عَ البَرَكِه

عَ البَرَكِه

سلام أبو شالة*

 

في تغريبتنا السورية الكبرى، عبر مشارق الأرض ومغاربها.. حيث وطأت أقدامنا اللاجئة أقاصي المعمورة؛ سؤال بديهيّ يمر في الذاكرة ويترك ألماً وأسى؛ ماذا سيبقى من ذاكرتنا الشعبية السورية المشتتة في المنافي؟ ونحن نقف أمام تحديات تحمل معاناة بطعم مرّ.. أولها إتقان لغة التخاطب في البلد المضيف عبر معرفة جمل و مفردات صعبة للغة جديدة يجب أن نتعلمها لنندمج مع عادات وتقاليد المجتمع الجديد والغريب عنا في كل شيء.

 

نقف بعيداً.. وبحسرة نتأمل رحلة النسيان التي بدأت لمفرداتنا الشعبية الجميلة ذات الأصل الآرامي والتي تداولناها منذ مئات السنين وفاحت أنسامها بين أزقتنا الترابية المتعرجة في عمق حاراتنا الشعبيّة بعد أن انتقلت إلينا من أجدادنا وجدّاتنا.. هذه المفردات الشعبية الجميلة التي لا يفهم معناها إلا الإنسان السوري والتي تبدأ كل يوم مع الجار والجارة عبر الثرثرة أمام باب الدار..؛ بدءاً بتحية الصباح والمساء.. مروراً بكلمة حَوِّلْ هذه المفردة الشعبية الجميلة التي تدعوكَ للزيارة وشرب فنجان من القهوة أو الشاي في أي وقت تشاء وبكل رحابة صدر.

صورة لمقالة سلام أبو شالة

وكيف يمكن أن ننسى مفردة جميلة أخرى هي مفردة عَ البَرَكِه والتي يمكن لأي زائر أو زائرة أن يقولها؛ و لكَ أن تقولها أمام أي تنور سوريّ في الفجر أو الضحى أو العصر.. ولأي إمرأة أو صبيّة سورية تخبز الآن.. وإن كنت غريباً عن البلدة أو القرية.. وبمجرد أن تقف أمام باب التنور العَبِق برائحة الخبز الطازج الشهي المنتشرة في الزقاق.. يكفي أن تقول عَ البَرَكِه.. تقف برهة.. وتأخذ فوراً رغيفاً ساخناً مع ابتسامة من الكرم والعطاء.

 

لدينا في تراثنا الشعبي الغني آلاف الكلمات والمفردات الخاصة بكل حالة وظرف، طالت كل مناحي الحياة؛ فكيف لنا أن نحميها ونمنعها من الإنقراض والإندثار سوى أن نعلمها لأولادنا وأحفادنا ونبقى نتداول بها دائماً.. ومع أن الوضع الذي نعيشه لا يبشر بالخير وخاصة أن هنالك أجيالاً كاملة ستولد في دول اللجوء وسوف تتكلم لغة الدولة وتاخذ جنسيتها وتعيش بعادتها وتقاليدها؛ علينا جميعاً تقف مسؤولية جسيمة لحفظ هويتنا السورية والتي تبدأ من ألف باء تراثنا الشعبي بكل تفاصيله ومكوناته المتنوعة.

*شاعرة سورية

  • Social Links:

Leave a Reply