عنف وضياع والسبب كورونا

عنف وضياع والسبب كورونا

نضال الشيخ _نينار برس

نهى سيدة ذات 35 عاماً، عانت سابقاً مع زوجها بأمور وصفتها بالبسيطة، أما هذه الايام تعتبرها الأسوأ في حياتها، تروي لنينار برس قصتها.

“مرت الأيام والخلافات بيني وبين زوجي عادة تصل بيننا للمجادلة البسيطة وتنتهي بسرعة بسبب انشغالنا بأعمالنا ومسؤولياتنا، وهذا حال أغلب الأزواج، لتأتي كورونا وتحجرنا في منازلنا فأُغلِقت المدارس والمعامل”.

جائحة كورونا تسببت بدخول نهى وعائلتها بمرحلة جديدة، فالتحذيرات التي أطلقتها السلطات التركية حيث تقطن نهى وحظر التجول الذي تم فرضه على الأفراد حمّل نهى ما لا طاقة لها به، تقول نهى “في هذه الأثناء قضى أولادي وزوجي طوال وقتهم في المنزل، وهنا بدأت مأساتي، فأصبح زوجي يتقاضى نصف راتبه الشهري، وهذا الوارد لا يفي احتياجاتنا الشهرية، لتبدأ المشاكل اليومية بسبب الظروف المادية من جهة، وعدم تقبله لحركةِ أطفالهِ التي لم يكن معتاداً عليها من جهة أخرى، لقد كشفت جائحة كورونا عن وجود تفاوتات هائلة في الاستيعاب ومساحة التفكير لاستيعاب الأطفال”.

أهلكني العنف اللفظي والجسدي

تكمل نهى حديثها وهي تحاول أن تخفي دموعها “التعنيف اللفظي والنفسي الذي أتعرض له باستمرار أهلكني، فآخر مرة تفوه زوجي معي بكلام بذيء “أنتِ حيوانه لا تعرفين سوى العمل في المنزل وتناول الطعام”

ترى نهى أن السبب الرئيسي الذي يدفع الرجل إلى التمادي في تعنيف زوجته هو سكوتها، وهو أكبر خطأ لتيسير العلاقة الزوجية، فالتسامح في مقابل الإهانة هو أسوأ ما قد تفعله المرأة، فعدم احترام المرأة والتقليل من شأنها أو تحجيمها عن طريق العنف اللفظي هو دمار بالنسبة لها، تتابع نهى قصتها “في كل مرة أكتفي بالبكاء والدخول لغرفتي مستسلمة للألم والمسامحة على أمل أن يتغير، وفي الوقت الذي قررت به ألا أسكت ولا أكتفي بالبكاء، وأن أدافع عن نفسي كانت ردة فعله بالنسبة لي صفعة كبيرة لا تنسى، فقد بدأ بضربي إلى أن فقدت الوعي”.

تنصح نهى النساء اللاتي قد يتعرضن لتعنيف منزلي بإبقاء وثائقهن الرسمية، كالهوية الشخصية والتأمين الصحي وأرقام الطوارئ في مكان قريب منهن، والتواصل مع أشخاص يثقن بقدرتهم على تقديم المساعدة حين الحاجة وهذا ما قامت به نهى فعلاً “تدخلت إحدى الجارات، وهددته أنها ستتصل بالبوليس وتأخذ حقي منه، وقعت في حيرتي هل أقوم بالإبلاغ عن زوجي، وسجنه؟ وأتحمل بمفردي مسؤولية أولادي؟ أم أصمت عن تعرضي باستمرار للضرب؟”

تواصلت نهى مع إحدى المنظمات النسائية التي تهتم بشؤون المرأة في منطقة شانلي أورفا التركية حيث تقطن نهى، فطلبت منهم المساعدة بأسلوب توافقي بينها وبين زوجها دون أي ادعاء أو شكوى رسمية، فقامت المشرفة بأخذ تعهد منه بعدم التعرض لها مرة ثانية.

كما تتابع العديد من النساء مع مؤسسات تعمل على قضايا العنف، حيث تقوم بالاستمرار معهن ومساعدتهن بالتواصل مع الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين في حال تعرضهن لأي عنف أو ضائقة.

مبادرات كثيرة خاصة بالنساء المعنفات

تواصلنا في نينار برس مع السيدة إسراء العواك، إحدى المسؤولات في منظمة نساء الغد، وهي منظمة تطوعية تأسست منذ أكثر من خمس سنوات، تساعد على تمكين النساء اجتماعياً وحقوقياً واقتصادياً، كما كانت لهذه المنظمة مبادرات كثيرة خاصة بالنساء وأطفالهن في بلد اللجوء، تقول إسراء “استفادت أكثر من 2000 سيدة من المبادرات التي قدمت من قبلنا، وقد تابعت عملها بشكل أوسع في ظل جائحة كورونا من خلال منصات التواصل الاجتماعي بأنشطة وبرامج متعددة، بدءاً من الدعم النفسي إلى المبادرات التي حدثت في الداخل السوري، وقد ساهمت المنظمة في التغييرات المطلوبة في اتجاهات ومعارف أفراد المجتمع، خاصة بالتوعية بأخطار العنف ضد المرأة والاحتياطات المطلوبة من أرقام وتواصلات الطوارئ في حال الحاجة، لذلك ساهمت مبادراتنا المجتمعية في تحقيق المساندة الاجتماعية للمرأة المعنفة، وحمایة واحترام الحقوق والحريات والتوعية بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان للمساعدة في بلورة أسس الأمن الإنساني ومرتكزاته، إلا أننا نرى أن هذه المنظمات المحلية التي تعمل على تمكين النساء وحمايتهن، ودعم الناجيات منهن، ورفع أصواتهن، أعدادها قليلة ولا تملك الدعم الكافي “.

ما هو العنف من وجهة نظر علم النفس

يعرف الداعم النفسي خليل الأحمد، في لقاء أجرته معه نينار برس، العنف ضد المرأة على أنه أي عمل عنيف يرتكب ضد النساء في مختلف الأعمار، وبدوره يشكل أحد أشكال الكراهية ضمن العلاقات الأسرية، وتلعب العوامل الثقافية دوراً كبيراً فيه، وتأتي سيطرة الرجل على المرأة عن طريق القوة البدنية أو القوة الاقتصادية ما يعطيه الشعور بالأفضلية.

أما بالنسبة للذي يمارس التعنيف حسب قول الأحمد فقد يكون بسبب مرض نفسي، حسب بعض الحالات التي عاينها. يتابع الأحمد “إن التغيرات الاقتصادية في الفترة السابقة كان لها دوراً كبيراً في العنف، سواء العنف الجسدي أو العنف اللفظي أو العنف الاقتصادي، فكانت نتائج العنف كبيرة في فترة النزوح واللجوء وبعدها كورونا ووجود أكثر من عائلة ضمن منزل واحد أحياناً زاد في نشوء الصراعات، فالعنف يؤدي إلى الإحباط، وخاصة لدى النساء السوريات، لأنهم خرجوا من حالة عنف أثناء الحرب، فتضاعف لديهم أثناء حالة جائحة كورونا، الأطفال والنساء هم الطرف الأكثر استهدافاً للعنف”.

أما من حيث التدخلات التي يتم العمل عليها عن طريق المنظمات أو عن طريق الحكومة التركية فيصفها الأحمد بالجيدة فهناك مأوى للنساء، وكذلك القانون التركي يدعم المرأة، إلا أنه في بعض الأحيان لا يُفعَّل بشكل كامل بسبب القائمين عليه لأن معظم السوريين يخضعون لقانون الحماية المؤقتة حسب قوله، ويتابع الداعم النفسي حديثه “إن النساء الناجيات من العنف يتعرضن لاضطراب ما بعد الصدمة خاصة في حالات العنف النفسي والجسدي كالتوتر والقلق والاكتئاب كذلك الشعور بالوصمة “وصمة العار” فنجده يحدث عند أغلب الناجيات من العنف، إضافة إلى تدني مفهوم الذات لديهن أي لوم أنفسهن دائماً.”

يرى الأحمد أن هناك نقص بالخدمات، كالمأوى المقدم للناجيات، فخدمته متوسطة، وكذلك تمكين المرأة من العيش بمفردها بالنسبة للناجيات من العنف لا يفي بالغرض، كتوفير منزل لمدة ثلاثة أو ستة أشهر يعتبر تدخل قصير المدى وهي تحتاج للحلول الدائمة كتعلم مهنة أو متابعة تحصيلها العلمي.

تضاْعُف حالات العنف

مع تنفيذ البلدان تدابير الإغلاق، يقضي ما يقارب 2,5 مليار مواطن. حول العالم في حجر منزلي وبسبب هذا الحجر اشتدت حالات العنف ضد المرأة وخاصة العنف المنزلي وارتفاع حالات العنف إلى ثلاثة أضعاف عن الأعوام السابقة وارتفاع عدد المكالمات إلى أرقام المساعدة خمسة أضعاف بحسب الأمم المتحدة.

وحسب تقرير منظمة الصحة العالمية بعنوان “العنف ضد المرأة في ظل كورونا” يأتي إقليم شرق المتوسط في المرتبة الثانية على مستوى العالم حيث ازداد العنف ضد المرأة بنسبة من 50٪ إلى 60٪ بناء على مكالمات الاستغاثة التي تجريها النساء.

قالت خبيرة حقوق الإنسان المستقلة في الأمم المتحدة دوبرافكا سيمونوفيتش، إن كوفيد-19 يلقي بظلاله علينا فأصبحت جائحة قتل الإناث، وما يتصل بها من عنف قائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والفتيات، داعية إلى التأسيس العالمي لمبادرات وطنية لمراقبة عمليات القتل هذه ومنعها.

“في الوقت الذي نُحييَ فيه حملة 16 يوماً من النشاط السنوي ضد العنف القائم على النوع الاجتماعي (25 تشرين الثاني/نوفمبر – 10 كانون الأول/ديسمبر)، تتعاون هيئة الأمم المتحدة للمرأة مع الناجين والناشطين وصناع القرار ومنظومة الأمم المتحدة والأشخاص من كل مناحي الحياة، من أجل تسليط الضوء على الحاجة إلى التمويل والخدمات الأساسية والوقاية والبيانات التي تساهم في صياغة استجابات بشكل أفضل.”

القوانين في دولة اللجوء

يحظر القانون التركي التمييز على أساس الجنس ويعتمد مبدأ المساواة بين الجنسين وتوفير الحقوق المدنية والسياسية الكاملة للمرأة تزامناً مع وجود اتفاقات ومواثيق دولية وقعت عليها معظم الدول، حيث كانت المعاهدات ضمن مجموعتين من حيث الحماية القانونية لحقوق المرأة واتفاقيات عامة تضمن مبدأ المساواة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وضمنها اتفاقية سيداو، التي تنص على إلغاء أشكال التمييز ضد المرأة كافة، والتي دخلت حيث التنفيذ 3 سبتمبر 1981 وتدعو إلى مبدأ المساواة بين النساء والرجال في دساتيرها وتشريعاتها، وانضمت سوريا إلى الاتفاقية منذ عام 2002 مع تحفظات كثيرة تجاه بعض مواد هذا الميثاق، وعلى رأسها المادة ( رقم 2) المتعلقة بحق إعطاء المرأة جنسيتها لأولادها، كذلك بعض البنود المتعلقة بالميراث والحضانة وغيرها…

ورغم كل هذا الجهد لتنفيذ القوانين وتوعية المرأة والرجل بها، تبقى المرأة في الخطوط الأمامية لمواجهة العنف ويبقى نشر الوعي في المجتمع من قبل منظمات المجتمع المدني والجهات المختصة هو الطريق الأمثل نحو العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات وتبقى القوانين وتعديلاتها حبراً على ورق ما لم يكن في جسم الدولة هيئات تشرف على تطبيق القوانين، فمهمة إنهاء العنف ضد المرأة هو مسؤولية الجميع.

  • Social Links:

Leave a Reply