<strong>موت معلن وجريمة عصر، صور ووثائق سورية</strong>

موت معلن وجريمة عصر، صور ووثائق سورية

د جمال الشوفي


لمكرٍ في التاريخ، وعهرٍ في سياسات العالم المتوحش، لم تزل صورة الطفل الحلبي الذي قضى واقفًا بجوار حائط منزله عام 2016 بغارة جوية روسية، تتكرر في كل بقاع سورية حتى الأمس القريب، وما فتأت آلة الحرب تأكل حاضر الأطفال الحياتي ومستقبلهم الوجودي، فقط لأنهم أطفال سوريون عشقوا أرضها، وظنوا أنها وطنًا!
صورة الطفل هذه لخصت معنى الحدث السوري وكارثيته، فقد مات الطفل الحلبي وقوفًا كما السنديان، يحرس تاريخها من السقوط، يحرس راية الوجود الحر واستمراريته من التعثر، يموت ولا ينكسر! كما وثقوب جسد حمزة الخطيب (الطفل الذي قضى تحت التعذيب بمثقب كهربائي في بدايات الثورة في درعا) تئن لليوم في أذن سامعيه، حين فتحت جسده الغض مثاقب الموت الكهربائي في معتقلٍ ذات ليل مدلهم في بدء الثورة؛ وعينا عمران دقنيش (الطفل الذي فضحت صورته هول المجازر الحربية في سورية) ترقب الفراغ والذهول وهول الحرب المطبقة عليه من كل جانب، كيف نجا من هول موت محقق وغارة جوية روسية تستهدف وجوده كطفل؟ بينما أخوه إيلان كردي (الطفل السوري الذي وجده أحد حراس السواحل في تركيا ميتًا بعد أن غرق بهم قارب التهريب) يرقد ساكنًا بلا حراك على شاطئ هجرة منسي هربًا من رحى الحرب القذرة… وليس فقط، بل ثقوب الروح تنز في كل مناحي الحياة السورية، ثقوب تنز قصة الألم، قصة الأمة المستنزفة والوطن شبه المهدور؛ قصة السنين العجاف المهدورة، والتي لم تتوقف في مدينة سورية واحدة بعينها، فكان تعميم القتل يكرر المشاهد ذاتها في الغوطة، عروس دمشق وسوارها الحارس، في درعا، في حارات دمشق القديمة، في قرى السويداء الشرقية، في البوكمال، في الميادين، في كل رقعة من سورية، نعدها ولا نحصيها. حتى باتت سورية أواخر ال 2018 خارج التصنيف العالمي تعليميًا، وأكثر الدول فسادًا في العالم، ومن أكثر الدول انتهاكاُ لحقوق الإنسان وأكثرها خطرًا على الصحفيين؛ وليس فقط بل سوريا أيضًا تبلغ مستويات الدخل القومي للأفراد فيها الدرك الأدنى في السلم العالمي؛ وذلك حسب تقارير دولية. والكارثة الأكثر تجليًا تتضح وتتلخص بالطفولة وأطفال سورية:
مليون طفل سوري باتوا يتامى حسب ما أعلنته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) في تقريرها لعام 2017 وأن سورية هي الأخطر في دول العالم على حياة الأطفال.
ثمانية آلاف طفل سوري نزحوا من سورية دون مرافقين لهم، وفي نيسان عام 2018 أعلنت اليونسيف أيضًا أن 2.8 مليون طفل سوري حرموا من التعليم بسبب الحرب.
حسب تقرير اليونسيف لعام 2018، فإن 83% من سكان سورية دون مستوى خط الفقر، من بينهم 8 ملايين طفل سوري في الداخل ودول النزوح بحاجة لمساعدات، عدا أن 40% من البنى التحتية للمدارس قد تضررت.
منظمة حقوق الإنسان العالمية HRW وثقت مقتل ما يزيد عن511 ألف منهم ما يزيد عن 23000 طفل، حتى مارس/آذار 2018. وحسب التقرير، خلفت سنوات من القتال المستمر 6.6 مليون نازح داخلي و5.6 مليون لاجئ في جميع أنحاء العالم، وفقا لـ “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين”(مع أن بعض الإحصاءات غير الرسمية تتكلم عن ضعف هذا الرقم)، شاركت فيه، وبمختلف صنوف الأسلحة التقليدية والجوية والمحرمة دوليًا كالكيماوية وغيرها، كل من سلطة النظام الحاكمة وحلفائها من ميليشيات طائفية إيرانية وعراقية ولبنانية وروسيا، وقوى التطرف الإرهابي (النصرة وداعش) بشكل رئيس، وقوى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وميليشيات محلية مسلحة معارضة وقوات سورية الديمقراطية (قسد)، وكل هذا قبل عمليات درعا والقنيطرة والغوطة الشرقية منتصف العام 2018.
بعض الفنانين والممثلين، والذين مثلوا لتاريخ طويل وجدان الإنسان البسيط في رغبته وحلمه الإنساني، موروث الشعب في حلمه الوطني؛ أولئك من غنّوا للبشر كما الأشجار حين تموت وقوفًا، لم يعرفوا، ولم يريدوا أن يسمعوا عن أطفال سورية شيئًا ولا عن قصة موتهم المعلن. بعضهم، و”إنسانويًا”، بشكل موارب ومجافٍ للإنسانية بعمقها، حين تكون الطفولة كما الأمومة والمشاعر الإنسانية في الظلم والقهر مخصصة لفئة من البشر من دون غيرهم، اكتفى بالنداء لحماية الكلاب في لبنان! وبعض شعراء البلاط والسلاطين أنشدوا الغزل في الأنثى وعشتار، ونصبوا شراك اللغة أمام متذوقي الشعر، فبدل أن ينهضوا بقيمة الإنسان وقيمة الأنثى والأطفال والطفولة في محنة موتهم الكبير، كانوا وما زالوا يستمتعون بما يجنون من منابر تفتحها لهم السلطات المتوحشة؛ ليصبحوا نجوم مسارحها، في مشهد أقل ما يقال عنه أنه انحطاط في القيم لما دون التسطح والهزالة والإسفاف بالقيم المبتذلة.
أليست الأنثى أمّ لطفل تغتاله طائرة؟ أليس الإنسان رجلًا يبكي وليده المدفون تحت الأنقاض؟ أليس الإنسان طفلًا أراد الحياة فأردتّه القنابل العنقودية وشتى صنوف آلة الحرب هنا وهناك، وهل ثمة طفل موالٍ وآخر معارض؟ طفل مسلم وآخر علماني؟ وهل ثمة أم إرهابية وأخرى حضارية؟ الأم أم والطفولة طفولة، حيز عام ومفهوم ووجود كلي لا يخضع لتصنيفات الاجتزاء والأغراض السياسية التصنيفية دون الوطنية، فهل ثمة قول يصف وقع آلة الحرب في أفئدتنا ووجداننا العام؟
“السادية السياسية” و”النرجسية الرعوية” الباحثة عن مملكة للرعي في صنوف البشر وكأنهم رعاع! هي “الذاتوية” التي لا ترى من الحياة سوى وهم صورتها عن نفسها متجاهلة كل محيطها الحي والبشري.. فهنا، وعلى هذه الأرض، ثمة روح أمة ترقب الغد، تعاند الموت، وتُبقي على جمر الوجود وإن كان حارقًا؛ فيا ليته كان عامودًا من أعمدة السماء، أو جبلًا من جبال الأرض، ليت الله وملائكته نظروا في عيني الأطفال، أو حاول المطربون والشعراء الوقوف أمامهم، أو أباطرة المال والسلاح العالمي تبصروا في وجهوهم قليلًا.
ليته كان سرابًا أو كابوسًا ينقضي بانقضاء ليله؛ لكنهم كان حقيقة، حقيقة تاريخ أمة وحاضرها الباحث عن موقع لوجودهم الغض، لحلمهم الصغير، لأن يكونوا أطفالًا يمرحون ويلهون، يدرسون ويشاغبون، يلعبون مع رفاقهم ويضحكون؛ حتى تعانق ضحكاتهم أصقاع السماء؛ فيبسم الله لحُسن صَنعته.
مات الطفل الحلبي قبل عامين ونيف، وبقي واقفًا يحرس تاريخ حلب وآثارها القديمة، كما وعشرات ألاف الأطفال من السوريين يحرسون بأجسادهم الغضة ما تبقى من قيمة معرفية للثقافة وحب الحياة بكرامة لم يستطع الكثير من “النخب الثقافية” والسياسية حراستها أو الدفاع عنها.. وهاهم أولاء مدّعوا الثقافة/ وثقافة السلطة وسياسيوها يتنافسون على حجوزات الفنادق وشاشات التلفزة للحديث عن الإرهاب ومكافحة الإرهاب، وبِئس الثقافة! وبعضهم يحضّرون مرة لمؤتمر للأقليات في مكان، وندوة فكرية في “الدمقرطة” و”العلمنة” في آخر، وكلها باتت بين أقواس النقد، ومؤتمرًا للأحزاب الشيوعية في موقع آخر يناهض الإمبريالية، ولربما يبسملون ويحوقلون ويصلون لبوتين “ربهم” الجديد، رب النازية الجديدة والتقسيمات الجيوبوليتكية الشائنة العصرية، بعد أن أفل عصرها حين سعت لدمار العالم، فتدمّرت هي.. ولم يبقَ منها سوى ذِكرها السيئ في مسمى النازية الهتلرية.
هو الشعب.. والشعب حاضرٌ وموجود، مهما هُجّر أو نُكّل به، عصي عن الفناء، عصي عن الانكسار رغم هول مظالمه، رغم قصص موته الجماعي والفردي. تعالوا يا رواد الرومانسية والشعر والثقافة والفن من أرباب السلط ونوافذ فتاتها الزيفي، تعالوا لنحسبها قليلًا: في أقلها سبعة أعوام تساوي 84 شهرًا في مدن الحصار والجوع، وتعادل 2555 يومًا من الرعب، من ليالي الموت ومخالب الهواجس: متى يُدق الباب فتدخل البيت قوى وأجهزة الأمن تعتقل وتغتصب وتفتك بالصغير قبل الكبير؟ ومتى تُمطرك الطائرات قنابلَ بدل المطر؟ أتراه السقف سينهار من جهة النافذة أم جهة الباب؟ وسيل أسئلة الرعب لا ينتهي، وصبر السوريين وإيمانهم بحريتهم وعدالة قضيتهم لا حدود له، فاق صبر أيوب ويوسف معًا؛ وما زال قميص يوسف ينتظر من يمسك به، فترميه على فاقدي البصر والرؤية، لعلهم يقولون إنها ثورة حياة، أرادوا قتلها بكل الوسائل والطرق، وقد شارك فيها أيضا كل من اعتبرها ممرًا لنزواته وذاتويته المفرطة بضخامة الأنا المكورة المتعالية حد الفقاعات، فكان هو أولًا وأطفاله أولًا، قبل الآخرين ومن دون الآخرين؛ مروّجًا لقيم الانتهازية والانتفاعية والمراوغة بذات الكلمات، التي يموت لأجلها السوريين: الحب والحرية والسلام، وشتان بين كلمة جوفاء تُلفظ بين شفتين، وبين كلمات تحرس المعنى وتسكنه، وتعيش فيها ومنها، وتنتصر لها ومنها، وتتجسد فعلًا وقولًا وثورة للجميع.
بقي الحلاج يردد: “عجبتُ لكلّي كيف يحمله بعضـــي ومن ثقل بعضي ليس تحملني أرضــي، لئن كان في بسط من الأرض مَضْجَعٌ فبعضي على بسط من الأرض في قبضي” ولم تزل قصة السوري ثقيلة المسامع على صناع القرار العالمي، وعلى مرددي الكلمات الجوفاء والعابثين بالقيم المعرفية والإنسانية، ومع هذا بقي الحلاج حاضرًا فينا يدور على عقبيه فنرتقي، مرة للسماء وجنانها الخالدة، ومرة لأعلى قيم الحضارة والإنسانية في القدرة على الحب والحرية والسلام والموت دونها، لا رغبةً بالموت بل حبًا بالحياة التي لا يرغبها لنا أصحاب الشهوات والنزوات من السلاطين والحكام، وشعراء ومفكري ومثقفي بلاطهم، كما والكثير من ساسة المعارضة المؤدلجة المتنازعة والمتشظية أيضًا.

  • Social Links:

Leave a Reply