زكي الدروبي
أطل علينا المبعوث الأمريكي توم براك منذ عدة أيام في خان قيزلار أغاسي التاريخي بإزمير، بتصريحات لافتة ضمن حوار مع وكالة الأناضول. تحدث فيها بأن الفوضى المستمرة في منطقتنا هي “من صنع الغرب إلى حد كبير” و”نشأت نتيجة التدخلات الغربية المتواصلة”.
لا تُدين تصريحات “براك” السياسات الاستعمارية الغربية فحسب، بل تُقدم تصورًا بديلًا يتم رسمه: “العيش المشترك بين اليهود والمسلمين والمسيحيين في إزمير”، داعيًا ليكون هذا هو الحل في جميع أنحاء العالم، خصوصًا في الشرق الأوسط.
يبدو للوهلة الأولى أن تصريحاته عن “التعايش” أمر جيد، وكلام جميل، لكنني حين سمعت هذه التصريحات، ولخبرتي الطويلة في العمل السياسي وسماع الألحان التي تُطرب سامعيها لكن الأفعال تكون دومًا مختلفة، فقد شعرت وكأنه يمد يده لنا بريشة وبعض الألوان بعد أن طلى الجدران كلها باللون الأسود، ليقول: “اصنعوا فنًا جميلًا فوق الخراب”.
الإنجازات التركية في سوريا:
في إشارته لتركيا القادرة أن “تكون المحور الرئيسي لكل هذا” ويأتي بمثال سوريا ليقول أيضاً: “الكثير مما يجري هناك يتحقق بفضل تركيا وقيادتها”. هذا يزيد من علامات الاستفهام لدي، فما الذي تحقق في سوريا تحديدًا بفضل القيادة التركية؟! هل هو آلاف الجهاديين الأجانب الذين أتوا إلى بلادي من خلالها؟! أم عنصريتها وقتلها للاجئين السوريين في تركيا؟! أم النموذج المشرف لمناطق سيطرة الجيش الوطني الذي صنعته على شكل ميليشيا تُقاتل لتحقيق مصالحها في أذربيجان وليبيا وغيرها من المناطق في العالم؟! أم ماذا؟ وهل ينسجم ما يقوله فعلاً مع دعوات “التعايش” التي يتحدث عنها؟
يذكرني كلامه ببيت شعر نُسِبَ للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وفيه يقول: “يُعطيك من طرف اللسان حلاوةً، ويروغ منك كما يروغ الثعلبُ.”
لقد عبَّر براك أيضاً عن إعجابه بنظام “الملل العثماني”، مشيرًا إلى أنه سمح لمجموعات مختلفة بالبقاء داخل النظام المركزي للإمبراطورية العثمانية لمئات السنين.
ولا يمكن أن نقرأ تصريحاته بمعزل عن تصريحات سابقة له أو لمسؤولين آخرين، مثل التصريح الذي أطلقه ترامب خلال لقائه مع نتنياهو في البيت الأبيض، وقوله بأنه هنأ أردوغان قائلاً: “تهانينا…. لقد أخذت سوريا مهما تعددت أسماؤها تاريخيًا.. عبر وكلائك”.
ولمن لا يعرف نظام “الملل” في العهد العثماني، فهو عبارة عن نظام إداري واجتماعي أعطى لكل “ملة” (الطائفة الدينية غير المسلمة) الحق في تنظيم شؤونها الداخلية بنفسها، وكان زعيمها الديني هو المسؤول أمام السلطان، واستند هذا النظام إلى مفهوم “أهل الذمة” في الإسلام.
تصور بديل لدولة المواطنة:
عند قراءة هذه التصريحات التي أطلقها “براك”، نجد أنها لا تقتصر فقط على إدانة السياسات الاستعمارية الغربية، بل تُلمّح إلى تصور بديل يُرسم لمنطقتنا. وإن أضفنا لها تصريحات صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية التي نقلتها عنه، بأن لبنان “قد يواجه تهديداً وجوديًا (…) وسوف يعود ضمن بلاد الشام مرة أخرى”، لوجدنا أن هذا التصور لا يمر من خلال دولة المواطنة المركزية، بل من خلال إعادة هندسة الشرق الأوسط بشكل جديد، يُبقيه هشاً موزعاً على طوائف “متعايشة” لا متكاملة.
أيضاً، لا يمكن أن نقرأ هذه الكلمات بمعزل عن السياق الدولي والإقليمي في منطقتنا الشرق أوسطية، المنهكة بالحروب والكوارث، والكثيرة التعقيد، وعن انتقاداته للسيدين “سايكس وبيكو” اللذين قسَّما تركة الإمبراطورية العثمانية إلى كيانات وطنية صغيرة مثل تركيا والعراق وسوريا و..الخ، ودعوته لاحترام “إرادة الشعوب”. فأين كان هذا الاحترام عند تجاهل إرادة الشعب السوري بتغيير نظامه المستبد؟ أين كان خلال سنوات طويلة كان فيها الشعب السوري يُقتَل بشتى أنواع الأسلحة، المحرَّمة وغير المحرَّمة؟ أين هي الآن من رغبة الفلسطينيين في دولة خاصة بهم تقام وفق قرارات الأمم المتحدة على حدود 1976؟ أين هي الآن من رغبة العالم وليس الفلسطينيين فقط بإيقاف المذبحة الحاصلة في غزة؟ أم أن “إرادة الشعوب” أصبحت مقدسة فقط اليوم لتكون رغبة في تقسيمات أكثر ضيقاً وطائفية؟
كانت “سايكس-بيكو” رمزاً للظلم الاستعماري في الوجدان العربي، وخرجت الأيديولوجيات الإسلامية والقومية لتحلم بالعودة إلى الإمبراطورية، ولم تعمل على إصلاح حقيقي وعادل لمفهوم الدولة الوطنية، بل كانت دومًا تقفز فوق الواقع باتجاه الحلم الإمبراطوري. ويبدو أن التقسيم القادم – والذي حذرنا دومًا منه – ذاهب باتجاه القفز فوق الخرائط القديمة، ليس ليُعيد الإمبراطورية العثمانية والأمجاد القديمة كما يحلم البعض، ولا ليرسم خرائط جديدة، بل سيرسم خطوط السلطة بناءً على الولاءات والهوية.
هنا ستُمنح كل “ملة” (طائفة أو دين أو قومية) أميرها الخاص أو قائدها الرمز أو زعيمها الروحي، وسيكون هو الراعي لهم، وصلة الوصل بينهم وبين من يرعاه إقليميًا ودوليًا.
هل تذكرون تقسيمات الأمر الواقع في سوريا قبل فرار بشار منها؟ لقد كان لدينا أربع حكومات، وكُلٌّ منها كانت تخضع لوصاية إقليمية دولية مختلفة.
تزامن التصريحات:
تترافق هذه التصريحات مع أحداث وتطورات تثير الشكوك. فمثلاً، كيف نسمي عمليات إعادة “تعويم” جهادي سابق كان يوصف بالإرهاب، ووُضع على رأسه عشرة ملايين من الدولارات بهذه السرعة؟ كيف نرى ما يحصل في سياق مجازر الساحل، والتوترات مع السويداء وجرمانا وأشرفية صحنايا، وتفجير كنيسة الدويلعة بدمشق، والتصاعد الكبير في الخطاب “ما قبل الوطني” والذي يُغذّي النزعات الدينية والطائفية والقومية الضيقة بدلاً من الخطاب الوطني الجامع؟ ألا يدل هذا على محاولات التهيئة النفسية، لتحويل الهويات الدينية والمذهبية إلى أدوات سياسية؟
إن تزامن كل ما حدث، مع تسريبات الصحافة الإسرائيلية المنقولة عن مسؤول سوري، والتي تتحدث عن احتمال منح طرابلس اللبنانية إلى سوريا، مقابل تنازل الأخيرة عن الجولان لإسرائيل؟ وما تحدث به أردوغان في خطابه الأخير أمام حزبه بعد أن ألقى حزب العمال الكردستاني سلاحه وأعلن انتهاء الكفاح المسلح ضد تركيا، بخصوص “تكاتف التركي، والكردي، والعربي” واستدعاء “التاريخ المشترك لمكونات الأمة” مثل معارك “ملاذ كرد، وفتح القدس، وفتح إسطنبول و..”، وما تم تسريبه إلى الصحافة من محضر اجتماع عبد الله أوجلان في سجنه مع وفد من حزب الشعوب الديمقراطي التركي، حيث قدم نفسه على أنه الزعيم الكردي القادر على وقف طموحات إسرائيل الإقليمية.
كل هذه المعطيات مجتمعة، تشي برائحة “طبخة ما” تُعد في الخفاء، ليس بالضرورة أن يكون هناك تقسيم رسمي وإعادة رسم خرائط وتسجيل دول جديدة، بل يمكن أن يتم ترسيخ تقسيمات أمر واقع، كما كان حاصلاً خلال سنوات الثورة سابقاً، وقبل فرار بشار الأسد من سوريا.
خياراتنا:
إن كل المؤشرات السابقة توحي بأن الفوضى الأمنية، وما يحدث في كل مكان من اعتداءات وتصعيد الخطاب ما قبل الوطني، قادمة ضمن خطة ممنهجة لتعظيم الولاء الهوياتي الفرعي على حساب الولاء للوطن.
وهذا يطرح أمام السوريين خيارين لا ثالث لهما، فإما الذهاب نحو الصعب: تقبُّل اختلافات بعضنا البعض، السياسية، والدينية، والطائفية والقومية و..الخ، وبالتالي تكون وحدتنا في تنوعنا، فنتآلف ونتكامل في شراكة وطنية في وطن يتساوى فيه الجميع. أو نبقي على رؤوس حامية تريد تكسير رؤوس الآخرين وفرض عليهم ما لا يقبلوه، ومحاولات تهجيرهم وتصفيتهم، وبالتالي يستمر الصراع إلى ما لا نهاية.

Social Links: