منهل باريش
«القدس العربي» :تباطأ تقدم فصائل الجيش الحر، المدعومة من تركيا، داخل مدينة الباب شرق حلب، اذ سيطرت على دوار الراعي وعدة نقاط على المحور الشمالي الأحد الماضي، إضافة إلى تقدم واسع في منطقة صوامع الحبوب ومحيطها، وصولا إلى دوار تادف جنوب المدينة.
كل هذا التقدم جرى عملياً في الأطراف حيث الكتل السكنية والأبنية الحكومية المنفردة وغير المتلاصقة، في حين أن العمليات مازالت على مشارف الأحياء السكنية المكتظة، ولم تدخل في عمقها حتى اللحظة.
ويعتبر التحصين الهندسي العالي سبب تعثر السيطرة على الباب حتى اللحظة،حسب خبراء عسكريون وقادة في عمليات درع الفرات.
وأشار قائد اللواء 51 العقيد جميل عفيسي في حديث خصه لـ«القدس العربي» أن تنظيم الدولة الإسلامية «جهز نفسه لمعركة الباب منذ تحرير جرابلس، وحفر فيها خنادق وأنفاق في كل المحاور وعلى عدة خطوط دفاعية، ناهيك عن الألغام الفردية والعبوات الموجهة». وربط عفيسي تأخير تحرير الباب بـ«المشاركة الضعيفة لطيران التحالف الدولي».
وعن استعصاء السيطرة على بلدتي قباسين وبزاعة الواقعتين شمال شرق وشرق الباب. قلل عفيسي من أهميتهما، قائلاً: «الباب هي عقدة المنشار وتركيزنا عليها، يحاول داعش جرنا إلى معارك استنزاف فيهما، لكن السيطرة على الباب يعني سقوطهما عمليا ودون مقاومة».
قائد «صقور الشمال» حسن الحاج علي، أكد ما ذهب اليه العقيد عفيسي، وأضاف: «يظن الكثير من المتابعين أن الباب قرية صغيرة، لكن في الحقيقة أنها مدينة كبيرة مبنية على الطراز الريفي، بيوتها متلاصقة وغير طابقية وهو ماساعد داعش في حفر الخنادق داخل أسوار المنازل، فأغلب بيوت عناصر داعش حفرت فيها أنفاق وخنادق وزرعت فيها عبوات متفجرة من كافة الأشكال والأنواع».
وقال رئيس المكتب السياسي في لواء المعتصم، مصطفى سيجري: «حسمت المعارك لصالح الجيش الحر بعد السيطرة على جبل الشيخ عقيل المطل على أغلب أحياء المدينة، والذي يرصد أغلب المحاور وأهداف داعش المتحركة نارياً، وأصبحت المدينة الآن شبه محاصرة وشيئا فشيئا انتقلت المعارك إلى داخل أزقة المدينة».
وعزا سيجري، في تصريح لـ «القدس العربي»، تأخر السيطرة إلى «وجود المدنيين الذين منعهم التنظيم من المغادرة، وأبقاهم دروعاً بشرية» حسب تعبيره.
وعن الأهمية الاستراتيجية للباب واحتدام الصراع عليها بهدف انتزاعها من تنظيم «الدولة» بين الأطراف المتحاربة، اعتبر سيجري أن «الباب هي البوابة الشرقية لحلب، وهي عقدة الربط بين مدينتي الرقة وحلب». ونوه إلى مساعي إيران والنظام من جهة، ومن وصفهم بـ«الانفصاليين من الأكراد» من جهة ثانية، وأن توجههم للسيطرة على المدينة أعطاها أهمية إضافية. وختم قائلاً: «الباب هي نقطة انطلاقنا إلى الرقة، والسيطرة عليها تحتاج إلى مزيداً من الوقت».
إقليمياً، بدأت بوادر الاستياء التركي من الدور الروسي مع التغطية الجوية الروسية الكبيرة أمام قوات النظام والمليشيات المساندة له جنوب الباب، ولعل الغضب التركي تفاقم مع قصف معسكر للجيش التركي غرب الباب من قبل الطيران الروسي. وهذا تطور فُسّر كرد فعل روسي على اشتباك مقاتلي الجيش الحر مع قوات النظام في منطقة الغوز، غرب الباب، حيث أسفر الهجوم الجوي عن مقتل ثلاثة جنود أتراك.
ويعتبر الهجوم بمثابة رسالة تحذيرية روسية بشأن أي تفاهم بين أنقرة وواشنطن، خصوصا أنه أتى بعد الحديث عن تعاون بين الطرفين بشأن معركة «تحرير الرقة» وبعد زيارة مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية، مايك بومبيو، إلى أنقرة مؤخراً، ولقائه الرئيس رجب طيب أردوغان، ورئيس الإستخبارات التركية حقان فيدان، في اجتماع مطول استغرق نحو أربع ساعات.
وفي سياق الجولات المكوكية بين الجانبين، التقى رئيس هيئة الأركان التركية، الجنرال خلوصي أكار، مع نظيره الأمريكي جوزيف دانفورد، في قاعدة إنجيرليك الجوية في مدينة أضنة. وركزت المشاورات على الدعم الجوي الأمريكي لعمليات درع الفرات في معركة الباب، ومن المتوقع تسريع تحرير البلدة في حال المساندة الجوية الجادة لفصائل الجيش الحر، على غرار تلك المقدمة شمال الرقة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».
وتبقى المشكلة الكردية أهم عوائق التفاهمات المحتملة بين تركيا وأمريكا. فأنقرة لا تكف عن مطالبة واشنطن بوقفها لدعم «وحدات حماية الشعب» الكردية، وتعتبرهم الجناح السوري لـ«حزب العمال الكردستاني» والذي تعتبره «منظمة إرهابية»، فيما يفضل البنتاغون العمل معه في حربه ضد «الإرهاب» ومحاربة تنظيم «الدولة».
ومن المحتمل أن تنجح تركيا في إقناع أمريكا بانسحاب «الوحدات» الكردية من مدينة منبج شرق حلب، وتسليمها إلى مجلس محلي منتخب يقوم بتسيير الحياة العامة ويقدم الخدمات للمواطنيين، وتديره «الشرطة الحرة» المدربة تركياً، مقابل عدم دخول الجيش الحر، أو أي من الفصائل التابعة لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، إلى البلدة. وتُطرح، أيضاً، إمكانية دمج المقاتلين العرب التابعين لـ«الوحدات» ضمن فصائل الجيش الحر في درع الفرات، وخروج المقاتلين الكرد إلى منطقة شرق الفرات أو خارج المنطقة الآمنة التركية، أو بقائهم كمدنيين بدون سلاح.
التغطية الجوية الأمريكية لمعركة الباب – إن تمت – ستكون علامة التحول الجدية في إعادة تفعيل العلاقات الأمريكية ـ التركية، بعد أن دمرتها الإدارة السابقة من خلال التخلي عن بلد هو صاحب أكبر جيش في حلف «الناتو». وبهذا ربما ستتغير، بدورها، العلاقات بين أنقرة وموسكو.

Social Links: