في سنة كورونا الأولى.. العالم ليس آسفًا!

في سنة كورونا الأولى.. العالم ليس آسفًا!

علي العائد _ ضفة ثالثة

ورونا الأولى.. العالم ليس آسفًا!شارع الاستقلال في إسطنبول خالياً تقريبًا من الناس ما الذي لم يفعله فيروس كورونا فينا؟

أهم ما نلاحظه في سنة كورونا الأولى على الكرة الأرضية هي حالة الاستسلام “القدرية”، فلا أحد يلوم، حقًا، حكومة بلاده، أو حكومات عالمية في انتشار الفيروس، أو نشوئه. حتى من لاموا حكومة، أو بلدًا، قبل عام، لاموا الشعب الصيني على أكل الخفافيش، كما لاموا الحكومة الشيوعية هناك على إخفاء الفيروس، وعدم توفير المعلومات للسلطات الصحية العالمية لكي تتحضر لمجابهة الجائحة. كل ذلك، في محاولة للتنفيس عن غضب ما، تجاه أحد ما، ليس أكثر، في مواجهة حالة العجز والخوف والغموض التي أشاعها الفيروس الغامض المستجد، وليس الجديد، من بين أقرانه من الفيروسات التاجية.

حتى من تقوَّلوا على “الجُند المرسلة”، وصفًا للفيروس، أو من تحدثوا عن “مؤامرة عالمية”، كانت كلماتهم تبريرًا لعجزهم عن مجابهة الوباء الذي فضح قصور الأنظمة الصحية في الغرب قبل دول الشرق الأوسط وأفريقيا، وأميركا الجنوبية، ذات السمعة غير المحمودة في هذا المجال.

في سنته الأولى، أنجز كوفيد ـ 19 ما لم تستطع أي ظاهرة سابقة إنجازه، من حيث حبس البشرية في بيوتها، فالمدن المليونية الضاجَّة بالحركة والحياة، ليلًا ونهارًا، بدت كأن لا سكان فيها. أما الرياضات، وكرة القدم خاصة، فقد ألغيت مبارياتها، أو تأجلت. وحين عادت، شهدت وتشهد أغرب الحالات، فالمباريات من دون جمهور، أو بحضور مقنن للغاية.

الفيروس ليس صغيرًا وحسب، بل “ذكيًا” لناحية كمونه الخامل خارج الجسم، ونشاطه داخل

“في عام كورونا الأول، المدن المليونية الضاجَّة بالحركة والحياة، ليلًا ونهارًا، بدت كأن لا سكان فيها”

الجهاز التنفسي للإنسان، ولأن لديه القدرة على التحوّل، وعلى المراوغة. فبعد نجاح عدد من شركات الأدوية في تصنيع لقاح ضده، ها هو يتحول في جنوب أفريقيا، وبريطانيا، والبرازيل، ما قد يفرض على الشركات المصنعة “صنع طفرة” في لقاحاتها التي بدأت ببيعها وتصديرها إلى الدول الواقفة في رتل طويل، حسب قدرة حساباتها البنكية.

هنا، لا عزاء للدول الفقيرة، حتى مع دعم منظمة الصحة العالمية، وليس عليها سوى انتظار أن يتلقح الأخ الغني، ثم الأقل غنى، وهكذا حتى تتفضل مؤسسات خيرية، أو متبرعون، بإيصال حصة الفقراء من خبز كورونا.

شوارع كورونا

 

ما الذي فعله الفيروس في شوارع الحياة، بميزات هذه الشوارع، إيجابيها والسالب منها؟ قد نتفق أن البشر لم يصبحوا أكثر لطفًا في تعاملهم مع أقرانهم الغرباء في الشارع، أو الحي، أو المدينة. مع ذلك، لاحظت شخصيًا، أن كلمة “عفوًا” العربية قد تراجع استخدامها بين الغرباء. وبالتأكيد، ينسحب الأمر على كلمة “باردون/ Pardon” الفرنسية – الإنكليزية المستخدمة في

“إذا أراد شخص تجاوزك في سيره، فسينتظر، حتى لو كان على عجلة، اللحظة المناسبة تمامًا ليفعل ذلك، متجنبًا أن يصطدم بك، كي لا يضطر للاعتذار”

اللغة التركية، و”سوري/ Sorry” الإنكليزية، وما يقابلهما في غابة لغات العالم التي نعرفها ولا نعرفها. ذلك ليس لطفًا بشريًا طارئًا، أو تهذيبًا أيقظته الحالة الميتافيزيقية التي علمت الإنسان بمدى ضعفه أمام الفيروس بالغ الصغر، بل لأن الشوارع في أدنى طاقتها الاستيعابية من البشر. فإذا تصادف أن رأيت شخصًا، وأنتما تسيران متواجهين على رصيف واحد ضيق، ستجد أنه قد انتقل إلى السير على الإسفلت أمتارًا قبل أن تتلاقيا، وأمتارًا حتى تصبح المسافة بينكما متباعدة ليعود إلى السير على الرصيف، وقد ضمن أن بالوناتك الحرارية خلفك قد تضاءلت، هذا إن لم تسبقه أنت وتتفضل بالسير على الإسفلت. أما إذا أراد شخص تجاوزك في سيره، فسينتظر، حتى لو كان على عجلة، اللحظة المناسبة تمامًا ليفعل ذلك، متجنبًا أن يصطدم بك، كي لا يضطر للاعتذار. كل هذا حتى لا يستعمل كلمة عفوًا، أو ما يكافئها، ليس لطفًا، وإنما خوفًا.

فضيحة ديمقراطيات “بنت الحارس”

وأمام فضيحة الأنظمة الصحية لمعظم الدول الغربية، لا نستطيع إلا أن نتوقع أن مؤسسات تلك الدول ستعيد النظر في سياساتها الصحية، مع استمرار الجائحة، أو حتى بعد نهايتها، بعد عمر طويل قد يصل إلى سبع سنوات مقبلة، كما توقع بعضهم. إلا أن ذلك التوقع غير مضمون، إنْ لجهة الاستجابة، أو للمدة المتوقعة، فالأحزاب التقليدية الحاكمة، مداورة، في دول الغرب

“ألا يُذكِّرنا تراجع اهتمام الحكومات بالصحة العامة، في مقابل طفرة الإنفاق على التسلح، بفكرة فيلم “بنت الحارس” للأخوين رحباني وفيروز، حين استغنت “حكومة الضيعة” عن الحارس، لأن اللصوص اختفوا من الضيعة”

الديمقراطية، تفضل مصالح الأقوياء، وما يوصف باللوبيات، من السلاح، إلى شركات النفط، وليس انتهاء بشركات الأدوية، التي لا يستبعد أن تكون صنعت فيروسات وأطلقتها، لتبيع أدوية، كمن يبيع الترياق بعد أن يطلق آلاف الأفاعي بين البشر. كقرينة على هذه “النظرة المؤامراتية”، منعت شركات النفط العالمية التقدم في تصنيع السيارات الكهربائية، منذ خمسينيات القرن الماضي، لأن ذلك سيعني كساد الطلب على النفط. وما دام هنالك نفط، وطلب عليه، لن تروج هذه السيارات، ولن تصبح شعبية، على الرغم مما تتسبب به السيارات العاملة على الديزل والبنزين من آثار بيئية باتت تشكو منها القارة القطبية الجنوبية، بثلجها وحيواناتها، قبل الجزء الشمالي من الكرة الأرضية، والمنطقة المدارية، ببشرها وحيواناتها ونباتاتها، مع ما يسببه ذلك من أمراض للطبيعة التي انسحبت على البشر نتيجة ظاهرة التلوث العالمية، وما يسمى بـ”تآكل غازات الدفيئة”، أو “الاحتباس الحراري”، الذي رفع درجات حرارة الأرض باستمرار.

ألا يُذكِّرنا ذلك بفكرة فيلم “بنت الحارس” للأخوين رحباني وفيروز، حين استغنت “حكومة الضيعة” عن الحارس، لأن اللصوص اختفوا من الضيعة، ما استدعى أن تقوم بنت الحارس باختراع قصة “أبو الكفية” كي يعود والدها حارسًا لشوارع الضيعة. هذه حال إنفاق الحكومات على السلاح أضعاف ما تنفق على النظام الصحي، إلى أن جاءت الجائحة فانتبه النيام. فهل انتبهوا؟

العلاقات الاجتماعية

الآن، والعالم على أتم الاستعداد لمطارحة الفيروس العجيب عامًا آخر، على الأقل، مع استمرار الشائعات، والآراء الطبية المتناقضة، حول خطر الفيروس القديم، ومدى خطورة الطفرات، ومدى نجاعة اللقاحات الشرقية والغربية، لا نجد سببًا كي نقول عكس ما يعتقده العامة من أنَّنا على شفا هاوية في ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية التقليدية، حتى أن أحدًا لم يعد يلوم وسائل التواصل الاجتماعي على خطرها على العلاقات الأسرية، وعلى العلاقات الاجتماعية عامة، بل إن وسائل التواصل هذه، مع حاضنتها الإنترنت، ساهمت، إلى حد بعيد، في التخفيف من آثار العزلة التي فرضها شريكنا الجديد في الحياة القاتمة التي لم يكن ينقصها هذا الحضور الباهر للسيد كوفيد ـ 19، فالإنترنت وفر التعليم عن بعد، بعد إغلاق المدارس، وأنجز الندوات وحفلات تقديم الجوائز، ووفر حضور الأنشطة الرياضية، حتى حفلات الزواج، والعزاءات، كلها أصبحت، مع الفيروس، تتم عن بُعد. كل هذا بفضل وسائل التواصل الاجتماعي المعتمدة على الإنترنت. هذا من دون أن نقصد أن مبتكري هذه الوسائل شركاء الفيروس كي تزيد أرباحهم!

  • Social Links:

Leave a Reply