النيوليبراليّة – الأيديولوجيّة في أساس مشاكلنا كلّها 2/2

النيوليبراليّة – الأيديولوجيّة في أساس مشاكلنا كلّها 2/2

جورج مونبيوت – الحوار المتمدن :

عمليّة احتيال لكسب المال

لم تكن النيوليبراليّة تُعتبر بمثابة عمليّةٍ احتياليّة لكسب الأموال، لكنّها سَرعان ما أصبحت كذلك. النموّ الاقتصادي في عصر النيوليبراليّة (بدأً من 1980 في بريطانيا والولايات المتحدة) هو أبطأ ممّا كان عليه في العقود التي سبقته على نحو ملحوظ، لكنّ هذا لا ينطبق على كبار الأثرياء. بعد 60 عامًا من تراجع التفاوت في توزيع الدخل والثروة، عاد للارتفاع بسرعة في هذا العصر بسبب سَحق النقابات العمّالية وخفض الضرائب وارتفاع الربحية والخصخصة ورفع القيود.

إنّ خصخصة الخدمات العامّة أو إخضاعها لآليات السوق، كقطاعات الماء والقطارات والصحة والتعليم والطرقات والسجون، قد مكّنت الشركات من إقامة أكشاكٍ قبالةَ ممتلكاتٍ حيويّةٍ تجني فيها رسومًا لقاء استعمال تلك الخدمات العامّة من قبل الدولة أو المواطنين. والريع هنا تعبيرٌ آخرُ عن دخْلٍ من غير جهد. فحين تَدفع ثمنًا مبالغًا فيه لقاءَ تذكرة سفر بالقطار، يكفي جزء فقط منه لتغطية ما يدفعه المشغِّلون ثمنًا للطاقة والأجور والمعدات المتحرّكة في السكك الحديد. أمّا الباقي فيعكس كونكَ قد وقعتَ تحت رحمتهم.

أولئك الذين يملكون ويشغّلون الخدمات المخصّخصة كليًّا أو جزئيًّا في المملكة المتحدة، يجنون ثروات مذهلة من خلال توظيف القليل من المال وجني الكثير. في روسيا والهند، القلّةُ القليلةُ المسيطِرة حصلت على ممتلكات الدولة عن طريق حرق الأسعار. وفي المكسيك مُنِح كارلوس سْليم السيطرةَ على كل خطوط الهاتف تقريبًا، الثابت منه والخليوي، وسرعان ما أصبح أغنى رجل في العالم.

يشير آندرو سايِر في كتابه «لماذا لا يمكننا تحمّل كلفة الأغنياء» إلى أنّ «الأمْولة» (financialisation) لها أثر مماثل. فهو يحاجج قائلاً «الفوائد شأنها شأن الريع… هي مدخولٌ غير مستحَقّ يتراكم من دون أيّ جهد». فيما يزداد الفقراء فقرًا والأغنياء غنًى، تزداد سيطرة الأغنياء على واحدة من الممتلكات أو الأصول الأساسيّة، ألا وهي المال. إنّ الفوائد هي في معظمها مدفوعات من الفقراء إلى الأغنياء. حين تُثقل أسعارُ العقارات وانسحاب الدولة من تمويل شراء العقارات، كاهلَ الفقراء، تستحوذ البنوك ومدراؤها التنفيذيون على الأموال (تفكّروا أيضًا بالتبدّل الذي طرأ نتيجةَ استبدال مِنح الطلاب بالقروض الطلابية).

يحاجج سايِر بأنّ العقود الأربعة الماضية تتميّز بانتقال الثروة ليس فقط من الفقراء إلى الأغنياء، بل ما بين صنوف الأغنياء أيضًا: من أولئك الذين يجنون مالهم بإنتاج سلَعٍ وخدمات جديدة، إلى أولئك الذين يجنونه من خلال السيطرة على الأصول وحَصْد الريوع أو الفوائد أو الأرباح على رأس المال. لقد تمّ استبدال الدخل المكتسَب بالجهد، بالدخل من غير جهد.

في كل مكان، نجد السياسات النيوليبراليّة محاصَرةً بإخفاقات السوق. هذا لا ينطبق فقط على المصارف الكبرى التي لا يجوز تركها تنهار كي لا ينهار الاقتصاد، بل ينطبق أيضًا على الشركات المكلّفة تقديم الخدمات العامّة. يشير توني جودت في كتابه «الوطن في حال بائس» (Ill Fares the Land) إلى أنّ فون هايك قد فاتَه أنّ الخدمات الوطنية الحيوية لا يمكن السماحُ بانهيارها، ما يعني أنّ المنافسة لن يُسمح لها بأخذ كامل مجراها. وهنا العمل التجاري هو الذي يجني الأرباحَ وتبقى المخاطر على عاتق الدولة.

وكلّما ازداد فشلها، ازدادت هذه الأيديولوجيّة تطرّفًا. تستغلّ الحكوماتُ أزماتِ النيوليبراليّة بما هي عذرٌ وفرصةٌ لخفض الضرائب وخصخصة ما تبقّى من الخدمات العامّة وإحداث فجوات في شبكة الأمان الاجتماعي ورفع القيود عن الشركات والعمل على إعادة تنظيم مواطنيها. هنا الدولةُ الكارهةُ لذاتها تعمل على غرس أنيابها في كلّ مؤسّسات القطاع العامّ.

أخطر الآثار سياسيّة

قد لا يكون التأثيرُ الأخطرُ للنيوليبراليّة هو الأزمة الاقتصاديّة التي تسبّبت بها، إنّما الأزمة السياسيّة. ففيما ينحسرُ نطاق فاعليّة الدولة، تنحسر معها قدرتنا على تغيير مسار حياتنا عن طريق التصويت في الانتخابات. وهنا، تؤكّد النظريّةُ النيوليبراليّة أنّ بإمكاننا ممارسة عمليّة الاختيار عن طريق الإنفاق في السوق. لكنّ لدى البعض ما يمكن إنفاقُه أكثرَ من الآخرين: في ديموقراطيّة المستهلك الكبير أو صاحب الأسهم الكبير، ليست القدرةُ على التصويت متساوية لدى الجميع. والنتيجة هي إضعاف الطبقتين، الفقيرة والوسطى. وبينما تعتمد أحزابُ اليمين وأحزاب اليسار السابق السياساتِ النيوليبراليّة، يتحوّل هذا الإضعاف إلى حرمان، وتصبح أعدادٌ كبرى من الشعب خارج السياسة.

يلاحظ كريس هدجيز أنّ «الحركات الفاشيّة لا تبني أرضيّتَها الشعبيّة على الناشطين سياسيًّا، إنّما على غير الناشطين، أولئك «الخاسرون» الذين يشعرون، وهم غالبًا محقّون في ذلك، بأنّه لا صوت لهم أو دور في المنظومة السياسيّة». فحين لا يتبقّى للنقاش السياسي أيّ معنى بالنسبة إلى الشعب، يتجاوب مع الشعارات والرموز والإثارة. فبالنسبة إلى المعجبين بترامب مثلاً، الحقائقُ والبراهينُ تبدو غير ذات أهميّة.

بحسب تفسير توني جودت، حين تُختزل شبكة التفاعل الكثيفة بين الدولة والشعب إلى مجرّد سلْطة وطاعة، تصبح القوّةُ الوحيدة التي تربطنا في ما بيننا هي سلطة الدولة. التوتاليتاريّة التي كان يخشاها فون هايك، مهيّأة أكثر للنشوء حين تُختزل الحكوماتُ، التي خسرتْ سلطتَها المعنويّة المتأتّية من تقديمها الخدمات العامّة، إلى مجرّد «تملّقٍ للناس وتهديدٍ لهم وإجبارهم على طاعتها في نهاية الأمر».

شأنُها شأن الشيوعيّة، النيوليبراليّة هي الإله الذي سقط. لكنّ العقيدة المائتة لا تزال تمشي وإن مترنّحة، وواحد من الأسباب هو كونُها من دون مسمّى، أو بالأحرى أنّها كتلة من اللامسمّيات.

العقيدةُ الخفيّة التي تقول بـ«اليد الخفيّة»، يروّجها مؤيّدون هم أنفسُهم خفيّون. ببطءٍ شديد، بدأنا نكتشف أسماء بعضهم. نجد أنّ «معهد الشؤون الاقتصاديّة» Institute of Economic Affairs، الذي دافع بقوة في وسائل الإعلام ضدّ زيادة القيود على صناعة التبغ، ممولٌ بالسر من «شركة التبغ البريطانيّة الأميركيّة» منذ العام 1963. ونكتشف أنّ تشارلز وديفيد كوش، وهما اثنان من أغنى أغنياء العالم، أسّسا المعهدَ الذي أنشأ حركةَ «حزب الشاي»The Tea Party . ونجد أنّ تشارلز كوش صرّح خلال تأسيس أحد مراكزه الفكريّة قائلاً: «تفاديًا للنقد غير المرغوب به، لا يجوز الإعلان عن كيفية إدارة المنظّمة والسيطرة عليها على نطاق واسع».

عادةً ما تخفي الكلماتُ التي تستعملها النيوليبراليّة أكثرَ ممّا توضحه. فيبدو «السوق» وكأنّه نظام طبيعي يمكنه أن يؤثّر في حياتنا جميعًا بالتساوي، شأنه شأن نظام الجاذبيّة أو الضغط الجوّي. لكنّه في الواقع نظامٌ مشحونٌ بعلاقات السلطة. ما «يريده السوق» هو أقرب إلى: ما تريده الشركات وأسيادُها. أمّا «الاستثمار»، فهو يعني أمرين مختلفين تمامًا حسب قول سايِر. الأول هو تمويل الأنشطة المنتِجة والمفيدة اجتماعيًّا، والآخر هو شراء الأصول الموجودة من أجل استغلالها للحصول على ريوعٍ أو فوائدَ أو أرباحٍ من الأسهم أو من عوائد رأس المال. وهكذا فإنّ استعمالَ الكلمة ذاتِها للدلالة على أنشطة مختلفة «يموّه مصادرَ الثروة» ويدفعنا للخلط بين إنتاج الثروة والاستحواذ عليها.

قبل قرن، كان الذين ورثوا ثرواتهم يستهينون بحديثي الثراء، فسعى رجالُ الأعمال إلى نَيل الاعتراف الاجتماعي عن طريق انتحال شخصيّة من يعيش من ريوعه. لقد انقلبت هذه العلاقة في أيّامنا هذه: فالوارثون والذين يعيشون من الريع يعتمدون تقديمَ أنفسهم كرجال أعمال: تراهم يدّعون أنهم اكتسبوا مدخولَهم بالعمل علمًا أنهم لم يعملوا على اكتسابه. وإنّ هذه المجهولات والتشوّشات لا تلبث أن تتواشجَ مع تجهيل الاسم والمكان في الرأسماليّة الحديثة: نموذج الامتياز franchise الذي يحرص على ألّا يعلم العمّالُ لحساب مَن يكدّون، الشركات المسجلة وراء البحار، عن طريق شبكةٍ من أنظمةٍ سريّة وهي من التعقيد بحيث يستعصي حتى على أجهزة الشرطة اكتشافُ مالكيها والمنتفعين بها، الترتيبات الضريبيّة التي تضلّل الحكومات، والمنتجات الماليّة التي لا يفهمها أحد.

تجري حماية اللاتسمية في النيوليبراليّة بصرامة شديدة. فالمتأثرون بفون هايك وميزس وفريدمان يميلون إلى رفض المصطلح على أساس أنّه لا يستعمَل حاليًّا إلا من قبيل التعيير، وهم بهذا محقّون بعض الشيء. لكنهم بالمقابل لا يقدّمون لنا أيَّ بديل. فالبعض يصف نفسه بالليبرالي الكلاسيكي، أو بالليبرتاري أي المؤيّد لمبادئ الحرية، إلا أنّ هذه الأوصافَ مضلِّلة وتنطوي على طمسٍ للذات بشكل فاضحٍ لكونها تَعتبر أنه ليس هنالك من جديد في كتب «الطريق إلى العبوديّة»، و«البيروقراطيّة»، أو«الرأسماليّة والحرية» وهو المؤلَّف الكلاسيكي لفريدمان.

رغم هذا كلّه هنالك ما يدعو للإعجاب بالمشروع النيوليبرالي، أقلّه في مراحله الأولى. كان عبارةً عن فلسفة مميّزة ومبتكِرة أطلقتها شبكةٌ متماسكة من المفكّرين والناشطين وفق خطّة عملٍ واضحة، تميّزَ عملها بالصبر والإصرار، فغدا «الطريق إلى العبوديّة» هو الطريق إلى السلطة.

فشل اليسار

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ انتصار النيوليبراليّة يعكس فشل اليسار. حين أدّى الاقتصاد القائم على نظريّة «حرية التجارة» أو «الحرية الاقتصادية» إلى كارثة عام 1929، ابتكر كينز نظريّة اقتصاديّة شاملة لتحلّ محلّها. وحين وصلت «إدارةُ الطلب» الكينزيّة إلى حائطٍ مسدود في سبعينيّات القرن الماضي، كان البديل جاهزًا. لكنْ حين انهارت النيوليبراليّة في العام 2008 لم يكن هنالك أيّ شيء… لهذا لا يزال الميّتُ الحيّ يمشي. فخلال 80 سنة، لم يستحدث اليسار أو الوسط أيَّ إطارٍ عامّ جديد في الفكر الاقتصادي.

إنّ كل استحضار للّورد كينز إنّما هو إقرارٌ بالفشل. وطرح حلول كينزيّة في القرن الحادي والعشرين يعني إهمالَ ثلاث مشاكل بادية للعيان. من الصعب تعبئة الناس حول أفكار باتت قديمة، العيوب التي ظهرت في نظريّة كينز في السبعينيّات لا تزال قائمة، والمشكل الثالث والأهمّ أنه ليس لهذه الحلول ما تقدّمُه في ما يخصّ معضلتنا الأخطر، وهي الأزمة البيئيّة. تعمل الكينزيّة من خلال تحفيز الطلب الاستهلاكي لتعزيز النمو الاقتصادي. على أنّ الطلب الاستهلاكي والنمو الاقتصادي يديران عجَلة التدمير البيئي. يعلّمنا تاريخ الكينزيّة والنيوليبراليّة أنّ الحلّ لا يكون في مجابهة نظامٍ منهار. يجب طرح البديل المتماسك. والمهمّة المركزيّة بالنسبة لحزب العمّال البريطاني والحزب الديموقراطي الأميركي، واليسار عامّة، هي تطوير «برنامج أبولو» اقتصادي كمحاولة واعية لتصميم نظام جديد يتماشى مع متطلّبات القرن الحادي والعشرين.

  • Social Links:

Leave a Reply