آفاق وقابليات التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية – د.حبيب حداد

آفاق وقابليات التحول الديمقراطي في المجتمعات العربية – د.حبيب حداد

 كانت انتفاضات الربيع العربي التي تفجرت قبل اكثر من خمس سنوات في العديد من البلدان العربية والتي رفعت مطالب الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية , في جوهرها مشروع ثورات مجتمعية تحررية شاملة . ومن اجل بلوغ هذه الغاية , وفي الحقبة الراهنة التي يعيشها العالم العربي , كان لا بد لتلك الإنتفاضات أن تواصل سيرورتها نحو بناء أنظمة مدنية ديمقراطية حديثة تنقل هذه البلدان من دول الرعايا المهمشين , دول القرون الوسطى ,الى دول المواطنين الأحرار المتساوين في الحقوق والواجبات ,الدول التي يجسد كل منها الارادة الجماعية لشعبها ويعمل من أجل التقدم والخير العام والمستقبل الأفضل لجميع أبنائها . لقد انطلقت تلك الإنتفاضات أساسا استجابة لضرورة موضوعية أملتها الأزمة العميقة والشاملة التي عاشتها المجتمعات العربية في الدول والكيانات التي تؤطرها .,فهذه الانتفاضات الشعبية العفوية اذن لم تأت بفعل عوامل او مخططات خارجية كما يذهب البعض في محاولة تحديد اسبابها التي هي اولا وقبل كل شيئ اسباب داخلية في مجتمعات توقفت عن مواكبة التطور الانساني الطبيعي منذ قرون بما يعنيه ذلك من تراكم واستفحال كل عوامل الركود والعطالة وافتقاد اهم مقومات القدرة الذاتية على مواصلة مسيرة التطور والحداثة..والواقع ان هذه الأزمة العامة التي تختلف في بعض خصوصياتها من بلد عربي لآخر لم تكن أزمة عارضة أو جزئية تطال بعض جوانب المجتمع بل كانت ازمة شاملة لكل بنى كل تلك المجتمعات الثقافية والفكرية والسياسية والاقتصادية والإجتماعية ,ولقد تجلت مظاهر وعوائق هذا الوضع المازوم بصورة اكثر حدة بعد نيل تلك الدول استقلالها الوطني ومواجهتها تحديات ومهمات بناء الدولة الحديثة ,دولة الحق والقانون والمؤسسات في الدول التي سميت جمهورية , وذلك من خلال ما عاشته من تجارب حكم متتالية , فمن مرحلة الديمقراطية الليبرالية التي لم تعمر طويلا الى الأنظمة العسكرية الى ما سمي تجربة الحزب الواحد والقائد الى دولة الشخص الواحد , بعد أن تحولت الأنظمة التي كان يفترض انها جمهوريات برلمانية الى انظمة سلطانية فاشية حيث ولاية الحاكم المستبد تمتد مدى الحياة وحيث ينتقل هذا الحق الالهي من بعده الوراثة لأبنائه .

لقد تفجرت ثورات الربيع العربي لأن الأنظمة التي تحكمت بمصائر الشعوب العربية منذ عقود مديدة لم تكن راغبة او قابلة لأي اصلاح حقيقي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد انقضاء هذه السنوات على ثورات الربيع العربي هو:لماذا لم تنجح تلك الثورات ,اذا استنينا تونس طبعا –في تحقيق اهدافها ؟؟؟ بل ولماذا انحرف بعضها عن المسار الصحيح الشعبي السلمي الحضاري كما حدث في كل من ليبيا واليمن وسورية والعراق …حيث تحول طابع انتفاضات الربيع العربي من صراع وطني مجتمعي من اجل الاصلاح والتحول الديمقراطي الى حروب اهلية داخلية بين انظمة التخلف والاستبداد من جهة و المجموعات المسلحة الارهابية التكفيرية من جهة اخرى , والتي تحولت في ابعادها الحقيقية الى حروب عبثية مدمرة بالوكالة بين الأطراف الاقليمية والدولية . بالنسبة لهذه الثورات المغدورة والتي حرفت عن سكتها المفترضة وما تواجهها الآن بلدانها من اخطار وتحديات مصيرية تهدد وجودها كدول ومجتمعات , وخاصة بالنسبة للمآل الذي انتهت اليه الثورة السورية التي سنركز حديثنا عليها فيما يلي, فان كل المتابعين للشأن السياسي العام من اصحاب النظرة الموضوعية يجمعون اليوم على ان اخفاق هذه الثورة ,وبالتالي الوضع المأسوي الذي تعيشه سورية اليوم, انما يعود الى عاملين رئيسيين :أولهما افتقاد تلك الثورة طوال السنوات الماضية الى رؤية سياسية واضحة ترسم وتحدد مهمات وشروط الإنتقال الى المستقبل الديمقراطي المنشود وهذا الأمر ناجم بدوره عن افتقاد الثورة حتى الآن لقيادة كفوءة مخلصة في مستوى تطلعات وآمال لشعب السوري,وثانيهما انجرار الحراك الشعبي السلمي نحو التسليح والعسكرة كردة فعل على الأسلوب القمعي الوحشي الذي واجه به النظام مطالب الجماهير المشروعة وكانت النتيجة تغييب ارادة الشعب السوري ومصادرة قراره الوطني المستقل بعد أن اصبحت الجغرافيا السورية والمجتمع السوري نفسه ساحة مشرعة ووقودا جاهزا لتصارع كل الأجندات والمصالح الأجنبية في هذه المنطقة الحساسة من العالم .

صحيح ان حل المسألة السورية الآن اصبح بيد المجتمع الدولي وبخاصة روسيا الإتحادية والولايات المتحدة الأمريكية ,لكن اي حل لا يستجيب ولو مرحليا لتطلعات الشعب السوري في الحرية والمساواة والديمقراطية ويفتح الآفاق لاستكمال تحقيق تلك التطلعات المشروعة لا يمكن ان يكتب له النجاح والاستمرار ولن يسهم في اعادة الامن والاستقرار الى هذه المنطقة من العالم التي اصبحت ازماتها متشابكة الاسباب والعوامل واضحت اخطارهامتضافرة في تهديدها لسلام الاقليم والعالم اجمع .

لقد كانت انتفاضات الربيع العربي وما تزال الفرصة التاريخية التي طال انتظارها بالنسبة للكيانات العربية الحالية كي تستعيد ذاتها المغيبة ,وتمتلك ارادتها الحرة وقدراتها الذاتية غير المحدودة , وتدخل ميدان الفعل والبناء ,وذلك بانجاز مراحل التحول الديمقراطي الحقيقي وتحقيق تنمية انسانية مستدامة لتجاوز وضعية التخلف والفوات التااريخي ومواكبة مسار التطور العالمي .

غير ان الهم الأول والملح اليوم امام تلك الشعوب التي تواجه خطراجهاض ثوراتها واغتيال اهدافها ,وفي مقدمتها الشعب السوري هو انجاز برنامج الإنقاذ الوطني المتمثل بمهمات الحفاظ على كيان الدولة والمجتمع وصيانة وتحصين الوحدة الوطنية واستعادة مقومات الاستقلال الوطني ومواصلة عملية التحرر المجتمعي وفاء لمعاناة شعبنا التي لم يعانيها شعب غيره ,ووفاء لما قدمه من تضحيات جسام. فهل تنجح المجتمعات العربية في الأمد المنظور,و في مطلع القرن الواحد والعشرين بكل ما يحمله من تحديات مصيرية وحضارية في بلوغ هذه الغاية ؟

وهل ينجح السوريون على اختلاف تجمعاتهم السياسية وتعدد مرجعياتهم الايديولوجية في انقاذ وطنهم مستوعبين في وعيهم وممارساتهم الدروس التي استخلصوها طوال السنوات الخمس الماضية على انطلاقة ثورتهم؟ .

  • Social Links:

Leave a Reply