مدنية ديمقراطية عدالة اجتماعية تصدرها اللجنة المركزية لحزب اليسار الديمقراطي السوري العدد 1250 الأحد 09/01/2023
حركات التحرر الوطني في ظل المستجدات

حركات التحرر الوطني في ظل المستجدات

الكاتب فكتور نصار وورد الصافي

إن حركات التحرر الوطني بتعريفها الكلاسيكي هي حركات وطنية اجتماعية ديمقراطية معادية للاستعمار بكل أشكاله المباشرة وغير المباشرة، مطلبها الأساسي الاستقلال السياسي والاقتصادي والاجتماعي التام والإصلاحات الديمقراطية لصالح الشعب عامةً. تتضمن حركات التحرر الوطني تجمعاً عريضاً من القوى الاجتماعية، المثقفين، الطبقة العاملة، البرجوازية الوطنية والصغيرة، القيادات السياسية الوطنية، وكل من يهمه المصلحة الوطنية بشكل عام وعلى كافة الصعد، لطرد المستعمر والتغلب على التخلف الاقتصادي والريعي وبناء اقتصاد خاص ومستقل وتحسين الوضع الاجتماعي. كما تتبنى هذه الحركات مشروع المقاومة والتحرير لبناء دولة ما بعد التحرير لاستعادة السيادة والاستقلال.
برز الحديث والتنظير عن مفهوم حركات التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي في القرن العشرين، حيث كانت الحركات في أوج نضالها ضد الاستعمار والدعم والتضامن مع سائر حركات التحرر الوطني، من أمريكا اللاتينية إلى الدول العربية وأفريقيا وصولاً إلى شرق أسيا، إلا أنه عاد على السطح الحديث حول هذا المفهوم مرة أخرى في وقتنا الراهن بعد انفجار المنطقة بما يسمى ب”الربيع العربي” والهجمة المرتدة للامبريالية والرأسمالية العالمية على حركة الشعوب، وافتعال حركات شعبية من صنعها لخلط الأوراق.
إن مناقشة هذا المفهوم بالوقت الراهن في ظل التجاذبات في المنطقة والاحتقان الطائفي والفئوي المفتعل، يحتم علينا كيسار أن ننتقد التجربة السابقة لهذه الحركات، ووضع التحديات التي تواجهنا لتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ومواجهة مخططات الامبريالية للتقسيم والتفتيت ووأد حركة الشعوب ومطامحه للتقدم، وتحقيق التكامل والوحدة بين الدول العربية على المستويين السياسي و الاقتصادي، وبناء حركة تحرر وطني عربية بقيادة ثورية.
من وجهة نظرنا أن أكثر ما يجب نقده بالتجربة السابقة هو بعض مكوّنات حركات التحرر، فأهمية أن تضم الحركات أوسع فئات وطبقات المجتمع، والتعويل على دور البرجوازية الوطنية بقيادة وتحقيق التحرر; البرجوازية “الوطنية” بصفتها مرتبطة بالإنتاج المحلي ولها مصلحة في التغيير بسبب استحواذ الاستعمار على كل الثروات دون مشاركة الأخرى “الوطنية” بالربح والنفوذ. هذا التعويل من القوى الثورية واليسارية بالسابق على هذه الطبقة في التغيير هو تعويل واهم ومثالي بمثابة الخيانة لقضايا الشعب والتحرر، وقد تكون هذه الكلمات قاسيةً (آملين من البرجوازية سعة صدرها) إلا أنه من المخزي تبدل الأدوار بكون البرجوازي “الوطني” هو قائد الجماهير الشعبية للعدالة الاجتماعية والتقدم الاجتماعي, واليساري الثوري هو التابع والداعم لهذه الحركة. أثبت التاريخ أنه رغم نجاح البرجوازية “الوطنية” في قيادة الحركات الجماهيرية لطرد المستعمر وتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي، جاء أول “إنجازاتهم” تصفية وعزل قوى اليسار الثوري وذلك لوعي البرجوازية الوطنية لما يشكله اليسار من خطر على مطامحها، والمخجل عدم وعي أو تناسي قوى اليسار من هم أعداء قضايا الطبقة العاملة وتحرر الإنسان.
من وجهة نظرنا هناك ثلاث تناقضات أساسية في التجربة السابقة لحركات التحرر الوطني أولها التناقض بين الشعوب وحقها بالسيادة والاستقلال بمواجهة الاستعمار ومحاولة السيطرة وبسط النفوذ، حيث أنه عبر التاريخ ناضلت الشعوب ضد الاستعمار بشكله العسكري المباشر وباستخدام أساليب عديدة مثل الكفاح المسلح في الجزائر وكوبا وفيتنام والحراك السلمي في الهند بقيادة غاندي; واليوم تغيّر شكل الاستعمار حيث لم يعد مباشراً فاستطاعت الامبريالية ابتكار أساليب جديدة غير مباشرة، عبر التبعية الاقتصادية والهيمنة على الأسواق العالمية وفرض وصفات جاهزة لتصفية دور الدولة في الاقتصاد، وإبقاء الدول على دورها الاقتصادي المتخلف والتابع لوأد أي محاولة لإقامة اقتصاد وطني. وسياسياً استبدلت الامبريالية الوجود المباشر بدمى تدير شؤونها في الداخل، وإملاء عليها المواقف المطلوبة في السياسات الخارجية، مع وجود أكثرمن خمسين قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط بحجة “الحماية”. ثانيها التناقض بين البرجوازية “الوطنية” بمواجهة الاستعمار في السيطرة الاقتصادية والسياسية حيث سعت البرجوازية الوطنية للتحرر المباشر من المستعمر، إلا أنها بعد سيطرتها أصبحت تابعة له واضمحل ارتباطها بالإنتاج المحلي وارتبطت بالنظام الرأسمالي العالمي واكتفت بالتغيير الذي يضعها في مواقع السيطرة على مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية. وثالثها بين مشروع قوى اليسار الثوري والسعي لتحقيق التحرر والديمقراطية والاشتراكية، بمواجهة مشروع البرجوازية الوطنية وسعيها للاستحواذ على دور الاستعمار وتحقيق شرعية الطبقة المسيطرة، وفي هذه النقطة يكمن الخلل في هذا التحالف الذي يتفق على شعار التحرر ويختلف بكل ما هو بعد التحرر، حيث أن المشروع الأول هو تحرري من الجانب الإنساني والسياسي والاقتصادي الاجتماعي، والمشروع الثاني يهدف إلى تحرير السلطة والاقتصاد من الاستعمار ليبسط سيطرته، دون وضع أهمية لأهداف التحرر الأخرى والتقدم الديمقراطي الاجتماعي.فإنطلاقاً من النقد السابق وتناقضات حركات التحرر الوطني السابقة، ورغم الإيجابيات الكثيرة التي نعيشها بفضلها، إلا أنه يبقى السؤال الأهم:هل تحررنا؟ هل تم استكمال مهام التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي؟بعد الانتصارات التي حققتها حركات التحرر الوطني في القرن الماضي، تعرضت هذه الحركات ومكتسباتها إلى هجمة قوية من الامبريالية في الخمسينات والستينات, مما أدى إلى تراجعات كبيرة والخضوع لسياسات الامبريالية الرجعية، التي كان سببها الرئيسي تركيبة هذه الأنظمة البرجوازية الناشئه التي اكتفت بالتحرر من المستعمر المباشر وعلّقت كل تحرر آخر (سياسي، اقتصادي، اجتماعي) فكانت البديل المخلص للمستعمر. وكانت هزائم القرن الماضي بمثابة “بركة يا جامع” للتخلص من التزام أخلاقي اتجاه الجماهير الشعبية والارتماء بأحضان الامبريالية والصهيونية، واستغلت البرجوازية الجماعات الدينية لإضفاء شرعية دينية على سيطرة الطبقات الحاكمة، والتنكر لكل ما هو تحرري على رأس القائمة القضية الفلسطينية التي برأي القوى الدينية “لن تتحرر ليوم الدين”. بالوقت الذي يتمادى فيه المحتل بتحقيق أطماعه التوسعية، بالإضافة إلى تواطؤ هذه الأنظمة الرجعية مع العدو الصهيوني عن طريق ترك الباب موارب في مسألة التطبيع ليكون أخر مسمار في نعش العروبة والقضية العادلة.
بات جليّاً أننا لم نتحرر ولم نستكمل المهام، فبعد عشرات السنين من “التحرر” و”الاستقلال” يطغى على بلداننا التبعية الاقتصادية والتبعية السياسية للمستعمر السابق أو بديله المتوفر! والتهاون مع كافة أشكال التطبيع، والسياسة الرجعية التي تضع شعوبنا في مفرمة الاستبداد.
يتسم واقع منطقتنا بالوقت الراهن على الصعيد السياسي بالاحتقان بين الطبقات المسيطرة على دولنا وشعوب المنطقة العربية، بسبب انعدام العدالة وتفاقم القهر والاستبداد وتفشي الفساد السياسي والمالي، ومشاريع الامبريالية-الصهيونية للتفتيت والتقسيم إلى كيانات فئوية وطائفية ممزقة ومتناحرة غير قادرة على التصدي للمشروع الصهيوني وعدم قدرتها لمواجهة أخطار التدخل الخارجي في شؤوننا. وعلى الصعيد الاقتصادي يكشف إزدياد أعداد المعطلين عن العمل، وإزدياد أعداد المفقرين والمهمشين عجز الأنظمة الحاكمة وجشعها، مع تطبيق السياسات الاقتصادية الرأسمالية الجاهزة من صندوق النقد والبنك الدوليين، التي عمّقت أزمة النظام الرأسمالي العالمي وزادت الهوة بين من يملك ومن لا يملك.
أما على الصعيد الثقافي الاجتماعي نجح جزئياً النظام الرأسمالي المعولم في مسح الهويات الوطنية والقومية تحت شعار “القرية الصغيرة” واستبدلها بمجتمعات كوزموبوليتية فاقدة للهوية، فهي الشكل الحي للتبعية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية، وخلق ثقافة التهاون في التطبيع مع المحتل والتساهل في مطالب القضايا المركزية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
التحديات التي تواجه اليسار العربي
أقدم اللقاء اليساري العربي على خطوة مهمة ومستحقة في وضع بلاتفورم له للعمل كإطار تنسيقي جامع لقوى وأحزاب شيوعية ويسارية عربية التقت حول أهداف مشتركة بينها من أجل التحرر الوطني والتغيير الديمقراطي، السياسي والاجتماعي. إلا أن أمامه تحديات عديدة لمواجهة العدوانية الامبريالية والصهيونية ومشاريعهما، والنضال من أجل اقامة أنظمة حكم وطنية ديمقراطية علمانية .ومن أجل إقامة اقتصاد وطني منتج مستقل في مواجهة التبعية والريعية والسياسات الاقتصادية النيوليبرالية وتحقيق التكامل والوحدة بين الدول العربية على أساس ديمقراطي .
يعي اللقاء اليساري العربي خطورة خطة التفكيك والتشرذم التي باتت واضحة الملامح في سوريا والعراق واليمن، والهجمة على ثورة مصر وتونس، وتجاهل الامبريالية للانتهاكات الصارخة ضد شعوب دول الخليج وجرّها في دوامة الارهاب لتكميل مخططها في منطقتنا، ويعي أهمية وحدة نضال الدول العربية لاستكمال مشروع النهضة في منطقتنا والنضال من أجل القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته الوطنية وحقه بالعودة وفي مقاومة الاحتلال بكافة الأشكال.
ومن أبرز التحديات التي تواجه شعوبنا وعلى رأسهم الأحزاب الشيوعية واليسارية هي إعادة بناء حركة التحرر الوطني العربية بإقامة جبهة يسارية عربية تقدمية، لتكون القيادة الثورية لحركة التحرر، مستندة إلى رؤية تقدمية عربية شاملة موحدة، لتكون الأداة التنظيمية الثورية الكفيلة بدعم سائر الحركات التحررية والجماهيرية العربية بمواجهة الأنظمة الرجعية ومخططات الامبريالية والصهيونية التي تسعى لتقسيم المنطقة وتفتيتها إلى كيانات دينية وفئوية صغيرة، والسير بالنضال العربي نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية للتحرير والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ووحدة قومية ديموقراطية . على اللقاء اليساري العربي أن يدرس وينتقد التجارب السابقة للتعلم من أخطاء الماضي، كما عليه عدم التردد بقيادة الحركات التحررية الجديدة لشعوبنا وإلا ستكون هذه المبادرات المشكورة حبر على ورق.

 

المصادر :

1. كراس “الماركسيون المصريون والقضية القومية”، من إعداد محمود أمين العالم وإصدار مركز آفاق اشتراكية، عام 1988 .

2. “بلاتفورم سياسي لأحزاب اللقاء اليساري العربي”، مجلة النداء العدد286، الصادرة تاريخ 18آذار2016 .

3. كتاب “أسس المعارف السياسية”، صادر عن دار الثقافة الجديدة- مصر، الطبعة الأولى- ص199 إلى ص211 “حركات التحرر الوطني”.

  • Social Links:

Leave a Reply