“حنّا بَعل”.. بحثاً عن “أليسار” قُرْطَاج

 “حنّا بَعل”.. بحثاً عن “أليسار” قُرْطَاج

نجم الدين سمّان-رابطة الكتاب السوريين

  • ما رتَّلَتْ… شفتا حنّا بَعل:

كَمْ مِجْدَافاً تكسَّرَ بين أصابعي

وارتجفَتْ بقلبي أشرعَةُ الريحْ

أَسْلَمَتْنِي عاصِفَةٌ… لعاصِفةٍ

وهذا البحرُ.. أَعْرِفُهُ، ويَعْرِفُني

وذاكَ المِلْحُ من حَوْلي؛

لا يَكَادُ يُبَلِّلُ جَسِدي

حتى يَجِفَّ فوقَ شَفتيّْ.

وللمِلْحِ… طَعْمُ الملح ونَكْهَتُهُ

حتى ظَمِئْتُ للماءِ: بَعْلاً وفُرَاتَاْ.

لَمْ أتبيَّنْ ميناءً… لِقَدَمَيّْ.

ما كنتُ قد عَرَفْتُكِ…

لكنَّ وجهكِ تَجَلَّى.. لي،

حين رأيتُ في مرايا الزبَدِ.. وجهي؛

رَفَّ من رئتيَّ… طائرُ الفينيق،

دارَ حولَ أشرعتي.. قالَ:

ـ اتبَعْ قلبكَ… كأنكَ تَتْبَعُنِي.

فَتَبِعْتُهُ إلى حيثُ أُريدُ… ولا يُريدْ.

كنتُ.. كلَّما غَسَلْتُ وجهي بماءِ البحر: أرى وجهكِ،

وبالماءِ… أَلْمَسُهُ ويَلْمَسُنِي،

من الماءِ… أنتِ؛ من زَبَدِ المَوْجِ،

وأنا… من تُرَابِ شرقٍ حزين.

عَبَرْتُ هذا الأزرقَ..

حتى رَسَا بِيَ المِلْحُ… على شواطِئِكْ.

يا أنتِ… يا أليسارُ..

ما كِدْتُ أراكِ؛ حتى تأكدتُ أَنِّي.. لَكِ.

وما تيقَّنتُ بَعْدُ؛ أنكِ.. لي.

لكِ عينانِ بِخُضْرَةِ تونِسَ… جمِيْعِهَا

دائمٌ ربِيْعُهَا… كأشجارِ الزيتونِ في حقولِ الروح.

يَرْشَحُ من بَشْرَتِكِ… زَيْتٌ؛ ليُضيءَ وَحْشتي.

صُحْتُ وأنا أُخَوِّضُ في المُرْجَان.. نَحْوَكِ:

ـ هَذِيْ أميرةُ قلبي، وهاهنا.. قُرْطاجُ التي لي.

هنا.. يَسْتَقِرُّ الوَجْدُ.

ما هَمَسَتْ… شفتا أليسار:

أكانتْ مُجَرَّد صُدْفَةٍ… حين التقينا،

أَمْ… لِتَعْبَثَ بأقدارنا الآلهةْ؟!.

كيف سَأُدْرِكُ… ما أَنْتَ،

قبلَ أَنْ أَعْرِفَ نفسي،

أنا… مُجَرَّد أليسارَ؛ مُجَرَّدُ طفلةٍ،

ولمَّا تَزَلْ تلهو برمل الشاطئ،

حين أَرْبَكَهَا بياضُ أشرعتِكْ.

لماذا جئْتَ من شَرْقِكَ إلى.. غَرْبِي؟.

وكيف أَعرفُ أنك لا تُسَافِرُ.. فيكَ؛

ولَسْتَ تَرْحَلُ عن.. وَحْدَتِكْ؛

وأنكَ توضَّأتَ بالملحِ والريح.. لأجلي؟.

حَوَّم حولي طائرٌ، لم أَكُنْ أَعْرِفُهُ،

رَفَّ حتى مَسَّ جناحاهُ جبهتي، قال:

ـ ستأتيكِ سُفُنٌ بالمَنَامَات، وبالطِيْبِ، وبحرير الرَغْبَةِ، وبالنبيذ.

فلم أَكَدْ أستفيقُ حتى رأيتُكَ

تُخَوِّضُ في مُرْجَان شواطِئِي.. نحوي.

لم تُخْبِرْني العَرَّفاتُ عَنْكَ،

لم يقرأ لي أَحَدٌ… طَالِعَكْ!

كيف ستقرؤُكَ أنوثتي.. إذاً؟،

وأنا أغلقتُ النوافذَ جميعَهَا؛

أسْدَلْتُ حريرَ العُزْلةِ،

تواطَأتُ مَعْ نَفْسي.. ضِدَّ نفسي.

لم يَخْطُرْ بِبَالِ رجلٍ؛

أَنْ يَعْبَثَ في الليلِ.. بستائري.

لماذا تَسْتَرِقُ النظرَ إلى.. أصابعي؟.

لا أَثَرَ لِوَشْمٍ.. فوقَ راحَتَيّْ!.

كُفَّ عن.. عَيْنَيّْ.

كلُّ جبالنا مِثْلُهَا خضراءُ.. وسهولِنَا،

فابتهِجْ بها، وَدَعْنِي… لوَحدَتِي.

امْرَحْ مع حُوْرِيَّاتِ البحر أمامي.. فلا ضَيْرَ عَلَيّْ.

وارقُصْ.. ما شِئْتَ؛ وما.. تشاءُ.

إشْطَحْ… لتأخُذَكَ المَوَاجِدُ كُلُّها،

وتَجَلَّى… ليتبدَّى فيك بَعْلٌ: لِعَشْتَارَ،

ولِسِوَايَ من النساء، فلا ضَيْرَ عليكْ.

لا تُغَازِلْنِيْ… إرْمُقْنِي فَحَسْبُ؛

بانخطافِ السَوَادِ في عينيكْ.

دَعْ مسافةً بيني… وبينكَ.

لا تَخْطِفْنِي إلى رَقْصِكَ؛

نَسِيْتُ أقدامي في البيت.

خَبَّأْتُ ارتجافَ قلبي… في الظِلِّ،

تَنَاسَيْتُ ما يكونُ بينَ امرأةٍ ورجل،

تجاهَلْتُ… شَهَوَاتي؛

قُلْتَ… لي: ـ ابتسمي يا أميرةُ؛

ليرتعشَ بينَ شفتيكِ… الضَوْءُ.

فَتَدَارَكْتُ بَسْمَتِي لأُخْفِيْهَا عَنْكَ؛ و.. عَنِّي.

قُلْتَ: ـ اضحكي يا أميرةُ ليضحَكَ البَحْرُ.

غَنَّيْتَ لي… مَوَاوِيْلَكَ الحزيناتِ؛

فتذكرتُ بَغْتَةً أني نَسِيْتُ في الأسى.. ضحكاتي،

وأنكَ لا تَلْبَثُ حتى تُعْدِيْنِي.. بضحكاتِكْ.

هَمَسْتَ.. لي:

ـ أَسْمَعُ قلبَكِ كَهَدِيْلِ اليَمَامِ… في مَنَامَاتِيْ.

وأنتَ جَلَبْتَ اليَمَام من.. شَآمِكَ،

والياسمينَ.. لتُغْوِيْني،

وكنتُ أُدَارِي عنكَ.. غِوَايتي،

وصَبَابتي، ولَهْفَةَ الزمانِ.. إليكْ.

لم أَدْرِ.. حتى مَسَّتْ شفتايَ حروفُكَ،

وتَبَدَّى لأولِ مرَّةٍ اسمي في ألواح الطين،

فلم أَكَدْ أَنْطِقُ بِهِ.. لأجلكَ،

حتى قُلْتَ: ـ نسيتُ في خُضْرَةِ عينيكِ.. أبجديتي.

وقُلْتَ: ـ عَلِّمِيْني إيَّاها مرَّةً… لأنقشها على الماءِ،

وفي لازَوَرْدِ هوائِكِ،

أُطَرِّزَها بحرير التَشَهِي على… مَخَدَّتِكْ،

أعبُرُ بها البحرَ لأزرعَهَا على شواطئ الآخرين،

أُرَتِّلَ بها… صَلَوَاتي لبَعْلٍ،

تَغْسِلُكِ أمطاري من كُلِّ شائبةٍ،

حتى يَشِفَّ من ثَنَاياكِ… هذا الحنينْ.

لماذا تُحَاصِرُني يا حنا بعْلُ.. بِمَعْسُولِ كلامِكْ؟!

أَكْرَهُ أن يُحَاصِرَني رجلٌ حتى.. بالحبِّ!.

وقلبي من خَزَفٍ.. فتمهَّلْ.

قبلكَ.. كادَ أحدٌ أَنْ يَكْسِرَهْ.

فاحتمي قلبي.. بي؛

حافياً كبُوْذِيٍّ،

ومَذْعُوراً كالقَطَا من مناقير الصقور،

راجِفَاً… مثلي، وَاجِفَاً… فاحتميتُ بهِ.

لَسْتُ.. لي، حتى أكونَ لكَ و.. إليكْ.

ونحنُ النساءُ لا ندري.. كيف نتورَّطُ في الحبِّ؟!؛

ولا ندري.. لماذا نتريَّثُ فيهِ؛

حين تَخْطِفُنَا.. سَكْرَتُهْ؟!.

ربما.. تُغْوِيْنَا فِكْرَتُهْ.

ويكونُ في سريرنا أبداً،

نموتُ مِنْ أجلِهِ، ويُميْتُنَا… لِنَحْيَاهُ.

دَعْنِي يا حنا بَعْلُ كما.. قَدْ رَأَيْتَنِي:

وحيدةَ نَفسي، فقد أَدْمَنْتُ قبلكَ وَحْدَتِي،

ولا أدري لماذا خَرَجْتُ منها بَغْتَةً… لألقاكْ.

قُلْتُ.. لأنوثتي:

ـ اخطُفِي نظرةً إليهِ.. وانْسَحِبي.

لا تتركي أصابعَكِ.. لِغَفْوَةٍ بينَ كَفَّيْه.

غُضِّي الطَرْفَ عن.. عَيْنَيْه.

اتركي خطوةً إلى وراءٍ.. عن أنفاسِهِ

وإلى يمينٍ عن.. شفَتَيْه

ولَسْتِ واثِقَةً من ثَبَاتِكِ بين.. ذراعَيْهِ؛

فتمايلي عن.. شِمَالِهْ.

لا تَلْمَسِيْهِ من كَتِفِ رجولتِهِ؛ فذاكَ دَاءٌ يُعْدِي.

وأنتِ عليلةٌ بهِ، فأَسْدِلي شعرِكِ المجنونَ فوقَ عِلَّتِكْ.

لا تَلْثُمِيْهِ سوى.. من جَبْهَتِهْ.

لا.. تَسْتَسْلِمِيْ للحُبِّ.

  • مَا رَفَّ بِهِ… طائرُ الفِيْنِيْق:

كم عيناً لي… لأراها؛ من أجل عينيكْ.

وما رَأَتْني حينَ رَفَّ ظلِّي حَوْلها.. لكنيّ رأَيتْ.

طِرْتُ إليها من.. شهقَتِكْ.

وكنتُ لا أدري.. إلى أينَ؛

فأمطَرَنِي بَعْلٌ.. بِصَوَاعِقِهْ.

هذا إلهُكَ.. يا حَنَّا؛ ويَمْنَعُنِي عن مَقْصَدِكْ.

مَسَّ جناحايَ.. بَرْقُهُ؛ بَلَّلَنِي.. لِحَافُ الغَيْم.

تاهَ عنّي.. رِيْشٌ، فَقَدْتُ لأجلها.. ريشي.

فلمَّا ارتعشَ قلبي.. بين جانِحَيَّ؛

رأيتُهَا مِنْ شَاهِقٍ؛ تَعْبَثُ بالرملِ، وكأنها.. تلهو بي.

لَمَحَتْنِي.. فَارِدَاً نحوها جناحَيّْ؛

رَفَعَتْ رأسَهَا.. نحوي،

رمقتني بعينينِ ذَاهِلتَين،

فأشعلتني بنارٍ خضراءَ؛

تأكدتُ أنها.. أليسارُكْ.

رَفَّتْ روحي.. من حولها، قلتُ.. لها:

ـ ستأتيكِ سفنٌ… بالمناماتِ، وبالطِيْنِ، وبحرير الرغبةِ، وبالنبيذْ.

فلمَّا حَطَّ قلبي فوق ركبتيها

ورأتني بعينِ يقينها… شَهقَتْ: ـ ما أرقَّ هذا الطير!.

لو لم أكُنْ طيراً؛ لطِرْتُ إليها رجلاً.. بقدمين.

وسادَتُها.. ريشي، لتغفو بين جناحيّ.

لو لم تكن يا حنا بعلُ.. صاحبي، لباغَتُّهَا بِخِيَانَتِكْ.

  • ما دَوَّنَتْ… أليسار:

حين غابَ حنا بعلُ عنِّي.. أولَ مرَّةٍ؛

وكم كان.. يغيبُ.

عُدْتُ عن شاطئِهِ.. لاهثةً من رحيله،

أركضُ من.. فُقْدَانِهِ،

لم أُوَدِّعَه.

قال لي.. حين كانَ لآخر مرَّةٍ بينَ ذراعيّ:

ـ قَدْ أَتْمَمْتِ.. شَرْقي، وأَتْمَمْتُ.. غَرْبَكِ،

أنتِ جنوب الروح.

وسيكونُ لكِ.. كلُّ شمالٍ؛

كلُّ جِهَاتي.. بينَ يديكِ،

كلُّ… الدروب.

من أجلكِ… أرحلُ عنكِ، من أجلكِ.. أؤوبْ.

وقد لا أعودُ.. فلا تُودِّعيني.

فلما عَبَرَ البحرَ بأشرعتِهِ ورِجَالهِ،

وبَاتَ يَنْأى، وغَيَّبَهُ شاهِقُ الموج،

استدرتُ مِنهُ.. إليّْ،

لم أكَدْ أخطو نحو وَحْدتي،

حتى لَمَحْتُ طائرَ الفينيق يَؤوبُ.. إليّْ.

كلّما غابَ حنّا بَعْلُ.. جثا الطائر فوق رُكْبَتَيّْ.

أفتح له النوافذ.. لِيَرِفَّ، لِيَزِفَّ لي عَوْدَتَه.

فإذا عادَ من دُونِهِ.. لاذَ بي؛

حَطَّ بين نَهْدَيَّ.. لأحضُنَهْ.

في عينيه سوادُ الكُحْلِ.. كسوادِ عينيه.

في منقارِهِ؛ لَهْفُةَ شفتيَّ.. لشفتيه.

وما أدري.. لماذا يَخْفقُ قلبي؛

كلَّما أَخَذْتُهُ كإناثِ الطير.. إلى فراشي،

وكلّما تعرَّى من رِيشِهِ.. بين ذراعيّ،

وغفا فوق وسادتي؟!.

أنامُ مِلأْ أجفانِهِ.. وبينَ جناحيه.

أَحْلُمُ في ليلِهِ.. بأميري!.

* تونس ـ دمشق كانون الأول ـ ديسمبر ـ 2007.

*- الصور.. بعين نجم الدين سمان الثالثة وبكاميرته.

  • Social Links:

Leave a Reply