في مثل هذا اليوم ..
الخامس من شباط قبل خمسة أعوام كان ثاني أيام الاجتياح .. وأقسى أيّام المجزرة ..
هل هي مصادفة تزامن ذكرى مجزرة حماة مع بدء مجزرة باباعمرو؟ أم هي رسالة واضحة لمصير كل حي ومدينة يقول لا لحكم الأسد ويصر على مطالبه؟!
الجثث في كل مكان، أكوام من اللحم بلا ملامح تكدّست أمام المشفى الميداني، لا أحد يبكي هنا… فقط عيونٌ جاحظة ووجوهٌ تختصرُ خارطة الوجع والهلع والتساؤلات .. !
كانت أوّل منطقة في سوريا تواجه بالصواريخ والمدافع من السماء، لم نكن ندري مانفعل، فحالة الذهول تسيطر على الجميع هنا.
لملمنا شتاتنا واجتمعَ الرجّال فانقسموا إلى رأيين، الأول: يقول علينا الانسحاب وعدم المواجهة، فالقتال ضمن حصار عاقبته الخسارة و ميزان القوى بصالح النظام و سينتقم من المدنيين باستمرار القصف وسيشكلون أكبر ضغط علينا، يمثل هذا الرأي ضباط الجيش الحر.
الرأي الثاني ويمثله الثوار المقاتلون من المدنيين ويرون ضرورة المواجهة فيقولون: لا أمان للنظام سيدخل ويقتلُ أهلنا جميعاً وربما سيجعل من باباعمرو حماةً ثانية ليربي بها السوريين، ومن الممكن أن يتدخل العالم لوقف الاجتياح، فقط علينا الصمود بضعة أيام فهناك استحقاقات قادمة (انتخابات مجلس الشعب الشكلية، ومؤتمر أصدقاء سوريا الأول في تونس) ونعتقد أنها ستوقف الاجتياح !
وبما أننا أول منطقة تخوض التجربة ولم يسقط قناع المجتمع الدولي بعد في عيوننا قررنا الصمود.
فرفعت الاجتماعات ووزع العناصر بعتادهم الخفيف على الجبهات لحماية أهلهم وفي مساحة لا يتجاوز قطرها ٣ كم٢ كانت جبهات القتال والمعارك.
في المشهد المقابل فوضى في كل مكان لم يخطر في بالنا أننا سنحتاج ملاجئ نختبئ فيها من القصف ! ونحن في القرن الواحد والعشرين وأمام هذا الفضاء المفتوح بالتأكيد لن يسمح العالم بقصفنا وتكرار حماة جديدة !
الكوادر الاسعافية والطبية أعجز من مواجهة الكارثة، تحول أبناء الحي جميعهم لمسعفين، ومن كان لديه منهم خبرة في أمور التمريض التزم المشفى الميداني.
واستمرّ القصف والاجتياح أربع وعشرين يوماً وليلة، نقلنا خلالها ماحصل على كل شاشات التلفزة العربية والدولية، أدخلنا طواقم الصحفيين الأجانب ليوثقوا بعدساتهم مايجري حتى لا تكون الرواية من طرفنا فقط، وليصدق هذا العالم الأبكم أننا نعيشُ حماةً ثانية، فقتل اثنان من طواقم الصحفيين (ماري كولفن- ريمي أوشليك) في قصف استهدف المركز الاعلامي وأصيب ثلاثة آخرون.
وهذا لم يمنع من استمرار القصف والمجرزة ..!
أصيب معظم كوادر المكتب الإعلامي قُتل أشجع أصدقائنا المصوريين وهم يحاولون نقل مايحصل، فقدناهم واحداً تلو الآخر، وبعضهم كانت إصابته بسيطة ولكن بسبب حالة العجز الطبي فقد روحه.
قُتل المئات من أبناء الحي المدنيين أطفالاً ونساءً وشيوخا وشباباً ..
استبسل الثوار مدنيون وعسكريون في القتال، ولم يستطع النظام بكل عتاده وعدته أن يكسر أي جبهة بين ثمانية جبهات رئيسة كانت عليها مواقع القتال.
استشهد عشرات من الأبطال المقاتلين والقادة الشجعان الذين كانوا أمام جنودهم يقاتلون في كل الجبهات.
لم يكن عندنا في باباعمرو جبهة نصرة ولا أي فصيل إسلامي أبداً، بل كنّا الحاضن الأول للجيش الحر الذي أعطى نموجاً لكل سوريا في احترام الحراك الشعبي والثورة المدنية وحتى هذا لم يشفع لنا !
قُطع طريق الإمداد الوحيد الذين كان من خلاله يتم اسعاف بعض الجرحى من الحالات المستعصية، وإدخال الطعام والذخائر.
مرّت أيام ونحن نتلقى فيها الوعود بفتح معارك باتجاهنا لفتح خطوط الإمداد وإدخال مقاتلين لمؤازرتنا ..
مرّت انتخابات مجلس الشعب ولم يقف القصف ..
مرّ اجتماع أصدقاء سوريا الأول ولم يصدر عنه غير الخواء ..
الخذلان تقرأه في عيون الناس، خذلان القريب قبل البعيد، خذلان السوري قبل العربي والأجنبي، لماذا لا تتحرك بقية المناطق وتضغط لإنقاذنا ؟؟!!
كيف يستطيع النّاس أن يعيشوا ببقية المناطق السورية كيف لهم أن يستطيعوا الأكل والشرب والنظام يقوم بمجزرة حماة جديدة في باباعمرو؟!
اعذروا حماقتنا وسذاجتنا هذا ما كنّا نفكّر به آن ذاك ونحن نخوض أولى تجارب السوريين في الخذلان ..
كم تمنينا أن تأتِ باصاتٌ مهما كان لونها لتنتشلنا من هذه المحرقة..!
هل هو قدرنا أن نكون أوّلى المناطق المقصوفة والمخذولة والمهجرة قسراً بالموت لا بالحوافل الخضراء وها نحنُ نفرُّ من بين أصابع القدر ..
كم تمنينا أن لا نُخذل من السوريين قبل غيرهم لأن الموت أهون من شعور الخذلان ..
قرر الجميع الانسحاب الكيفي بعد أن استبسل الشباب بالدفاع عن حيّهم وحاولوا إخراج وتأمين من استطاعوا من المدنيين، ليبدأ فصل جديد من الموت على الطرقات وفي البيوت والمزاررع ..
عشرات العوائل قتلت رمياً بالرصاص وحرقاً في البيوت ..
تمتدّ خارطة الوجع الذي ضرب سقف الكفاية مع كل خبرٍ جديد يأتي بعد الانسحاب ..
لا أسماء ولا أرقام للضحايا حتى الآن وبعد خمس سنوات لا زلنا لا نعلم من قتل ومن لازال على قيد الحياة من أبناء حينا الشهيد على مذبح الكرامة والخذلان.
ولأننا خرجنا والهدف الواضح يملأُ قلبنا ووجداننا، لم نتوقف عن مابدأناه رغم كل هذا الوجع والأسى.
فقد روت دماء شباب باباعمرو ثرى حمص في كلّ مكان من القصير لحمص القديمة فريفها الشمالي، إلى كل ملاحم حلب وحماة وإدلب كانوا دوماً في طليعة الإنغماسيين ويعرفهم جميع أبطال الشمال ..
ولازالوا للآن مع بقية أبناء المناطق المهجرة يقبضون على بنادقهم وعيونهم ترنو إلى مدينتهم حمص وإلى حيهم الذي حفروا ذكراه بدمائهم على صفحات التاريخ.
لن أضع فيديوهات للمجزرة بل سأترك لكم هذا التقرير الذي صوره الصحفي البريطاني Stuart Ramsa قبل المجزرة بأربعة أشهر تقريباً، ومعظم الوجوه فيه أضحت تحت التراب اليوم، فهو يختصر قصة السوريين جميعاً الذين رغم كل هذا الموت والخذلان لم يفقدوا الأمل ولازالوا يتلمسون حريتهم وسينتزعونها من جاهلية وطغيان هذا العالم.

Social Links: