<strong>اغتيال الديكتاتور !!</strong>

اغتيال الديكتاتور !!

رؤى عبد الصمد

.. لا أنسى تلك الليلة ..، كنا انا و ثلاثة من رفاقي نكمن للديكتاتور لليوم الثالث بين سنابل القمح الكثيفة ، منتظرين مروره هذا اليوم مساء” قادما” من مهرجان احتفالي سيحضره في مدينة أخرى …
لقد قررنا ان نقدم إلى هذا المكان و نختبىء بين نباتات القمح و ننام تحت المطر لثلاثة أيام لأننا كنا نعرف أن المنطقة سيمشطها حرس الديكتاتور بالكامل قبل يومين على الأقل ، و لن يسمح لأحد بالاقتراب من المنطقة حتى عبور الديكتاتور بسلام ..
لذلك أتينا قبل أن يقدم حرس الديكتاتور و اختفينا بين نباتات القمح قريبا” جدا” من الطريق ..
كنا نسمع أصواتهم قربنا ، و نكتم سعالنا و أحيانا” حتى أنفاسنا ، فهم كانوا بمجرد سماع ادنى حركة سيحرقون الأرض بالقنابل و الرصاص ..
لقد كانت خطتنا محكمة ، درسناها لشهور بمجرد أن علمنا ان الديكتاتور سيحضر هذا المهرجان ..
كان لكل منا مهمة دقيقة لا تسمح بأي مجال للخطأ ، احدنا سيطلق عليه رشا” و من مسافة قصيرة ثلاثين طلقة دفعة واحدة ، و آخر سيلقي قنبلة على سيارته ، انا كنت ساطلق قذيفة (ر.ب.ج ) و رفيقنا الرابع جورج كان سيتولى اصطياد من يحاول أن يقترب من الديكتاتور لإنقاذه فيما لو أصيب و لم يمت بالحال ..
نعم سنقتل الديكتاتور أخيرا” ..
و سيتخلص الوطن أخيرا” من هذا الكابوس المرعب القابع على قلب الجميع طوال هذه السنين ..
أنا و رفاقي روح واحدة في الحقيقة لاربعة أشخاص ، تربينا منذ الطفولة على حب الوطن و كراهية الديكتاتور ، تربينا على وجوب التضحية بأنفسنا لتحرير الوطن من هذا العفن ، آلينا على أنفسنا هذه المهمة منذ الصغر و ها نحن اليوم سننفذ حلمنا .. حلمنا الاكبر …بل حلم كل الوطن بقتل الديكتاتور ..
وصلنا منذ ثلاثة أيام إلى هنا قبيل غروب الشمس ، نمنا تحت البرد و بعض المطر ، تبللت ثيابنا و بردنا حتى الموت ، و لكننا صمدنا ..
و صباحا” كانت كارثة ، لقد نسينا أن نجلب معنا الماء أو أي طعام ، سوي زجاجة ماء واحدة تحتوي على أقل من ليتر جلبناها معنا بالصدقة من آخر كافتريا نزلنا بها ..
(لم أخبركم أننا أتينا من مدينة أخرى سيرا” على الأقدام ، كي لا تسجل أسماؤنا في سجل المسافرين ..
شعرنا بالعطش ظهرا” ، و عند مساء اليوم التالي كانت حلوقنا تحترق ، كان حيدر أكثرنا عطشا” و خين ألححنا عليه بشرب بعض الماء رفض قائلا” :
-لا اشربوا أنتم ، انا يمكنني الاحتمال
جروج رفص أيضا” ، و سامر ، و رفضت أنا بطبيعة الحال ..
هذا هو اليوم الثالث ، الجوع و العطش سيقتلنا بالتأكيد إن لم يمر حضرة الديكتاتور خلال ساعات و تتم المهمة ، و ما زالت زحاجة الماء على حالها ، لم يرض أي منا شرب و لو نقطة ..
بعد ساعتين سيمر الديكتاتور بحسب حساباتنا الدقيقة ، و هذا ما نلاحظه من تكثيف المراقبة و استعداد حرس الديكتاتور قريبا” منا على الطريق ..
ها نحن نسمع بعضهم يتحدث ..
-هل تعتقد ان سيادته سيأتي في الوقت المحدد تماما” بعد ساعتين ؟
-لا أعتقد أنه سيتأخر قليلا” حوالي عشرة دقائق ، لأنه كما علمت تأخر القداس في الكنيسة عشرة دقائق عن الوقت المحدد
-كنيسة ؟ و ما دخل سيادته بالكنيسة ؟
-كيف ما دخله ، ألا تعلم أن سيادته مسيحي ؟
-مسيحي ؟! أنا أعلم ذلك لأول مرة
-هو مسيحي أبا” عن جد أيها الابله ..
بلا قصد التفت فوجدت صديقي جورج ، كان منفعلا” جدا” ، سألته :
-جورج ، ما بك “
-لا شيء ،و لكن أريد حصتي من الماء
اعطينا جورج زجاجة الماء ، شرب ربعها تقريبا” ، أعادها لنا ثم صعقنا بقوله :
-أنا سأذهب ،
-جورج !!!!
لقد كان كل شيء واضحا” ، جورج مسيحي ، و الديكتاتور مسيحي ، و رفض جورج إكمال العملية معنا
كانت ضربة قاصمة لنا نحن الرفاق الثلاثة الذين بقينا ، فنحن طوال عمرنا و صداقتنا معا” لم نشر لأي واحد منا لدينه أو مذهبه أو أي انتماء خارج مبادئنا و أهدافنا …
بعد قليل عدنا لسماع حرس الديكتاتور على الطريق
-لا الديكتاتور مسلم ،مسلم و من الطائفة العلوية تحديدا” انظر ما هو اسمه هل يوجد مسيحي بهذا الاسم ..
يا للهول ، صحيح ، كيف لم ينتبه لهذا صديقنا جورج ..
و لكن يا للكارثة مرة أخرى ، حيدر أخذ حصته من الماء ، ، حيدر مسلم من الطائفة العلوية ..
توقعنا أنه سيغادر و فعلا” تركنا …!!
حرس الديكتاتور من جديد يعود للتحدث :

  • صحيح الديكتاتور ولد مسلما” و صحيح أنه من أسرة علوية ، و لكنه في الحقيقة ملحد لا يؤمن بالأديان مطلقا” ، إنه شيوعي الاتجاه
    رفيقنا سامر طلب ان يتناول الماء ، سامر طبعا” شيوعي ، و له نزعة إلحادية ، ناولته الزجاجة فقد بقينا أنا و هو فقط ، و لم أكن أتوقع أن يتركني لوحدي ..
    و لكنه للأسف تركني قائلا” :
    -هذه معركتكم و ليست معركتي …
    بقيت أخيرا” لوحدي ، شربت ما تبقى من ماء الزجاجة ، و انسللت هاربا” و أنا أقول لنفسي :
    -أخشى أن يكون الديكتاتور من أبناء ديني أنا أيضا” !!
    ………….
    بعد ايام .. التقينا صدفة في ساحة المدينة ..كان احتفالا” لتمجيد الديكتاتور .. و كنا ثلاثتنا معا” نهتف بحماس بحياة الديكتاتور و بقاءه إلى الابد
    رؤى عبد الصمد
    ٢٠١٧

  • Social Links:

Leave a Reply