لقد كان دائم الشعور بالرضا من عمله .. فاقدا لأنسانيته ..

 

..فهو محبوب لدى مرؤوسيه لما يقوم به من عمل ( شريف لصالح الوطن )

 

تفترش وجهه تلك البلاهة المشوبة بالرذيلة ..

 

عندما جاء إلي طالبا العلاج استبشرت خيرا وقلت: لابد وان ضميره مثقل ولم يعد قادراً على الاستمرار في ظلم الآخرين وأنها بداية تحول في حياته .. والندم علامة من علامات الخروج من ثوب الرذيلة والرجوع الى السبيل القويم

 

عسى أن يسامحه الناس على مااقترفت يداه..

 

على أية حال فوجئت بطلبه وهو يحدثني عن هواجسه الضاربة أركان ضميره الغافي على أشواك المصائب والمكائد بعد أن زادت أحماله وفاض بئر همومه كيف كلف بمهمة سرية في بروكسل لتصفية احد المواطنين الخارجين عن قانون الدولة بتهمة انه عميل لجهة ما،وكان عليه قبل تصفيته مراقبته مراقبة حثيثة من خلال زرع السماعات في أنحاء منزله وسيارته لتسجيل وقائع خيانته.

 

استمرت مراقبته ستة أشهر متتالية كان يعد على الرجل وعائلته أنفاسهم وحركاتهم حتى همهمات الزوجين في غرفة نومهم كان يسمعها وصوت تدفق الماء في حماماتهم، أحاديث أطفاله معه ومع زوجته،ضيوفهم وثرثرات جارتهم حين تجلس ساعات تشكو زوجها… لم يستطع تسجيل خيانته ولا بأي طريقة وأدرك براءته لكن الأمر جاءه أخيرا لتنفيذ المهمة وقتل الرجل والعودة من المهمة..

 

وهنا بدأت مأساته وأعراض مرضه فقد تسللت الطيبة إلى قلبه بعد أن عايش الأسرة الطيبة شهورا،فرفض تنفيذ المهمة التي نفذها زميله بيسر وسهولة

 

لم يكن ساخطا على العقوبة التي وقعت عليه إنما كان ساخطاً على نفسه وعلى ضعفه وطيبته التي قرر القدوم إلى عيادتي لأساعده على استئصال مكامن الضعف عنده.

من المجموعة القصصية (قبلات على الجانب الآخر) والصادرة في دمشق عام 2007

  • Social Links:

Leave a Reply