من أوراق المنفردة “6” في سجن صيدنايا .. اعدام ميت ــ ماهر اسبر

من أوراق المنفردة “6” في سجن صيدنايا .. اعدام ميت ــ ماهر اسبر

 

يوم الخميس تاريخ 25-5- 2006 كنت بالمنفردة رقم عشرة في منفردات الألف في سجن صيدنايا ، سمعنا في فجر ذلك اليوم صوت فتح قفل الباب الخاص بجناح المنفردات ونزل الدرج الأول أكثر من عشرة أشخاص بينهم ثلاثة ضباط وكنا نميّز الضباط من صوت أحذيتهم على الأرض “أغلبهم كان يطرق الأرض بكعب كندرة بعكس العساكر الذين يرتدون البوط العسكري ” ثم فتحوا الباب الثاني وبعدها نزلو الدرج الواصل إلينا ، في المنفردات الواقعة تحت الأرض بطابقين حيث الصمت الدائم والعتمة ، يتطّور لدى الانسان حاسة جديدة وهي الرؤية من خلال سماع الصوت وتركيب الصورة المتخيّلة للحدث والمشاركين به ، كنّا حرفياً نرى بأذاننا.


وصل العساكر والضباط الى باب المنفردة رقم ستة التي كانت تقريباً في مقابلنا وفتحوا بابها وتهامسوا قليلاً مع المعتقل داخل المنفردة ، وبعدها علا صوت عراك ، كان العساكر يشتمون المعتقل وضابط أمن السجن يصرخ به ” بدنا نموتك ياعرصا بدي علّقك ياشرموط” والمعتقل مرة يتوسلهم ” من شان الله لا تموتوني ” ومرة يشتمهم بأعلى صوته “بدكم تموتوني ياكلاب ، ياعرصات لا تموتوني ” ..


تسلقت باب منفردتي محاولاً اختلاس النظر من الفتحة الموجودة فوقه فرأيتهم متحلّقين حول المنفردة وأكثر من خمسة عساكر يحاولون سحب المعتقل الذي كان يتمسك ببابها ، بعد أن تمكنوا منه قيّدوا يديه للخلف ، ومن ثم قال لهم أحدّ الضباط أجلبوا معكم بطانية لنلفه بها ، وضعو البطانية على رأسه بحيث أصبحت تغطي نصف جسده بالكامل وجروه بينهم ، وهو يصرخ ويشتم ويتوّسل ، بقينا نسمع أصواتهم لحوالي ربع ساعة ومن بعدها حلّ صمت كبير بالمكان .. مع العلم أن جميع المعتقلين في المنفردات قدّ استيقظوا ولكن كانوا وكأن على رؤوسهم الطير .


بعد حوالي الساعة وقبل أن يجلبوا لنا الفطور بقليل ، جاء عسكريان مرة أخرى الى باب منفردتي ، وطلبوا مني أن أجمع اغراضي وثم نقلوني الى المنفردة رقم ستة التي اصبحت خالية ، كان المعتقل الذي تم اعدامه قد ترك جميع أشياءه وحاجياته البسيطة ، بعض ملابسه المستعملة وصابونه وبدلاته الداخلية وجرابات وقليل من لبّ الزيتون الذي صنع منه أشكال ومنحوتات صغيرة ، و قدّ حفر بشكل أنيق على كلّ سنتيمتر من جدران تلك المنفردة ذكريات وخواطر ورسومات وكأنها معرضه ..
كان بينها رسم لروزنامة يظهر منها أنه كان موجود بنفس المنفردة منذ ثلاث سنوات وثمانية أشهر ، وقدّ كتب بجانب أحد التواريخ أهداء لابنته .. ” اليوم ذكرى ميلاد ابنتي .. كل عام وأنت بخير يا بابا .. أنا أشتاق لك ” ..


منذ وضعوني في تلك المنفردة وحتى الأنّ .. وأنا يسكنني احساس أنني أشاركه حياته وقبره وشوقه بنفس الوقت.

  • Social Links:

Leave a Reply