وفد روسي سرّي واتصال من علي مملوك…  كيف شاركت السويداء في الانتخابات؟ – سامر مختار

وفد روسي سرّي واتصال من علي مملوك… كيف شاركت السويداء في الانتخابات؟ – سامر مختار

بعد فشل الوفد الروسي في إقناع الشيخ حكمت الهجري بتشجيع الأهالي على الذهاب إلى صناديق الاقتراع والمشاركة بالانتخابات، بدأ النظام السوري باتباع أسلوب التهديد والترهيب.

“بعد دعوات وبيانات كثيرة من نشطاء وشباب معارضين للنظام السوري في محافظة السويداء بعدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية، قام وفد روسي بزيارة الشيخ حكمت الهجري في السويداء، وطلبوا منه إبداء رأيه بموضوع الانتخابات، وتشجيع الناس على المشاركة بها.

زيارة الوفد الروسي كانت شبه سرية. لكن، بعدما انتشر خبر الزيارة في المدينة صرَّح الهجري، والذي يعتبر “شيخ العقل” الطائفة الدرزية؛ بأن هذه الزيارة لم تكن تخص موضوع الانتخابات الرئاسية، إنما الوضع العام في السويداء، ولم يضف بتصريحه أي تفاصيل حول الانتخابات.

لكن باطنياً، ومن خلال الذين كانوا هناك أثناء زيارة الروس الشيخ الهجري، فإن الأخير رفض المشاركة في الانتخابات ودعوة الناس إليها، وأخذ موقفاً حيادياً، انطلاقاً من كونه رجل دين لا سياسة، وهذا الكلام تم تصديره في ساحة المحافظة، ووصل إلى أكبر عدد من الفئات التي يمكن الوصول إليها، والمهتمة بالشأن العام”.

هكذا يروي الناشط المدني عزّام الحاج (اسم مستعار) من محافظة السويداء لـ”درج”، عن كواليس الانتخابات الرئاسية في المدينة.

حاول النظام السوري استرضاء الأهالي ووجهاء المدينة تارة، وتهديدهم تارة أخرى من أجل إرغامهم على المشاركة في الانتخابات الرئاسية في سوريا. 

شهدت محافظة السويداء تحولات كثيرة على مستوى الحراك المدني السلمي منذ بداية عام 2020، إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وسوء الخدمات، إضافة إلى الفلتان الأمني، وعمليات اختطاف مدنيين ما زالت المحافظة تعاني منها إلى الآن.

فحملة “بدنا نعيش” أطلقها نشطاء مدنيون في السويداء منتصف كانون الثاني/ يناير 2020، واقتصرت شعاراتها على تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية مثل شعار “تركنالكن السياسة… تركولنا خبزاتنا”، أو كتابة “بدنا نعيش” على رغيف الخبز، أو شعار ” مطالبنا شعبية… ما بدنا حرامية” في إشارة إلى فساد المسؤولين الحكوميين.

إلا أن الاحتجاجات في السويداء تصاعدت أكثر في حزيران/ يونيو 2020 وتحول الشعار من “بدنا نعيش” إلى “الشعب يريد إسقاط النظام” والمطالبة برحيل بشار الأسد.

وعلى رغم أن حال المحافظة بقيت على سوئها، لكنها باتت تشكل مصدر قلق واستفزاز للنظام السوري، الذي لم يتوقع أن تجرؤ محافظة أو مدينة خاضعة لسيطرته أو سيطرة أجهزته الأمنية، على الخروج بتظاهرات ضده وتطالب برحيله، كما أن الاحتجاجات في السويداء أخذت طابعاً سلمياً ومدنياً، ما يذكر النظام بانطلاق الاحتجاجات السلمية في عموم البلاد مطلع آذار/ مارس 2011.

لم يتحسن الوضع المعيشي لا في السويداء ولا في بقية المدن الخاضعة لسيطرة النظام السوري، واستمر الفلتان الأمني وانتهاكات العصابات التابعة لأجهزة الأمن، كما أن شبكة “السويداء 24” توثق عمليات الاختطاف شهرية في المحافظة، وقد وثقت 13 عملية خطف في السويداء في الشهر الأول من عام 2021، و9 أخرى في شباط/ فبراير، و8 حالات في آذار، و9 في نيسان.

استرضاء وتهديدات

حاول النظام السوري استرضاء الأهالي ووجهاء المدينة تارة، وتهديدهم تارة أخرى من أجل إرغامهم على المشاركة في الانتخابات الرئاسية في سوريا.

فبعد فشل الوفد الروسي في إقناع الشيخ حكمت الهجري بتشجيع الأهالي على الذهاب إلى صناديق الاقتراع والمشاركة بالانتخابات، بدأ النظام السوري باتباع أسلوب التهديد والترهيب.

يقول عزّام الحاج: “علمنا أن اللواء علي مملوك، نائب الرئيس السوري للشؤون الأمنية الأسبق، اتصل بالشيخ جربوع، شيخ العقل الثاني في المحافظة، واستدعاه إلى دمشق (لا معلومات مؤكدة إن كان الشيخ زار علي مملوك في دمشق أم أن الموضوع اقتصر على مكالمة هاتفية، أو تم إرسال مبعوث باسمه) وكان الطلب، هو خروجه لدعوة الناس للانتخابات، وتحية الرئيس بشار الأسد”.

ويتابع: “بالطبع كان هناك نوع من الرفض من قبل الشيخ يوسف جربوع، فوجهت تهديدات له وللمحافظة. لذلك كان موقف الشيخ يوسف إلى حد ما ديبلوماسياً، إذ خرج بمقابلة تلفزيونية، ودعا الناس إلى المشاركة بالانتخابات فقط، من دون ذكر أي اسم أو تلميح لأحد، وقال إن الانتخابات حق للمواطن، ودستورياً من حق المواطنين المشاركة بالانتخابات والإدلاء بأصواتهم”.

تمزيق صورة الرئيس المنتخب

حين صدرت أسماء المرشحين ازداد الوضع سوءاً في السويداء، وأصبح الناس يجاهرون بالقول إن الانتخابات التي تجرى هي عبارة عن مهزلة حقيقية من ناحية العدد الكبير الذي تقدم للترشح في الانتخابات الرئاسية، ومن تم اختيارهم لخوض المنافسة.

وعبَّرت شريحة من الشباب في السويداء عن رفضها الانتخابات بتمزيق صور قديمة للانتخابات من ضمنها صور الرئيس بشار الأسد، التي تم تطليخ بعضها بالطلاء الأحمر، في إشارة إلى أنه قاتل وأن يديه ملطختان بالدم.  يقول عزّام: “هذه الصور قد تكفلت بها مادياً ميليشيات الدفاع الوطني في محافظة السويداء، وكانت تكلفة الصورة الواحدة 4 ملايين ليرة سورية، وتم تمزيقها، إلا أن الدفاع الوطني رفع غيرها إنما حذر، وفي بعض الأماكن المكشوفة والتي يصعب الوصول إليها وتمزيقها، وطبعت صور بأحجام صغيرة للمرشحين الاثنين، وصورة ضخمة وكبيرة جداً للمرشح الثالث بشار الأسد، بعضها كان يغطي مباني حكومية كاملة”.

في ما بعد، كانت هناك محاولة لإرضاء الناس في السويداء، من خلال الإعلان عن بعض الإصلاحات، وطرح مشكلات المحافظة، منها مشكلة المياه، والتي كان يعاني منها الأهالي منذ فترة طويلة، لكنها ازدادت سوءاً في الأشهر الماضية، فلجأ الأهالي إلى الشارع للتصعيد.

حملة من “أجل الهيب”

تزامنت أزمات السويداء المعيشية والخدمية مع مقتل شاب من قرية “أم الرمان” التابعة لمنطقة صلخد على أيدي الأجهزة الأمنية، ما دفع الشباب والنشطاء في السويداء إلى تنظيم حملة “من أجل الهيب”، احتجاجاً على قتل الشاب. واتهمت الحملة الجهات الأمنية بالفساد والتصرفات العشوائية وحماية العصابات التي تتاجر بالمخدرات.

وتعاظمت حملة “لأجل الهيب” في ساحة المحافظة، وحصلت على تأييد مجتمعي واسع، واستهدفت الحملة بانتقادتها، وجهاء وشخصيات اجتماعية ودينية مؤثرة، وما زالت الحملة مستمرة إلى الآن، والتي دعت إلى تفعيل دور القضاء والقانون في المنطقة.

يعلق عزَّام على هذه الحملة بقوله: “خلال هذه الفترة كان الوضع صعباً جداً على أجهزة السلطة، والتي حاولت خلال اجتماعات مغلقة مع وجهاء المدينة أن يقنعوا أهالي المدينة بأن القائمين على حملة ” من أجل الهيب” إرهابيون يريدون التخريب وتوريط أهالي المحافظة، لكن لم يستطيعوا ذلك، لأن الردّ كان من الناس بأن هؤلاء الشباب هم طلاب جامعيون يحاولون حماية أنفسهم وعائلتهم، ومطالبتهم بتفعيل دور القانون والقضاء وكفّ القبضة الأمنية عن المدينة، وهي مطالب محقة”.

“أجريت الانتخابات في السويداء، بفضل شريحة (عم تدبك وترقص) فرحاً بالانتخابات، كما أن هناك شريحة شاركت بالانتخابات مرغمة، وحتى الذين كانوا يرقصون ربما هم مرغمون أيضاً”.

اختفاء موقت لعصابات الأجهزة الأمنية ووعود بالإصلاحات

مع بداية أيار/ مايو 2021، وتزامناً مع حملة الانتخابات الرئاسية، اختفت العصابات التابعة للأجهزة الأمنية نسبياً من السويداء، حتى تنقلاتهم في الشوارع بالأماكن العامة باتت محصورة ببعض الأماكن ونادرة، لكنهم لم يختفوا نهائياً. وبالطبع كان اختفاء هذه العصابات في هذه الفترة، محاولة لطمأنة أهالي المحافظة، وتشجيعهم على المشاركة في الانتخابات.

كما زار وزير الموارد المائية الدكتور تمام محمد رعد والتقى القائمين على الهيئات الإدارية والاجتماعية. يقول عزام إنه “خلال الاجتماع تمت مواجهة الوزير والمسؤولين عن مديرية المياه في المحافظة، وكشف ملف الفساد، وكان رد الوزير أنه ستكون هناك إصلاحات حقيقية وستتم محاسبة الكوادر على تقصيرها.

وقبل ثلاثة أيام على موعد الانتخابات، زار رئيس مجلس الوزارء حسين عرنوس برفقة 13 وزيراً محافظة السويداء، وأعلن عرنوس عن منح الحكومة السورية5 مليارات ليرة سورية لدعم محافظة السويداء موزعة على عدد من الدوائر الحكومية”.

يقول عزّام: “موضوع منح خمس مليارات ليرة سورية لم يأخذه كثيرون في المنطقة على محمل الجد، واعتبروه وعوداً كاذبة، كغيرها من الوعود التي سمعوها سابقاً، وباتت كلها مثيرة للسخرية”.

من ذهب لينتخب؟

الصحافية هالة سلام، من مدينة السويداء توضح لـ”درج”: ” الأيام التي سبقت موعد الانتخابات، كانت هناك دعوات للتظاهر والاحتجاج ضد ما اعتبره أهالي السويداء مهزلة الانتخابات، لكن لم يكتب لهذه الاحتجاجات النجاح، فالسويداء كانت قد امتلأت بالشبيحة ورجال الأمن، ما جعل فكرة الخروج والتظاهر صعبة جداً,

وللأسف أجريت الانتخابات في السويداء، بفضل شريحة (عم تدبك وترقص) فرحاً بالانتخابات، كما أن هناك شريحة شاركت بالانتخابات مرغمة، وحتى الذين كانوا يرقصون ربما هم مرغمون أيضاً”.

وأضافت: “تم تشييد أكثر من خيمة لإقامة فعاليات الانتخابات داخلها تحت مسمى (خيمة وطن)، كالخيمة التي أقيمت في مقر حزب البعث في المحافظة، وبالطبع تم إنشاء الخيمة داخل سور الحزب وليس خارجه، خوفاً من تمزيقها. كما تم إنشاء خيمة في فرع الأمن السياسي، وفرع أمن الدولة، على رغم أن إقامة خيمة لتنظيم الانتخابات ليست من مهمات هذين الفرعين. وهؤلاء تحديداً هم المهتمون بالانتخابات في محافظة السويداء. إضافة إلى الموظفين والعمال المضطرين رغماً عنهم للذهاب والانتخاب، إذ تحاربهم الدولة بلقمة عيشهم ورواتبهم الزهيدة. عدا هؤلاء لا أحد مهم بهذه الانتخابات”.

وبحسب شبكة السويداء 24، فإن “موظفاً في مديرية الخدمات بالسويداء، فضل عدم ذكر اسمه، قال للسويداء 24 إنهم تلقوا تحذيرات شفوية من الإدارة قبل أيام، بالفصل من وظيفتهم في حال لم يشاركوا في التصويت بالانتخابات الرئاسية، أو حتى إذا تخلفوا عن حضور احتفالات (خيمة وطن)، التي أقامتها السلطة دعماً للأسد”.

كما أكد الموظف “أنه مع زملاء له، كانوا مجبرين على حضور الاحتفالات التي أقامها حزب البعث”، مشيراً إلى أن جميع موظفي الدوائر الحكومية يعانون من الضغوط نفسها، ومعظمهم مجبرون على المشاركة، خوفاً من قطع مصدر رزقهم، وهو إجراء اتخذته الحكومة بحق عشرات الموظفين في السويداء على خلفية آرائهم السياسية”.

  • Social Links:

Leave a Reply