فرعونة الشرق الشهواني

فرعونة الشرق الشهواني

صبحي حديدي – القدس العربي:

مجلة GEO HISTOIRE الفرنسية، المختصة بالجغرافيا والتاريخ، خصصت عددها الأحدث، نيسان ــ أيار (أبريل ــ مايو) لموضوع كليوباترا الملكة، والإمبراطورية المصرية في عهدها؛ فغطّت سلسلة التفاصيل المألوفة التي اقترنت بشخصية كليوباترا على مرّ العصور. نقرأ بانوراما تختصر الإمبراطورية، وتسلسل أحداث تبدأ من أوائل الفراعنة (بما في ذلك قسم يروي كيف صارت مصر رومانية) والغازي بطليموس الثالث، والإسكندرية العاصمة ودرّة الشرق، وقيصر روما الذي عرض التاج على كليوباترا، قبل بلوغ الملكة ذاتها، وصراع أوكتافيو ومارك أنتوني؛ ثمّ انقلاب الحاكمة المصرية إلى أيقونة في فنون مختلفة لا تبدأ من الرسم والنحت، ولا تنتهي عند هوليود، بعد المرور بالباليه والأوبرا ومستحضرات التجميل والصابون. ويُختتم الملف (120 صفحة، حافلة بالرسوم والصور) بحوار مع المؤرخ والصحافي الفرنسي روبير سوليه، أحد كبار المختصين بالمصريات.

وكما هي العادة حقاً، مع استثناءات جدّ نادرة، هيمنت الفانتازيا على التاريخ، وطغت استيهامات الشرق المسبقة على الجغرافيا، ولم تسلم كليوباترا من التنميطات التي اقترنت بشخصيتها طوال ثلاثة آلاف سنة؛ ابتداء من رئيس التحرير إريك ميير (الذي ختم افتتاحيته بانتظار ذلك يوم انبثاق الملكة من رمال مصر)؛ مروراً بالقسم (الغني فعلاً، لجهة المعلومات والصور) المخصص لاستعادة كليوباترا في الفنون؛ وانتهاء بأقوال سوليه نفسه (ردّ الفضل في تطوير المصريات إلى اثنين من الفرنسيين، أوغست مارييت وغاستون ماسبيرو، وحصْر التفكير التاريخي المصري حول شخص كليوباترا في سياقات قومية ودينية).

نعود، في كل» مرّة إذن، إلى جاذبية فريدة اكتنفت الشخصية، وزاد من وتائر الافتتان بها أنها لم تكن ملكة مصرية فقط، على ما تحمله مصر عموماً والحضارة الفرعونية خصوصاً من سحر؛ بل كانت وراء احتكاك الشرق بالغرب عبر الإمبراطورية الرومانية، وكانت في هذا حمّالة أوجه وصراع تأويلات وصدام سرديات. قاموس هالويل الشهير وصفها بـ»أكثر النساء مكراً في التاريخ» والشروحات الأخرى تراوحت بين انفراد «نسق متكامل من الحكمة النسوية» وتضخيم «موضوع جنسي محض» وتفخيم «عاشقة صادقة رقيقة أحبّت وأفنت نفسها في سبيل مَنْ تحب» و»أميرة شجاعة وطنية»؛ فضلاً، بالطبع، عن كونها حاكمة طاغية، وطفلة عابثة، و»أنثى عتيقة كالخطيئة»… وفي الوسع أن يذهب المرء إلى ذلك الوصف البليغ الذي أطلقه الشاعر الفرنسي الرومانتيكي تيوفيل غوتييه، سنة 1845: «لم تنجب الأرحام امرأة أكثر كمالاً… إنها أكثر النساء امتلاكاً للمعنى النسوي، وأكثر الملكات تجسيداً لمعنى أن تكون المرأة ملكة. إنها التي عجز الشعراء عن إضافة جديد على ماهيتها، وهي التي يلاقيها الحالمون في النقطة القصوى من أحلامهم».

وهذا، بالطبع، وصف لا ينجو جزئياً من عقدة «ترقية» كليوباترا إلى مصافّ فائقة، تختفي في طيّاتها الأعمق تلك الفكرة المحورية التي هيمنت على تسعة أعشار نماذج تصوير أهل «الغرب» لنساء «الشرق» وحصرهنّ في مراتب حسّية شهوانية أو رومانسية طهرانية، عابرة للخصال الإنسانيّة والبشرية المحضة. وأمّا الأوصاف الأخرى، التي لا تتفادى هذه العقدة، بل على العكس تنطلق منها جوهرياً، فإنها تذهب مذهب الكاتب والشاعر الإيطالي جيوفاني بوكاشيو؛ الذي قال، في أواسط القرن الرابع عشر، إنّ جسد كليوباترا «اكتسب نعومته من لذائذ كبرى، واعتاد على أرقّ الاحتضان، فكان طبيعياً أن يعانقها في النهاية ثعبان قاتل»!

من جانبي أعتبر أنّ أحد أفضل المراجع عن الملكة المصرية، خاصة موقعها في المخيال الغربي على مرّ العصور، هو كتاب ماريا وايك «عشيقة الرومان: تمثيلات عتيقة وحديثة» 2002؛ ويناقش، على نحو معمّق، فكرة الأنثى التي يلتقيها الرومانيّ الفاتح هنا وهناك في أمصار الإمبراطورية، فيتخذها عشيقة، ويكون لها أدوار سياسية أو ثقافية في حياة الإمبراطورية. وترصد وايك تمثيلات هذا النموذج كما انعكست لاحقاً في المجتمعات الإيطالية والبريطانية والأمريكية، وكما أخذت تتجلى في مختلف أشكال الثقافة الشعبية، في السينما والمسرح والتلفزة والإعلان. الأشهر ربما يظلّ شريط هوليود الذي أخرجه جوزيف مانكفيتش، من بطولة إليزابيث تايلور؛ وقبله شاهدنا ملكة مصر في دور فاسقة قاتلة (تمثيل كلارا باو) وماجنة شريرة انتهازية (كلوديت كولبرغ) وبغيّ في إهاب ملكة (روندا فلمنغ)؛ فضلاً عن صوفيا لورين في بدء صعودها، وليلي لانغتري، وسارة برنار… وبالطبع، لم يكن ثمة مهرب من تقديم كليوباترا في صورة مصاصة دماء الرجال، كما قدمها الفيلم الصامت الذي أنتجته شركة فوكس سنة 1917.

وفي نموذج بريطاني يحاكي نظيره الفرنسي، كانت الشهرية البريطانية History Revealed، التي تعتمد أسلوب المواضيع المصوّرة لتقديم معرفة تاريخية ميسرة وغير أكاديمية، قد اقترحت على قرائها ملفاً عن مصر الفرعونية؛ يبدأ من الفرعون/ الشخصية العامة، والفرعون/ السياسي، والفرعون نصف الآدمي/ نصف الإله، والفرعون/ المعماري… وهنا، أيضاً، كان لا مفرّ من اختتام بـ»الفرعونة الأخيرة»: «الملكة الأفريقية، الذكية، الداهية، الساحرة، كليوباترا السابعة. امرأة الفتنة القصوى التي لا تُقاوَم، والتي انطوى سعيها اليائس إلى السلطة على الغراميات، وجرائم القتل، والحرب…»؛ كما شاء التحرير وصفها.

وما دام «الشرق» في عُرْف بعض «الغرب» محض غوايات متخيَّلة، فإنّ كليوباترا لن تسلم البتة من استعادات تعيد تمثيلها طبقاً لرغائب مَنْ يتخيّلون؛ والملفات بذلك سوف تتعاقب وتتواصل، على قدم وساق!

  • Social Links:

Leave a Reply