بين إدارة الأزمة واجتثاثها.. صراع يدفع ثمنه شعوب المنطقة

بين إدارة الأزمة واجتثاثها.. صراع يدفع ثمنه شعوب المنطقة

زكي الدروبي

ما تزال أفكار كيسنجر في إدارة الأزمات وعدم حلها، عماد سياسة أميركا في المنطقة، كما ما يزال منطق ” إيران أولا” – وضع مصالح إيران لمنع التحاقها بالصين فوق مصالح العرب – معتمدا لدى الإدارة الأميركية منذ سنوات طوال، رغم كل ما تفعله إيران من تفجير للأوضاع في المنطقة وتوتير الاستقرار بما يؤثر على العالم ككل، وهذا ما اعترف به مؤخرا الجنرال مايكل كوريلا، خلال شهادته بمجلس الشيوخ: “إيران استغلت ما عدّته فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل، لإعادة تشكيل الشرق الأوسط لصالحها، باستخدام وكلائها في العراق وسوريا ولبنان وغزة والضفة الغربية واليمن”، مشيرا إلى مخاطر تهدد الولايات المتحدة الأميركية نفسها “إن تقارب الأزمات والمنافسة يجعلان المنطقة هي الأكثر احتمالاً لإنتاج تهديدات ضد أميركا” وأن “الأمن والرخاء الأميركيين معرَّضان للخطر، إذا تنازلنا عن هذه المنطقة لإيران والإرهاب والصين”.

يرى تيار في الإدارة الأميركية أن السياسة الحالية – إدارة الأزمات، وعدم حلها – لا تزال “ناجحة”، ففي لبنان، تم ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، قبل 7 من أكتوبر، ويزعم المبعوث الأميركي إلى لبنان آموس هوكستين أنها ستنجح في ترسيم الحدود البرية بعد انتهاء الحرب في غزة.

سياسة إدارة الأزمة ما زالت ناجحة – بحسب أنصار هذا الرأي – في لبنان، حيث إن تأثيرات ما تقوم به إسرائيل يمتد للمستقبل، ليس فقط على حزب الله، إنما على حاضنته في الجنوب

إن ما يقوم به حزب الله في الجنوب اللبناني من “مشاغلة” – بحسب وصفه للعمليات التي يقوم بها في الجنوب – لمساندة غزة لم تأت بنتيجة ولم تحقق أي فائدة لغزة، واستمر نتنياهو في إجرامه بحق الفلسطينيين، لكنها – “المشاغلة” – تسببت في زيادة دمار الاقتصاد اللبناني، وإغراق المواطنين اللبنانيين بمزيد من الأزمات، ونزوح قسم كبير منهم ليعيشوا الفاقة والعوز، في مقابل عيش النازحين الإسرائيليين في فنادق وبرعاية حكومية. كما دُمر نحو ألف منزل لبناني بشكل كامل، وفق ما أعلن وزير الداخلية اللبناني بسام مولوي، وتضرّر نحو خمسة آلاف منزل، وقال وزير الزراعة اللبناني عباس الحاج حسن، إن قصف إسرائيل بالفوسفور الأبيض، قضى على عشرات الآلاف من الدونمات الزراعية، ونحو خمسة آلاف شجرة زيتون، في حين لم تتأثر سوى القليل من البيوت في المستوطنات الإسرائيلية في الشمال الفلسطيني. وفي وقت خسر حزب الله حتى الآن نحو 250 مقاتلاً وفق اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، كان القتلى في الجهة المقابلة عشرة جنود وسبعة مدنيين إسرائيليين، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.

كل هذا يثبت أن سياسة إدارة الأزمة ما زالت ناجحة – بحسب أنصار هذا الرأي – في لبنان، حيث إن تأثيرات ما تقوم به إسرائيل يمتد للمستقبل، ليس فقط على حزب الله، إنما على حاضنته في الجنوب، فمن سيعيد بناء البيوت المهدمة؟ ومن سينعش الاقتصاد؟ ويستصلح الأراضي بعد أن دمرها الفسفور الأبيض؟ وكيف ستعود الزراعة وتربية الحيوانات إلى تلك القرى في ظل التلوث الحاصل؟ طبعا بالإضافة إلى التأثيرات العسكرية المباشرة على الحزب، فقد توسعت عمليات اصطياد كوادر حزب الله من قبل إسرائيل، لتتجاوز كل الخطوط الحمراء الموضوعة من قبل، دون أن يكون هناك أي رد مؤلم من الحزب على إسرائيل، فلماذا نقوم بحرب مفتوحة كبيرة – بحسب أنصار تيار إدارة الأزمة الأميركيين – ونحن قادرون على كسب ثمارها في هذا الاستنزاف اليومي؟

بدوره يسعى حزب الله لمنع اندلاع هذه الحرب، ويرغب بمقايضة الانسحاب من الجنوب، بمكاسب محلية داخلية، عبر تلميحاته بأن تطبيق القرار 1701، يتطلب وضعا داخليا يتصل بملف رئاسة الجمهورية والحكومة، وهذا ما رفضته باقي القوى السياسية، الموالية منها والمعارضة، فقد قال جعجع “إن رئاسة الجمهوريّة لن تكون جائزة ترضية لمحور المقاومة” وكذلك رفض الجميل “أن تكون بيروت جائزة ترضية مقابل الحدود”، وحتى حلفاء حزب الله من التيار العوني لم يختلفوا عن معارضي الحزب، وقال رئيس التيار جبران باسيل “نحن مع حزب الله لحماية لبنان، أما تحرير القدس فمن مسؤولية الفلسطينيين” وحتى رئيس الجمهورية السابق ميشال عون الذي دافع عن سلاح حزب الله ودوره الإقليمي في حديثه مع مجلة “لوفيغارو” الفرنسية عام 2018، بقوله “لقد بات وضع الحزب مرتبطاً بمسألة الشرق الأوسط وبحل النزاع في سوريا”، انتقد محاولات استثمار حزب الله للمعارك جنوب لبنان في مكاسب سياسية داخلية، وقال “ترجمة تطورات غزة والجنوب بصفقة رئاسية أمر غير جائز سيادياً”.

في المقابل يرى أنصار الحرب بأنه لا يمكن الحصول على ضمانات حقيقية من حزب الله، ولا يمكن التعايش مع صواريخه، وقواته الموجودة على حدودهم الشمالية، ويجب عليهم فعل شيء كبير يعيد الردع لكيانهم، ونشرت الصحف العديد من التسريبات التي تحدد موعد العملية وتفاصيلها، كما أعُلن عن تكليف رئيس هيئة الأركان الإسرائيلي للعميد موشيه تمير – الضابط الذي وضع خطة العملية البرية في قطاع غزة – لوضع خطط شن هجوم بري محتمل على جنوبي لبنان، في مسعى لدفع حزب الله للرضوخ للمطالب الإسرائيلية، بالإضافة إلى سعي نتنياهو المأزوم داخليا، لإنهاء الحرب في غزة، والانتقال إلى حرب مع حزب الله لحماية نفسه، أو الدخول في حرب معه بالتوازي مع حربه في غزة.

فاتورة “المشاغلة” على اللبنانيين ضخمة جدا، وقد تنتهي بحلول دبلوماسية تتيح للمحور الإيراني التغول أكثر على شعوب المنطقة، أو بدمار في لبنان، وتشريد أهله، إن حصلت الحرب

حتى لحظة كتابة هذه الكلمات، هناك معارضة شديدة داخلية في لبنان لصفقة تتيح نفوذاً أكبر لحزب الله في الداخل والإقليم، مقابل انسحاب لما بعد الليطاني وضمانات لإسرائيل، ولم تنجح مهمة هوكشتاين في جولاته المكوكية بين إسرائيل ولبنان بالتهدئة، ومع انهيار محادثات القاهرة، وتضاؤل الآمال في حصول الهدنة برمضان، سحب هوكشتاين مساعده الذي تركه وراءه في بيروت تحسبا لتطورت إيجابية، حين عاد إلى الولايات المتحدة الأميركية، وما زالت طائرات إسرائيل تجوب لبنان تقتل من تشاء وتدمر كيفما تشاء، دون رد رادع حقيقي من حزب الله، الذي يكتفي بما سماه “المشاغلة”.

في جميع الأحوال، فإن فاتورة “المشاغلة” على اللبنانيين ضخمة جدا، وقد تنتهي بحلول دبلوماسية تتيح للمحور الإيراني التغول أكثر على شعوب المنطقة، أو بدمار في لبنان، وتشريد أهله، إن حصلت الحرب، والشي نفسه ينسحب على الحالة السورية، بفعل وجود قواعد وقوات للحزب فيها، والتي ستنالها الآلة العسكرية الإسرائيلية الهادفة لإعادة توازن الرعب، وسيستمر الشعب السوري بدفع ثمن سياسة “إيران أولا” الأميركية إن تمت الصفقة، وستضعف هذه الميليشيا التي تغولت بدماء السوريين بشكل كبير، إن لم تنجح محاولات الوساطة والحلول السياسية، ومن سيتحدث عن صعوبات عمل عسكري على حزب الله لأن إسرائيل لا تتحمل حربا طويلة، وتحبذ الحرب الخاطفة، ولا تستطيع القتال على أكثر من جبهة، و…. الخ، فإنني أنبه لتغير كامل في هذه القواعد التقليدية المعروفة منذ زمن طويل، وأن ما بعد 7 من أكتوبر 2023 ليس كما قبله.

في مقابل هذا الحراك الجيوبوليتيكي الضخم المحيط بنا، فإنني لم أجد في معارضتنا من يستثمر به لتحقيق مصالح الشعب السوري، وهدفه في طرد قوات الاحتلال من بلادنا، وخصوصا الاحتلال الإيراني الروسي، وإسقاط نظام الاستبداد والقتل الأسدي، والانتقال إلى دولة مدنية ديمقراطية يتساوى فيها جميع السوريين أمام القانون

  • Social Links:

Leave a Reply