ملخص الورقة :
تبحث الورقة في أهمية اتخاذ محافظة دير الزور معقلا بديلا لتنظيم الدولة الذي من المتوقع خسارته ما تبقى من مناطق سيطرته في العراق، واحتمالات راجحة لخسارته مدينة الباب، المعقل الأخير له في حلب، وكذلك توقعات باستعادة قوات النظام السوري سيطرتها على مدينة تدمر، في ريف حمص الشرقي؛كما أن تركيز الولايات المتحدة على استعادة مدينة الرقة، العاصمة المفترضة لدولة “الخلافة الإسلامية” يرجح احتمالات خسارة التنظيم لمعقله الأهم والأخير في شمال سورية.
تتطرق الورقة إلى أهمية العنصر البشري لدى قيادات التنظيم وتغليب الحفاظ عليها على الاحتفاظ بالأرض، من منطلق الاستمرار في مشروع قيام “دولة الخلافة الإسلامية” الذي يعد العنصر البشري الأساس للمضي به قدما.
كما تلقي الورقة الضوء على الطابع العشائري لمحافظة دير الزور وأهمية العشائر العربية لأطراف الصراع كافة؛ ومحاولة تنظيم الدولة استثمار التداخل العشائري على جانبي الحدود العراقية السورية لصالح مشروعه البعيد المدى، وتوظيف هذا العامل في خلق بيئة امنة له في المناطق الشرقية من سورية.
وتخلص الورقة إلى رسم نهايات متوقعة لسيطرة تنظيم الدولة على ما تبقى من أراض خاضعة له في العراق واختياره لمحافظة دير الزور كمعقل بديل، والإبقاء في دير الزور على ما يشبه دولته التي أعلن عنها من الموصل في يونيو/حزيران 2014.
أهمية موقع دير الزور الجغرافي:
يعيش في محافظة دير الزور الواقعة شرق البلاد على مقربة من الحدود العراقية السورية وفق آخر إحصائية تقديرية حوالي 1.239 مليون نسمة في 2011، من بينهم نحو 500 ألف نسمة يعيشون في مدينة دير الزور، مركز المحافظة؛ وتضم المحافظة أكثر من 130 تجمعا سكانيا من بلدات وقرى، وتتبع المحافظة عدد من الوحدات الإدارية على مستوى الاقضية والنواحي منها، الميادين والبو كمال وهجين والقورية وغيرها.
وتعد محافظة دير الزور، التي تقع على مسافة 470 كيلومترا شمال شرقي العاصمة دمشق، ثاني أكبر محافظة سورية من حيث المساحة بعد محافظة حمص؛ وتتميز بموقع جغرافي مهم لأطراف الصراع السوري لحدودها المشتركة مع محافظة الأنبار العراقية التي لا تزال مدنها القريبة من الحدود السورية خاضعة لسيطرة تنظيم الدولة، مثل راوة وعانه والقائم المحاذية لمدينة البوكمال السورية؛ كما ترتبط بحدود مشتركة مع ثلاث محافظات سورية.
تشترك محافظة دير الزور بحدود إدارية مع محافظة الحسكة، 190 كيلومترا إلى الشمال من مدينة دير الزور، وينحصر تواجد تنظيم الدولة في بلدة مركدة على مسافة 80 كيلومترا إلى الشمال من مدينة دير الزور وحوالي 100 كيلومترا جنوب مدينة الحسكة.
كما تشترك محافظة دير الزور بحدود إدارية مع محافظة الرقة التي يفرض تنظيم الدولة سيطرته على معظم مناطقها؛ ومركزها مدينة الرقة العاصمة المفترضة لدولته “الخلافة الإسلامية”.
أما المحافظة الثالثة التي تشترك بحدود جغرافية مع محافظة دير الزور فهي محافظة حمص، 350 كيلومترا إلى الغرب من مدينة دير الزور، والتي يسيطر تنظيم الدولة على أجزاء واسعة من صحرائها الممتدة إلى الحدود العراقية في منفذ التنف، 280 كيلومترا جنوب شرقي مدينة حمص و300 كيلومترا شرق العاصمة السورية دمشق؛ ومن أهم مواقع سيطرة تنظيم الدولة في المحافظة، مدينة تدمر الاثرية التي سيطر عليها في 11 ديسمبر/كانون الأول 2016 للمرة الثانية بعد خسارته إياها قبل ذلك بحوالي ثمانية أشهر؛ ولا يزال يخوض معارك عنيفة للسيطرة على مطار التيفور الأكثر أهمية من بين المطارات السورية قبل تشغيل قاعدة حميميم التي تنطلق منها الطائرات الروسية المقاتلة.
ازدادت أهمية دير الزور لتنظيم الدولة بعد حملة نزوح سكاني واسعة إليها من مدينة الموصل؛ ومع بداية معركة الموصل التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، شهدت المدينة نزوحا لعشرات الآلاف من سكانها إلى مناطق قريبة من المدينة وإلى مخيمات إيواء في إقليم كردستان العراق؛ كما أن سيطرة التنظيم على دير الزور من بين أسباب اللجوء إلى هذه المناطق التي وصلت إليها خلال الأسبوع الأخير من نوفمبر/تشرين الثاني 2016 “أكثر من 300 عائلة عراقية قادمة من المناطق العراقية التي تشهد عمليات عسكرية، غالبيتهم من منطقتي الموصل وتلعفر، حيث عمد التنظيم إلى إسكانهم في المنازل التي استولى عليها من أصحابها في وقت سابق بريف دير الزور”
العامل العشائري في معادلة الصراع على دير الزور:
ظلت أدوار العشائر العربية مقتصرة على تأييد الأنظمة الحاكمة في مقابل الحصول على منافع شخصية طيلة فترة حكم حزب البعث في العراق، وبدرجة أقل في سورية حتى وصول بشار الأسد إلى الحكم خلفا لأبيه؛ في مقابل ذلك، سعى تنظيم الدولة لمنح وجهاء ورؤساء العشائر بعض الامتيازات التي تعزز من مكانتهم الاجتماعية في اشبه ما يكون برد اعتبار تاريخي لهم من خلال قبول “توبة” من يلجأ إلى أحد شيوخ العشائر من المطلوبين للتنظيم، وإعطاء هؤلاء الشيوخ أدواراً في أوساط المجتمع فيما يتعلق بتحديد العوائل التي تحتاج إلى المساعدات، ودورهم في فض النزاعات العشائرية وقبول التنظيم بهذا التقليد الاجتماعي وتشجيعه.
تنحدر العشائر العربية في محافظة دير الزور من أصول مشتركة مع مثيلاتها من نفس العشائر في محافظة الحسكة التي رفضت الانخراط في صفوف تشكيل “حشد الجزيرة والفرات” والذي أعلنت عنه الحكومة السورية بالتنسيق مع وجهاء عشائر العكيدات والبكارة والخرشان والمعامرة لتشكيل قوة عشائرية تتولى قتال تنظيم الدولة بعد أن شن هجومه الواسع على أحياء في دير الزور ومطارها منتصف يناير/كانون الثاني 2017؛ وتأتي هذه الخطوة نتيجة “حالة الاستنزاف التي تتعرض لها قواته على جبهات القتال مع تنظيم الدولة في مدينة دير الزور، ما دفعه إلى محاولة الاستعانة بعشائر الحسكة لجمع وتحشيد مقاتلين جدد لرفد جبهات القتال التي تعاني من عجز في صفوف مقاتليه”
دخلت عشائر عربية عدة في محافظات دير الزور والحسكة والرقة في تحالفات مع قوى كردية وسريانية في المناطق الخاضعة لما يسمى بالإدارة الذاتية التي يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا؛ وظلت هذه العشائر تعيش حالة انقسام وتشتت في حالة شبيهة بحالة العشائر العربية على الجانب الاخر من الحدود مع العراق.
وعلى الرغم من سيطرة تنظيم الدولة على مساحات واسعة من الأراضي العراقية والسورية في محافظتي الانبار ودير الزور اللتان تقطنهما عشائر واحدة على جانبي الحدود، لكن حالة الانقسام ظلت السمة الطاغية على موقف هذه العشائر التي توزع ولاءها في الوسط العشائري أو ضمن العشيرة الواحدة بين تنظيم الدولة والحكومتين العراقية والسورية.
لعبت العشائر العربية أدواراً مختلفة خلال مسار الثورة الممتد لست سنوات؛ وشكلت بعض العشائر فصائل تابعة للجيش السوري الحر على أساسٍ عشائري مناطقي مثل ثوار البكارة وثوار العكيدات؛ لكن سيطرة جبهة فتح الشام أزاح التشكيلات العشائرية عن المشهد وخيرهم بين حل تشكيلاتهم أو الذوبان في الجبهة.
وبالعموم تحاول التنظيمات الإسلامية الابتعاد عن الخطاب العشائري وتغليب الخطاب الديني عليه، في ذات الوقت تعمل التنظيمات جاهدة وتتنافس على كسب ولاء وجهاء وأعيان ورؤساء العشائر إلى جانبها لدورهم في صناعة الرأي في الوسط الاجتماعي؛ وقد خضعت المناطق الشرقية بداية الثورة السورية لسلطات الجيش السوري الحر الذي تبنى صيغة توافقية مع قادة العشائر في تأمين المصالح المشتركة بينهما، ولم تبتعد جبهة النصرة كثيرا عن سياسة الجيش السوري الحر في التعامل مع العشائر بعد سيطرتها على تلك المناطق وإن كان بدرجة أقل انطلاقاً من محاولة الابتعاد عن التعصب القبلي المنهي عليه في الدين الإسلامي والذي عبر عنه القيادي في الجبهة، أبو ماريا القحطاني، بقوله “العشائرية تحت قدمي”.
أما تنظيم الدولة فقد تبنى سياسة التقرب مع رؤساء العشائر وبناء علاقات متينة وثّقتها “بيعات شرعية” لعدد كبير منهم لأمير التنظيم، أبو بكر البغدادي؛ لكن هذه العلاقات بينهما لم تكن تكفي لأبناء تلك العشائر للبقاء برضاهم في مناطق سيطرة التنظيم طالما أن هذه المناطق:
تتعرض لقصف بري من قوات النظام.
تعرضها للقصف الجوي من طيران النظام السوري والروسي وطيران التحالف الدولي.
فرض قوات النظام حصاراً خانقاً على مناطق سيطرة التنظيم والطرق المؤدية إليها بما يقلل من فرص العمل وازدياد الحاجة للمواد الأساسية الغذائية والدوائية.
منع تنظيم الدولة الراغبين بمغادرة مناطق سيطرته إلاّ بشروط معقدة وكفالات ضامنة دفعت بالعديد منهم إلى سلوك طرق التهريب وتعرضهم للمخاطر ودفعهم تكاليف مالية.
محاولة تنظيم الدولة فرض نمط معين يعتقد أنّه متوائم مع الشريعة الإسلامية على المجتمع الذي عاش عقود طويلة في ظل نظام حكم علماني.
يتبع ..


Social Links: