على بوابة الجمهورية الثالثة

على بوابة الجمهورية الثالثة

د جمال الشوفي….


الطريق إلى “الجمهورية الثالثة” أو سورية الدولة الوطنية المعاصرة، كما نرغب أن نسميها، تبدو صورتها مبهمة وغير واضحة المعالم سياسيًا اليوم، على الرغم من اليقين العقلي والروحي في مكنونات الشعب والتاريخ من قرب بداية تشكلها، فسورية ومنذ 15 آذار/مارس 2011 لليوم المنعطف الأصعب، بل ربما الأقسى في تاريخ سورية والمنطقة كلية، سورية الولّادة حبلى بأحداث تستجيب لنداء التاريخ بالتغيير.

كيف لا.. وما زالت معالم التغيير الديموغرافي قائمة على قدم وساق في أماكن ومناطق سورية عدة، وتحت عين الأمم المتحدة وبرعاية دولية وإقليمية، مرة تغض النظر بمكرٍ ودهاء، وفي أخرى تكتفي بالاستنكار والشجب، مترافقة مع عجز كامل للمنظمات الأممية والحقوقية العالمية، فمنذ بدأت عمليات المصالحات المزعومة التي تقوم على رعايتها وتنفيذها روسيا، بالانطلاق من قاعدة حميميم العسكرية بين مناطق الخروج عن سيطرة سلطة النظام التابعة للفصائل المسلحة العسكرية المعارضة وبين سلطة النظام وعلى رأسه القائد العسكريّ الروسي، مع تزايد عمليات تهجير السوريين القسّرية واقتلاع مدنهم مدينة تلو الأخرى، والأحوال تزداد سوءًا؛ ليغدو مغزى هذه العمليات شرًا مستطيرًا، شرٌّ لا تخطئه العين المتفحصة، وإن كانت لا ترغب الاستعجال في الاستنتاج.

تهجير سكان المناطق الداخلية السورية تجاه إدلب أو إجبارهم على المصالحة، ذو مدلول واضح على المستوى السياسيّ والعسكريّ، والمترافق مع الصمت الدولي المريب، لهو مؤشر واضح على تقاسم النفوذ الدولي داخل سورية، لتعلو أسهمه على حساب أي حل سوري آخر.. فبدءًا من حمص وحلب فداريا مرورًا بكل البلدات والمدن السورية في الغوطة الغربية المحيطة بدمشق، وصولًا إلى الزبداني ومضايا في القلمون الغربي، فيما سمي باتفاق المدن الأربعة في مبادلة فاقعة بين الزبداني- مضايا وكفريا- الفوعا! لتكتمل حلقات التفريغ الداخلي للسوريين في تهجير سكان الغوطة الشرقية في دوما وحرستا وفي جوارهما، القلمون الشرقي… وصولًا لدرعا والقنيطرة في الجنوب السوري، لتبقى مدينة إدلب حتى لحظة الكتابة هذه، موضع تساؤل يمكن الإجابة على مقدماته في المتن أدناه، هذا بالإضافة للهيمنة الأمريكية عن طريق قوات سورية الديمقراطية “قسد” على مناطق شرق الفرات في الرقة ودير الزور، مع استفراد تركي في الشمال السوري من عفرين إلى تخوم منبج واحتمالية ضم مناطق أخرى خلافها.

في التاريخ الحديث، وفي أثناء قرن مضى، مرت سورية بمرحلتين مفصليتين:

مرحلة الجمهورية الأولى المتشكلة بين عامي 1932 و1963، وعلى الرغم من أنها تشكلت في ظل الانتداب الفرنسيّ وما بعد الاستقلال عنه، وهو ما يحتفل به السوريون لليوم في كل عام في ذكرى الجلاء الموقع بتاريخ 17/نيسان أبريل 1946، عن رحيل آخر الجنود الفرنسيين عن سورية، وفترة الانقلابات العسكرية التي تلته، إلّا أنها كانت مرحلة نيابية انتخابية بُنيت على أساس دستوري 1932 و1950، هذان الدستوران اللذان أعطيا الحياة السياسية وحريتها بعدها النيابي الحقيقي.. الجمهورية السورية الأولى هذه، أتت بعد انتخاب محمد علي العابد، أول رئيس جمهورية سوري منتخب، وذلك بين عامي 1932 و1936، ثمّ تمّ انتخاب هاشم الأتاسي، رئيس الكتلة الوطنية حينها، وثمّ توحيد سورية في دولة مركزية بعد تقسيمها فيدرالية استمرت طوال فترة الانتداب الفرنسي.

الجمهورية الثانية، والتي أتت عقب الانقلاب العسكري، الذي نفذه جناح حزب البعث العسكري على مفردات الحياة الدستورية للجمهورية الأولى، والتي على الرغم ما تخللها من عمليات عسكرية انقلابية خاصة في الفترة ما بين 1954 و1958 وما تلاها من الوحدة السورية المصرية وقتها، لكنها بقيت محافظة على حياة برلمانية نيابية بطريقة الانتخاب، إلى أن أتى عسكر البعث وانقلب عليها فيما يسمونه ثورة 8 آذار/مارس 1963، أو الجمهورية الثانية الممتدة لليوم، معلنة انتهاء الحياة السياسية السورية، وتحولها لدولة الحرمان السياسي “دولة البعث” والقهر المجتمعي، وكل أشكال التنكيل والهيمنة وصولًا لما نحن فيه اليوم من تدمير وتهجير وموت جماعي.

ثورة العسكر ودولة والمقاومة والممانعة البوليسية

يرغب الكثير من القوميين وغيرهم، من حيث التاريخ، اعتبار الجمهورية الأولى السورية هي تلك التي بدأت بعد تاريخ 17/نيسان 1946 أي بعد الانتهاء من مرحلة الانقلابات العسكرية التي استمرت حتى أتى حكم البعث فيما يسمونه بثورة آذار، وتشكيل الجمهورية العربية السورية الحديثة المستمرة لليوم! وما يؤلم السوريون اليوم، ليس فقط أنهم باتوا في مواجهة الخيارات الأقسى في تاريخ الإنسان، الخيار الوجودي الأنطولوجي الأول: الحياة أو الموت! وكلّ ما يتلوه من خيارات سياسية أو مادية أو اجتماعية على أهميتها وضرورتها، فهي قابلة للحوار أمام لغة الموت المستمرة بكل صنوف أسلحة القتل والتدمير.. وما يجعل الألم مضاعفًا، أن معظم السوريين هم ضحية وثوقهم في نظام العسكر، هذا المدعي بناء سورية الحديثة منذ استيلائه على الحكم في عام 1963! حيث تدافعت الخيارات العربية والشعور الوطني في تلك الفترة للبحث عن بدائل للانقلابات العسكرية المتتالية في سورية، ولفشل الوحدة المصرية السورية الممتدة بين عامي 1958 و 1961، فيما سمي وقتها بالجمهورية العربية المتحدة، ثم التوجه للبحث عن دور رائز لسورية منفردة عربيًّا وإقليميًّا، ليتمكن حكم العسكر من التلاعب بالمشاعر الوطنية هذه وتحويلها إلى جمهور ساذج عاطفي، يرغب بشعارات “الوحدة والحرية والاشتراكية”، و”دولة المقاومة والممانعة” وما بينهما من دحر إسرائيل ورميها بالبحر، لقوة هيمنة أيديولوجيةٍ وسياسيةٍ على قوى المجتمع قاطبة، أحالته، لطغم محكومة سيكولوجيًا واجتماعيًا بمؤسسات أمنية وبوليسية عميقة تدير الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية السورية بقبضة من حديد، وتترك لتلك الهياكل الحزبية والنقابية الهشة دور المصفّق والمهلّل تحت شعار قيادة البعث للدولة والمجتمع.

قانون الطوارئ ودولة البعث

“دولة البعث” هذه ليست مقتصرة على حزب البعث بجناحه العسكري فقط، بل هي إعلان حكم قانون الطوارئ وفرض الأحكام العرفية منذ عام 1963، وقانون الإرهاب المستحدث في العام 2012 (يمكن مراجعة نص القانونين بالتفصيل في الملحق 3)، وكل ما أنتجاه من فساد ومظلوميات، واستحدثاه من طرق مبتكرة في معاقبة المجتمع بتهم إضعاف ووهن الشعور القومي ومعاداة الاشتراكية… الخ، لكل صاحب رأي مختلف عنه! وكل ما بني على أساسه من اجتثاث السياسة من المجتمع، ونزع الحالة المدنية والسمات الدستورية والحياة السياسية عنه، وتقويض حياته البرلمانية، بحيث يصبح القانون هو ما يراه المتنفذون في السلطة الحاكمة، لا شرعية القانون الوضعي المنصوص عنه دستوريًا! هذا كله قبل سورية الثورة والتحرك الشعبي الواسع والعريض السلمي والمدني، والذي قابلته أجهزة السلطة وجيشها بحلولها العسكرية والأمنية لقمع مسارات تحولها للجمهورية الثالثة، دولة الحريات والقانون المنشودة والموؤدة لليوم، وأقلّه دولة سورية لكل السوريين لا لمتنفذي البعث ومن خلفه المنظومة الأمنية العسكرتارية المتمكنة من كل مفاصل الدولة اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا وحياتيًا.

إن الفرق بين طبيعة وهوية شكل الجمهورية السورية الأولى أو الثانية، هو ذاته الفرق القائم بين مبررات وضرورات قيام الثورة السورية ومناصريها من عدمهم، فالموقف من الحياة السياسية المدنية، والتنافس البرلماني والكتل السياسية وحرية الانتخاب والعقد الاجتماعي السوري المتآلف حول الوطن، هي النقاط الأساسية التي بررت موضوعيًا قيام ثورة الحرية والكرامة، ضد حكومة العسكر والدولة الأمنية التي جسدها نظام الحكم البعثي طوال ما يزيد عن خمسين عامًا لليوم، وهي المبررات ذاتها اليوم التي تجتاح السوريين في محاولات تقاربهم السياسي من مشروعهم الوطني خلاف مشاريع التقسيم أو التفتيت الأفقي للبنية الاجتماعية والنسيج السوري، تلك التي أسست لها سياسات وممارسات نظام الحكم البعثي فيما يسمونه “سورية العصرية”، وهو ذاته الفرق بين قيم الثورة وروحها السلمية والمدنية الأولى النابذة للعنف والتطرف أو مفردات ونتائج قانوني أحكام الطوارئ العرفية والإرهاب بمضمونهما التسلطي والأمني!

العسكرة والطريق للجمهورية الثالثة

الحرب التي اشتعلت في سورية على خلفية ثورة أهلها الشعبية، أدت لنتائج كارثية على سورية شعبًا ودولة، وحولت الثورة من عمل مدني وشعبيّ سلمي يستهدف التغيير الديمقراطي إلى اختلاط متعدد الأوجه في عملٍ عسكري طويل الأمد استنزف كامل بنى المجتمع السوري؛ ما دفع معظم الساحة السورية لمعركة دامية استجرت خلفها كل أشكال التدخلات الدولية الإيرانية والروسية والتركية والأمريكية، بالإضافة لنمو وتطور الحالة الميليشاوية الإسلامية بشقيها السني والشيعي وقوى التطرف والإرهاب المتمثلة بالقاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” وجبهة النصرة.

في الطريق إلى الجمهورية الثالثة السورية، يختلط الحديث بين منابر فكرية متعددة أو سياسية متخالفة أو متخارجة، وتصطدم جميعها لليوم في موضوعة الحسم السياسي أو العسكري في مسألة الحل السوري، هذا الحل الذي بات الأعقد منذ اشتباكات الحرب العالمية الثانية المتسعة على ساحة الكوكب.. كيف لا والساحة السورية، والتي تصر على الاحتفال بذكرى الاستقلال و”سيادة سورية واستقلال قرارها السيادي” المنتهك لليوم، باتت ساحة عالمية تتكثف بها أشكال الصراع العسكري والمحاور السياسية الإقليمية والدولية والتي محورها الأساس، هي ثورة شعب أراد العالم كله الاستفادة منها والاستثمار فيها، بغية قطع تحولها للدولة الوطنية والجمهورية الثالثة، فمهما ادعت الدول الداعمة أو ما يسمى الصديقة وقوفها إلى جانب الشعب السوري في حق تقرير مصيره، إلا أنها متفقة ضمنًا على عدم حسم قراراتها لليوم بموضوع المسألة السورية فعليًا وتركها، تستنزف من كل جوانبها حتى يسهل استثمارها وإدارتها، بما يحقق مصالحها.

إن عمق التجربة السورية وطول طريقها وغزارة دمها تجعل السوريين بمكنونهم السلمي والمدني اليوم يتمسكون أكثر بدولة القانون والحريات ونظام الحكم البرلماني والانتخابي، ونبذ التطرف ودولة العسكر والمحسوبيات (المحسوب على ذوي السلطة)، مهما طالت أمد هذه المرحلة، وكل مجريات الأحداث الحالية والراهنة والممتدة إلى التغير الديموغرافي وسطوة الإرهاب فيها، ليست إلا حلقة من حلقات الاستبداد، الذي أسسه نظام الحكم البعثي في المبدأ، واليوم بالتشارك مع تغّول منظومة العولمة والعودة للطرق الجيوبوليتيكية الروسية فيها، والتي ما إن يبدأ بالزوال من الحياة السياسية السورية حتى تبدأ مخلفاته ومنتجاته بالزوال معه وخلفه.

  • Social Links:

Leave a Reply