شجرة الاستبداد.. الداخل والخارج السوري –  رشا عمران

شجرة الاستبداد.. الداخل والخارج السوري – رشا عمران

في أول عام 2012 حين غادرت سوريا بعد استدعاءات متعددة من الأمن العسكري، وطلب رسمي لمغادرة البلد تحت طائلة الاعتقال، ظللت مدة أكتب على صفحتي في فيسبوك دون أن أذكر أنني خرجت من سوريا، أولا لأنني كنت أظن أنني عائدة بعد وقت قريب جدا، ثانيا، كان لدي إحساس مهول بالذنب لمغادرتي البلد، رغم أنه في تلك المرحلة لم يعد ممكنا لمن هم مثلنا فعل أي شيء، إذ أن قرار تسليح الثورة كان قد اتخذ، ومساحة الفعل المدني باتت ضئيلة، عدا أنني لم أكن فاعلة كغيري، لم أدع ذلك يوما، لم أدخل إلى المناطق المحاصرة وقتها، وأبقى لوقت طويل فيها، زياراتي لها كانت خاطفة، توصيل ما يمكن إيصاله من المواد الطبية والمساعدات فقط،  نشاطي الفعلي كان تدوينيا لا أكثر، شأن الكثير من الكتاب السوريين المناصرين للثورة.

لم يفعل أحدنا شيئا مهما على الأرض، وهو ما يجب أن نعترف به جميعا بعيدا عن ادعاء بطولات واختلاق أحداث لم تحصل، خصوصا بعد الأشهر الأولى من الثورة، أي بعد التحول من السلمية إلى العسكرة المنظمة، حيث بات واضحا  أن هدف النظام كان تفريغ سوريا من الفعل المدني وأصحابه، إما عبر الاعتقال أو القتل، أو النفي لمن اعتقالهم يمكنه أن يثير بلبلة إعلامية، كان النظام وقتها لا يزال يملك بقايا حرص على سمعته، هكذا خرج من سوريا الكثير، بسبب الخوف، وأنا واحدة منهم.

حين كتبت لأول مرة أنني خارج سوريا على صفحتي على فيسبوك ، بعد شهرين من خروجي،  دخل شخص على الخاص، كان من قائمة الأصدقاء عندي، وترك رسالة فيها غضب ممزوج بالعتاب على تركي سوريا في مثل تلك اللحظات الحاسمة، بكيت وقتها ولم أستطع الرد، ولم أستطع لومه، إذ كان محقا فيما يقول: غادرت البلد في أكثر أوقاتها احتياجا لأبنائها، لكنه الخوف، لم أكن بطلة، ولم أدع ذلك يوما، ولست شجاعة بما يكفي لأبقى تحت ضغط التهديد بالاعتقال، ليس لي فقط بل لابنتي الوحيدة، التي رفضت أن تغادر سوريا دوني، كان قرارها إما أن نبقى معا أو نغادر معا، غادرنا معا طبعا ونحن نظن أننا عائدتان بعد أشهر، وهاهي سنوات تسع مضت ونحن خارج سوريا، ومثلنا الملايين من السوريين، تسع سنوات ومازلت لا أستطيع نسيان رسالة ذلك الصديق، ولا غضبه المحق وقتها، خصوصا أنه كان يعيش في سوريا، ولا أعرف حقا أين أصبح الآن، اختفت صفحته من العالم الأزرق، ربما حظرني بعد ذلك الموقف، أو ربما أغلق صفحته، كل ما أتمناه أن يكون بخير أينما أخذته الحياة.

كثيرون مثلي ممن غادروا سوريا تعرضوا للشتائم ممن لم يغادروها، شتائم وتخوين واتهامات مختلفة، حتى من أصدقاء ورفقاء درب، حتى ممن لم يتعرضوا لأي تهديد، موجة من الغضب العارم اجتاحت من بقي في سوريا موجهة ضد من غادروها، الغضب المحمل باتهامات عن مسؤولية  الخارجين عن فشل الثورة، أفكر أحيانا أنهم ربما كانوا على حق، إذ أن طفرة الخروج التي أول من بدأها مدنيو الثورة، قد تكون  تركت أثرا سلبيا على مجريات الثورة، لكن في المقابل، أمام خطة التسليح والأسلمة الممنهجة، وأمام التمويل المهول الذي وضع تحت تصرف المجموعات المسلحة لأسلمة الثورة وتطييفها وإظهارها بمظهر الثورة المتطرفة، لم يعد للمقاومة المدنية أي دور، كما أن لكل شخص مقداره الخاص من الشجاعة، ولكل شخص معياره الفردي لما يريده لحياته، إذ في النهاية، لا شيء أثمن من حياة الإنسان، حتى القضايا الكبرى والثورات العظيمة، هدفها هو أن تعيش الشعوب في ظروف إنسانية أفضل، لا أحد يحب العدمية والموت إلا أصحاب النزعات الانتحارية، كما أن البحث عن الأمان حق من حقوق البشر، والشباب السوريون الذين بدؤوا بالثورة، لم يعد أمامهم ما يفعلونه في سوريا بعد التسليح والملاحقة، خروجهم كان ضروريا، لا يحق لأحد لومهم عليه، خصوصا أن من بقي هناك، في مناطق النظام لم يفعل شيئا يمكن التعويل عليه، ومن حاول فعل شيء تم اعتقاله وتغييبه، ومن بقي في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام تعرض للملاحقة  والمضايقة من الفصائل الإسلامية، أو للتغيبب أو التصفية أو التسليم للنظام.

رغم كل ما سبق، فإن المزايدة من بعض من بقي في سوريا على الخارجين منها لم تتوقف حتى الآن، رغم أن هؤلاء يتنقلون داخل وخارج سوريا بحرية تامة

رغم كل ما سبق، فإن المزايدة من بعض من بقي في سوريا على الخارجين منها لم تتوقف حتى الآن، رغم أن هؤلاء يتنقلون داخل وخارج سوريا بحرية تامة، أي ليسوا في موضع شبهة بالنسبة للنظام، وليسوا مطلوبين ولا ملاحقين، وأوضاعهم المادية تتيح لهم حياة كريمة داخل سوريا التي تعاني الغالبية العظمى من سكانها حاليا من تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية إلى الحد الذي يكتب الكثير منهم على صفحات العالم الأزرق عن فقدان السوريين لكراماتهم، وعن إحساس الذل الذي بات مسيطرا على حياتهم، وعن رغبتهم بالهروب إلى أي مكان خارج الجحيم الذي يعيشونه، في الوقت الذي أغلق العالم كله حدوده أمام السوريين، خصوصا في زمن كوفيد، الذي زاد من حجم الجحيم السوري.

بيد أن ثمة مزايدة معاكسة، إذ قبل مدة نشرت صديقة تعيش في سوريا صورة لها وكتبت عليها اسم البلد الذي التقطت فيه الصورة، قد تكون الصورة قديمة وقد تكون حديثة، هي لم تذكر ذلك، المدهش أنه من ضمن التعليقات على الصورة، تعليق من شخص يلومها بشدة على تركها سوريا، فهو يتابعها كما قال” لأنها تنقل الواقع السوري كما هو مما يجعله هو المغترب منذ زمن يشعر كما لو أنه لا يزال في سوريا” وطبعا لم يقتصر الأمر على التعليق هذا بل كتب لها كلاما فيه تجريحا وتعرضا مواربا لها، فكرت وأنا أقرأ ما كتبه عن الحق الذي يتيح لأي كائن بالعالم مصادرة رغبات الآخرين أو حريتهم أو حقهم بالبحث عن حياة أفضل، يعيش هذا الكائن على الحنين ويغذي حنينه من ألم وقهر السوريين في الداخل، القهر الذي لا متنفس له سوى صفحات العالم الأزرق، سوف يفقد هذا الكائن المصل المخدر الذي يحقن به ضميره إذا ما استطاعت تلك الشابة النجاة من القهر والهروب منه نحو حياة أكثر عدلا وأمانا وإنسانية؛ أليس هذا استبدادا من نوع آخر ومصادرة لحياة آخرين ومحاولة إعدامهم لأنهم قرروا البحث عن أمانهم، من قبل من يعيش أمانا كاملا واستقرارا وحياة مرفهة؟! يطلب هذا الكائن ممن يعيشون في سوريا البقاء فيها لينقلوا له ما يحدث كي لا ينطفئ حنينه للبلد، وأي بلد؟ البلد المريض المنكوب المهان المدمر؟!

يتيح العالم الافتراضي رصد الكثير من الظواهر البشرية الغريبة والمتنافضة، خصوصا في الحالة السورية، حيث أصبحنا جميعا، نحن السوريين، مضطربين نفسيا إلى الحد الأقصى، لم ينج أحد من هذا الاضطراب لا في الداخل ولا في الخارج، الكل سواء، فما حدث في سوريا وللسوريين يفوق القدرة على الفهم والاستيعاب والتحمل، وهو ما ترك أثره على التواصل الإنساني الصحي بين السوريين، وعلى تفهم الحالة الجمعية والحالات الفردية، ما حدث في سوريا حولنا جميعا، إلى نسخ مختلفة عن المستبد، لا مانع لدينا من تنفيذ حكم الإعدام المعنوي بأي آخر نعتقد أنه يخذلنا حين يختار مالا يعجبنا من أشكال الحياة أو الانتماءات أو الآراء، دون أن نسأل أنفسنا ماذا قدمنا نحن لهذا الآخر، ومن أعطانا حق محاسبته على خياراته، من منحنا حق استباحة رغباته، إلابذرة الاستبداد التي زرعت فينا منذ زمن وكبرت جدا حتى أصبحت شجرة ضخمة نحن جميعا فروع فيها.

  • Social Links:

Leave a Reply