اليسار الشريك في قتل السوريين

 اليسار الشريك في قتل السوريين

غازي دحمان – عربي 21 :

تأخرت كثيراً رسالة المثقفين السوريين التي دحضت زيف “التقدميين” و”اليساريين” في العالم، الذين أيدوا نظام الأسد في حربه الهمجية ضد الشعب السوري، والتي استخدمت أساليب القتل والتهجير والإبادة، وسياسة التجييش الطائفي، لمواجهة مطالب السوريين في الحرية والكرامة.

منذ اليوم الأول لخروج السوريين مطالبين بالإفراج عن أطفال درعا الذين اعتقلتهم أجهزة الأسد واقتلعت أظافرهم وقالت لآبائهم أن انسوا أمر الأولاد وأنجبوا غيرهم وإن لم تستطيعوا نرسل لنسائكم جنودنا الفحول.. منذ ذلك اليوم وقف اليسار العالمي والعربي ضد المنتفضين على سلطة الأسد الجائرة، بذريعة أن أصوات أنين المعذبين في سوريا ليست سوى محاولات للتشويش على أوركسترا محاربة الإمبريالية، التي يشكل نظام الأسد أحد عناصرها المهمين. والمفارقة أن الأسد في تلك الحقبة كان يلهث وراء رموز الإمبريالية للاعتراف به وقبوله.

ما ميّز حملة اليساريين في تأييد الأسد؛ جملة الأكاذيب والفبركات التي شنوها ضد ثورة السوريين، وربطها برموز إمبريالية خارجية، عبر تقارير ومعلومات غالباً ما جرى تصنيعها في أوكار المخابرات السورية والروسية والصينية، دون أن يسألوا أنفسهم عن الرابط بين جماهير (عمال وفلاحين) خرجت من الأرياف المهمّشة والضواحي الفقيرة، وبين أهداف واستراتيجيات مراكز الإمبريالية العالمية، وما حاجة تلك الإمبريالية لبلد ناتجه القومي  أدنى من ناتج مدينة صغيرة في أوروبا أو أمريكا؟

الغريب في حملة اليسار ضد السوريين، كم العنصرية الهائل الذي كشف عنه مدّعو الدفاع عن البروليتاريا والمهمشين، الذين شكّكوا حتى بإنسانية هؤلاء، عندما وصفهم الإعلام الروسي بـ”مصاصي الدماء” الذين يجتاحون أوروبا، والذين نظر لهم اليسار على أنهم فائض لا ضير من التضحية بهم على مذبح محاربة الإمبريالية.

والدليل على هذه النظرة الدونية، أن يساريي الأردن على سبيل المثال، في عمان وإربد وعجلون، كانت الحقيقة تبعد عنهم مسافة ساعة للوصول لمخيم الزعتري، على الأقل احتراما لعقولهم وضمائرهم، والاستفسار من ساكني المخيم البائس عن سبب ثورتهم وتشريدهم، أو على الأقل لكي يثبتوا أن هؤلاء متآمرين بدليل أنهم قبضوا خيماً وإعانات من الأمم المتحدة ثمن تأمرهم، مع أن هؤلاء اليساريين كانوا يقطعون مسافة أطول للوصول إلى دمشق والاجتماع ببشار الأسد وسماع روايته عن الأحداث!

غير أن المفارقة في مواقف اليساريين المحاربين للإمبريالية، التي لحظوا ملامحها في الثورة السورية، تأييدهم المطلق لسلوك وأفعال روسيا وإيران في سوريا، والذي كانت سمته الأساسية القتل والسيطرة على ثروات البلد مقابل حمايتهم لنظام فاقد للشرعية، وكثيراً ما اتهموا من يقف ضد هذه السياسات بأنه مغرر به من الغرب للدفاع عن مصالح الإمبريالية ومشاريعها الجيوسياسية في العالم، مع العلم أن روسيا التي طالما اتهمت الغرب بالتركيز على مصالح جيوسياسية؛ يتباهى إعلامها بأن بوتين، بذكائه الخارق، حقق لروسيا مصالح جيوسياسية مهمة بتدخله في سوريا!

الرؤية التي شكلها اليسار عن الشعب السوري في مرحلة الثورة؛ رؤية مختزلة، قوامها اعتبار الشعب الثائر عبارة عن متآمرين وخونة، وفي أحسن الأحوال جماهير بهيمية مغرّر بها فاقدة لقيم الوطنية وأخلاقها، ومقطوعة عن تاريخهم في النضال ضد الاستبداد، أو متطرفة تحركها دوافع دينية للقضاء على نظام تقدمي. هذه الرؤية تشكلت منذ لحظة انطلاق مظاهرات درعا، رغم أن البعد الديني لم يظهر في الثورة السورية إلا بعد عام كامل على انطلاقها. وعندما نقول عام كامل، يعني عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف المعتقلين والمفقودين، ودخول مليشيات طائفية من لبنان والعراق لذبح المتظاهرين، وتهجير كامل لسكان حمص وأجزاء من دمشق وريفها.

لقد كشفت الثورة السورية سطحية اليسار العالمي، ذلك اليسار الذي كان يزعم أنه يسعى لتغيير العالم إلى الأفضل، وأنه يملك نظرية متماسكة قادرة على تحقيق هذا الفعل.. انكشف كم هو بائس هذا اليسار، وأن الحقيقة الوحيدة في تاريخه هي انهيار الاتحاد السوفييتي الذي أسقطته حركة التاريخ وعدم قدرته على مجاراة العصر وتغيراته.. يسار كل ما يملكه قوالب جامدة محنّطة عن مراحل تطور لا تحصل، وحتميات تاريخية لم يثبتها لا العقل ولا المنطق، يسار مهزوم يبحث عن إعادة الاعتبار في تأييد ذبح العمال والفلاحين والفقراء السوريين!

في أيام شبابنا، وفي مظاهرات مخيم اليرموك التي كانت تحصل ضد مجازر نظام الأسد في المخيمات الفلسطينية في لبنان، كان هناك شعار يردّده النشطاء يقول” مخصي الشيوعي مخصي”. الآن ندرك عمق هذا الشعار بعد أن تكشّف حجم جمود العقل اليساري، وعدم قدرته على مقاربة الواقع بأدوات جديدة تستطيع فهم واستيعاب ما يحصل.

  • Social Links:

Leave a Reply