الموقف الأميركي من القضية السورية كان واضحاً وجلياً منذ بداية الثورة، وتأكد بعد تعاملها مع قصف النظام بالكيماوي، بعد عام 2013، وتخلي النظام عن منظومة السلاح الكيماوي السوري، وموافقة ورعاية روسيا لهذا الأمر .
إن اصرار النظام على استمرار الصراع، رافقه موقف أمريكي بمنع الدول الأخرى من مساعدة الثورة السورية بالسلاح النوعي، في وقت كان حلفاء النظام من إيرانيين، وروس، يمدونه بكل ما يحتاجه من سلاح، وأموال، ومقاتلين، وخبراء لسحق الثورة .. بل إن الموقف الروسي كان بالمرصاد لأي قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي يدين النظام السوري، وجرائمه، وظهر ذلك من خلال عدد المرات التي استخدمت روسيا فيها حق النقض.
الروس ومع مراقبتهم لتطور الأوضاع على الأرض بين النظام، وفصائل المعارضة المسلحة، ومع تقديرهم لاقتراب النظام من هزيمته أمام معارضيه، – تصريح لافروف بهذا الشأن – قرروا التدخل عسكرياً لإنقاذ حليفهم في دمشق، ومنع سقوط العاصمة بيد جحافل الثوار الذين كانوا يقتربون من مداخلها .. حدث التدخل العسكري في الربع الأخير من عام 2015 .
التدخل الروسي العلني في سورية – في ظل صمت أوربي وأمريكي – بدا، وكأن روسيا حزمت أمرها في سد الفراغ الدولي، بسبب إحجام الأميركيين عن ملئه، والروس بذلك أرادوا تثبيت النظام إلى حين، وتثبيت مصالحهم الإستراتيجية في هذه المنطقة الهامة من العالم، وتحديداً موضع قدمهم في البحر الأبيض المتوسط .
انطلقت قاذفات الدمار الروسية توزع الموت، وتدك بحممها مواقع المعارضة السورية، مانعة إياها من تحقيق نصرها العسكري، وفي الوقت ذاته محققة للنظام السوري زمناً إضافياَ لبقائه، ريثما تتضح مرحلة الاتفاق الدولي على حل سياسي بوقف الحرب، ولا يسمح للثورة السورية بالانتصار سياسياً أو عسكرياً .
في هذه المرحلة، وتحديداً في مرحلة الانتخابات الأمريكية، وما تلا ذلك من فترة انتقال السلطة من أوباما إلى ترامب، أراد الروس تجميع أكبر قدر من الأوراق الرابحة بيدهم، لوضعها لاحقاً على طاولة جنيف4، ساعدهم في ذلك الاستدارة التي قام بها الأتراك بعد انقلاب تموز 2016، سيما أن الأتراك اكتشفوا أن الناتو – وهم من ركائزه – أدار لهم ظهره بعد اختراق الروس لأجوائهم، وإسقاط طائرة روسية فوق الأراضي التركية.
لقد أدى التدخل العسكري الروسي في شروطه السابقة، إلى تعديل ميزان القوى العسكري في الميدان لمصلحة النظام، وحلفائه الإيرانيين، والميليشيات الشيعية من لبنانية، وعراقية، وأفغانية، وغيرها، وكان الزمن اللازم لتنفيذ هذا التعديل، وانجازه محدوداً زمنياً أمام الروس. كانت السرعة مرتبطة بهاجس الخوف من سياسة القادم الجديد إلى البيت الأبيض، والسياسة الجديدة التي ستعمل عليها الإدارة الأمريكية القادمة.
كانت خطوات الروس محسوبة المدى، وفق الروزنامة الأمريكية القائمة آنذاك، ووفق الروزنامة الجديدة .
كان الروس يفكرون بالصورة التالية : التدخل العسكري يجب أن يحقق رزمة المصالح والأمور قبل تغير الرئيس أوباما، وهي تعويم النظام السوري، وإظهاره كشريك في محاربة الإرهاب، وإن بطريقة تشاركية مع معارضة تقبل به، معارضة تتعرض لتقليم أظافر، وترويض لتقبل بالمشروع الروسي، ومن هنا ولدت آستانة 1 وأستانة 2 كمدخل إلى جنيف4، والتي لن تناقش الانتقال السياسي كجوهر، يمثل انتقال سلطات رئاسة الجمهورية، والحكومة، إلى هيئة حكم انتقالية، تمتلك كل السلطات، وإنما تحاول تفريغ مفهوم الانتقال السياسي من جوهره، بحيث تغيب وفق هذا الترتيب كل أسباب الصراع الحقيقية التي قامت من أجلها المظاهرات السلمية في البلاد في العام 2011 .
التدخل الروسي، وبعد انجازه طرد المعارضة المسلحة من الجزء الشرقي لمدينة حلب، سعى إلى استثمار هذا الانجاز، من خلال توقيع اتفاق مع النظام، يمنح للروس امتيازات في قاعدة طرطوس لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد لمدة 25 عاماً إضافية برضى الطرفين، هذه القاعدة تسمح للروس بالبقاء في المتوسط، دون الاضطرار إلى البحث عن موانئ تزود سفنهم الحربية بما فيها النووية بالوقود، وتكون قاعدة لعملياتهم، وصيانة سفنهم، إضافة إلى أنهم – أي الروس – حصلوا على حق التنقيب والاستثمار في حقول البترول، والغاز، على الشاطئ السوري، وفي مياهه الإقليمية على ساحل المتوسط، والتي تقول كل الدراسات المختصة، بأن الساحل الشرقي للمتوسط غني بل وطافح بهذه الثروات، هذا الانجاز الروسي لم يكتمل كما رغب الروس، فمجيء ترامب إلى البيت الأبيض، وفق ذهنية التفرد الأمريكية المتشربة بعقلية التاجر، لا بد وأن يأخذه الروس بحساباتهم التالية، ولعل شهر العسل المؤقت الذي حصل بينهم، وبين الأتراك، هو شهر تحكمت به عوامل عديدة، أهمها الإهمال الأميركي للمصالح التركية، والموقف الأميركي من انقلاب 15 تموز عام 2016م، هذا التقارب الذي أنجز لقاء آستانا الأول، والتوقيع على وقف إطلاق النار بين النظام السوري، والفصائل المسلحة المعارضة له، أراد له الروس دوراً أكبر من ذلك، أي تطويع السياسي في الاتفاق العسكري “مسودة الدستور الروسي الخاصة بسورية”، ولكن الوقت لم يعد يعمل وفق الروزنامة السابقة، فلقد سكن البيت الأبيض رجل كانت أولى تصريحاته ذات نبرة عدائية واضحة اتجاه إيران، الحليف الأساسي للروس، وهذا ما أربك النظام السوري وحلفاءه . فالسيد ترامب يرى في إيران نظاماً مصدراً وراعياً للإرهاب الدولي، وهذا يعني أن محورهم الممتد من طهران إلى بغداد إلى دمشق فبيروت، أصبح تحت مراقبة العين الأميركية، وهو محور خطير على المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة .
لقد التقى الفرقاء ثانية في الآستانة، ولكن وضح أن الروس بدأوا يفقدون قدرة الضغط على المعارضة المسلحة لتقديم تنازلات أكبر لمصلحة النظام أو مصلحة حلفائهم الايرانيين فهم لم يضمنوا وقفاً حقيقياً لإطلاق النار وبالتالي فالمعارضة وجدت أن الروس يريدون أن يأخذوا دون أن يعطوا .. ثم هناك الاشارات الأمريكية الجديدة التي تلقتها تركيا عبر الاتصال الهاتفي بين اردوغان و ترامب ووصول رئيس المخابرات المركزية إلى انقرة ثم الحديث الهاتفي بين الملك سلمان والرئيس ترامب و زيارة وزير الخارجية الأميركية تيلرسون إلى الرياض .. هذه كلها مؤشرات تجعل الموقف الروسي يصل إلى حدود الرغبة العميقة بتثبيت مصالحهم أولاً ورغم كل ذلك لا يزالون حتى الآن مصرين على مواقفهم في سورية ولديهم الاستعداد لتقديم تنازلات بما يخص رحيل رأس النظام السوري وطاقمه الذي غرق في دماء السوريين بموجب وثائق صادرة عن المنظمات الدولية لا يمكن لأحد أن يتغافل عنها .
الروس يقفون أمام جنيف4 وهم يأملون ويرغبون أن يقترب الموقف الأمريكي من رؤيتهم وألا يطيح التدخل الأميركي بانجازاتهم التي حققوها طيلة فترة تدخلهم العسكري المباشر ..
وهم يدركون أن الاستحقاقات المطلوبة دولياً من روسيا أوسع من ساحة الصراع في سورية .

Social Links: