ربما تكون قد تساءلتَ أيها القارئ الكريم، عن سبب وضعي “علامات الازدواج”، حول كلمات مثل “الله” و”يسوع” و”النبي” و”موسى” و”الكتب المقدسة”. لا أخفي عليك أن السبب هو إيماني المطلق بحرية الإنسان، وتحسباً من أن يظن أحد أنني أحاول فرض رأيي على أحد، أو أفرض وجود شخصيات لا يعتقد بعضنا بوجودها، وأضع “المسيح ومحمد” في صورة ليست في أذهان بعض الناس، فأنا ما زلت في الدرجة الأولى من سُلّم المعرفة، ولي إيماني الخاص في الوجود والطبيعة، وما وراء الطبيعة والوجود، لكن ما أعرفه حق المعرفة، هو أن الناس يختلفون في شؤون الدين، كما يختلفون في شؤون الدنيا، وكما أن هناك مؤمنين، ومتدينين، هناك أيضاً ملاحدة ولاأدريون، ومنهم من لا يزال يبحث عن “الله”، وأسرار الكون في الكتب وخارج الكتب. المهم في الأمر وفي كل أمر، أن يسود الاحترام بين الناس، ولا يكفّر أحد أحدنا باسم الرب، أو يقتل باسمه، لأنه إذا كان يؤمن بربّ للعالمين، فعليه أن يعرف أن بين يدي هذا الربّ وحده يكون الحساب، لا في يد من يدّعون تمثيله على الأرض زوراً وبهتاناً.
قد يشك أحدنا في وجود شخصية تاريخية اسمها “المسيح ابن مريم”، وقد يعتقد آخر بألوهيته، ومنا من قد يراه “نبياً من أنبياء الله”، وقد يحسبه آخر رجلاً مصلحاَ عاش في فلسطين الرومانية، وصلب لأنه خالف القوانين، وجدّف على عقائد بني قومه، وقد يعتقد بعض الناس أن موسى نبي، في حين قد يراه آخرون فرعوناً، أو رجلاً هارباً يستحق العقاب، لأنه قتل مصرياً في الطريق، أو شخصية خرافية لا وجود لها. الشي نفسه ينطبق على كل ما هو “مقدس” في رأي بعض الناس، لكنه ليس “مقدساً” في رأي بعضهم الآخر. لهذه الأسباب كلها وضعت “علامات الإزدواج”، عملاً بحرية الرأي، وليحكم كل قارئ بمنظاره. هكذا الحياة، أو هكذا يجب أن تكون، حواراً خلاقاً في طريق البحث عن الحق والحقيقة، وإلا توقف العقل وانتعشت الغرائز.
وضعت “علامات الازدواج” هذه أيضاَ، حول كلمات مثل “مسيحيين” و”مسلمين”، وسبب ذلك، كما سبق وذكرت في مقال لي، اعتقادي بأن ليس كل من يولد في عائلة “مسيحية” هو مسيحي حقاً، وليس كل من يولد في عائلة “مسلمة” هو مسلم حقاً. الإيمان الصادق بالفعل لا بالقول، وليس كل من ذهب إلى الحج صار حاجاَ بالروح، وليس كل من قال “يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات”، كما جاء على لسان “المسيح” في الأناجيل. الإيمان العفوي الصادق، لا يتم من خلال طقوس جامدة، بل بالخروج من الدروب الضيقة إلى رحاب الإيمان الطلق، من الصلاة المحدودة إلى النجوى الكونية التي لا تحد، والتي لا تتقيد بلغة ولا بهيكل ولا بمعبد، ولا تتأثر ببيئة أو بموروث، ولا تعرف إلا التأمل والإيمان الخالص طريقاً إلى “السماء”.
هذه الأسباب، وإيماني الشديد بالدولة المدنية كحل لا حل غيره، هو ما دفعني إلى توجيه هذه الرسالة إليكم يا “مسلمي” لبنان، فالدولة المدنية هي دولة القانون العام الذي يسري على الجميع، بغض النظر عن معتقد كل منا. هي الدولة التي فيها وحدها يتنامى الشعور الوطني الصادق، وينمو تعايش حقيقي وتتوالد محبة، وفيها وحدها تتلاحق الأفكار، وتتجلى العقول وتنفتح على حقول العلم والفن والمعرفة. لقد ولدت هذه الدولة في الغرب، وجاءت ولادتها بعد مخاض عسير، وصراع حاد بين العلم والجهل، بين التدين والإيمان، بين البصيرة والغيب، بين المنطق والغريزة، بين العقول النيّرة وصلف الحاكم، وحكم المقصلة ومنصّات المشانق. حاربتها السلطة الدينية الغربية باسم “المسيح”، وتحاربها في الشرق اليوم، قوافل من وثنيين جدد، تحت راية الإسلام و”نبي” الإسلام، وبأشد ضروب الجهالة والغريزة العمياء. لكن، كما جاء يوم، انتصر فيه النص الإنجيلي على السلطة الدينية والسلطة الزمنية في الغرب، سيأتي يوم قريب ينتصر فيه النص القرآني على السلطة الدينية والسلطة الزمنية في الشرق، وهذا النصر العظيم الهائل لن يتحقق، إلا في ظلال دولة مدنية إنسانية حرة.
إذا كان الإسلام ديانة عنف فكذلك هي المسيحية
فيما يلي تعريب لمقال يتعلق بمجرى الأحداث الراهنة وهو بقلم (جوليا لوف)، وهي كاتبة ومراسلة مجلة (النيويورك تايمز)، وشغلت مركز رئيسة تحرير (نيو ريبابليك) ومراسلة (الواشنطن بوست) ، كما عملت في موسكو كمراسلة لمجلة (فورين بوليسي) و (نيويوركر) بين عامي 2012- 2009
كل الديانات العالمية القديمة لها تاريخ دموي يثير القلق. واستثناء الإسلام فقط كديانة عنف من قبل (دونالد ترامب) يجعل منه منافقاً بغيضاً.
في تعليق له على جريمة إطلاق النار داخل مدينة (اورلاندو) في ولاية (فلوريدا) الأمريكية، أصرّ (دونالد ترامب) على ان الذي حصد الناس في ملهى (بالس) لم تكن البندقية الهجومية بل ان الجاني كان الإسلام المتطرف، لأنه في (برج ترامب) لا يمكن ان يجتمع كلا الطرفين معاً. ان عالم (ترامب) هو عالم ثنائي أي لا توجد فيه الا البنادق التي تقتل الناس او الإسلام المتطرف الذي يقتلهم أيضاً، كما انه في عالم (ترامب) لا توجد غير ديانة واحدة سيئة، فاذا كانت المسيحية ديانة جيدة فهذا يعني ان الإسلام سيء، إذا كانت المسيحية هي ديانة سلام فلا بد ان يكون الإسلام ديانة عنف، وإذا كانت المسيحية ديانة تسامح فالإسلام سيكون ديانة عدم تسامح، ولقد تأصلت في هذه الديانات خصائص ثابتة وكأنها قد نقشت على حجر من صوان لوصف سلوك كل فرد من اتباعها. ويشاطر نظرة (ترامب) هذه أتباعه وغير أتباعه ويطلق على هذه النظرة اسم (المانوية) أي الثنائية بين النور والظلمة بين الخير والشر. غير ان (المانوية) كانت تصف في الأصل ديانة انتشرت من بلاد الفرس وصولاً الى الأجزاء الشمالية من أفريقيا الخاضعة للإمبراطورية الرومانية في القرن الثالث الميلادي، وكان لهذه الديانة تأثير على المسيحيين الأوائل. وإذا كان للديانة (المانوية) مضموناً سلبياً اليوم فيعود ذلك الى ان الكنيسة الكاثوليكية اعتبرتها حينذاك هرطقة دينية مما يستدعي بترها تماماً وبدون رحمة من العالم المسيحي: حيث كانت تجري مصادرة امتعة اتباعها ثم يتم بعدها قتلهم، حتى وان كانوا قد تحولوا الى المسيحية ولكنهم ظلواعلى اتصال مع بعض أقرانهم من المانويين.
ان السبب الذي دعاني الى ذكر المانوية هو كوني سئمت من سماع (دونالد ترامب) و (بيل ماهر) وهم يرددون ان العنف متأصل في الإسلام، كما انني مللت من سماع ان المسيحية هي ديانة سلام. لقد شاهدت وسمعت الكثير من هذه المواقف يعاد تكرارها مرات كثيرة بما فيها تلك الحادثة التي جرت اثناء حفلة عشاء حيث قامت مقدمة البرامج الاذاعية والمعلقة السياسية والكاتبة المحافظة (لورا انغراهام) وطالبت الحضور وضيوف الحفل برفع اياديهم لإجراء عملية استفتاء فيما إذا كان الإسلام يمثل ديانة موت، وطبعاً رفع كل الحضور من السياسيين المحافظين أيديهم بالموافقة ثم شرعت (لورا انغراهام) تستفيض في شرح كيف ان المسيحية وبعكس الإسلام هي ديانة تتأصل فيها المحبة.
مع كل الاحترام الذي أكنّه لأصدقائي من المسيحيين أقول لهم انني لا أتفق مع هذا الرأي.
يقلّب المحافظون نظرهم بامتعاض عندما تذكر لهم (الحروب الصليبية) ثم يقولون لك ان هذه مسألة قديمة، وستزعجهم الإشارة الى (المانوية)، ولكن الحروب الصليبية والمانوية يشكلان مراحل هامة جداً عند الحديث عن وجود خصائص متأصلة في الدين. البعض يقول ان ذلك كان انحرافاً عن المسيحية أو صدفة نادرة. لماذا اذن لا نتكلم، وبنفس المنطق، عن الفتوحات الإسلامية للشرق الأوسط؟ لا يمكن لأي شخص يريد مناقشة وجود عنف متأصل في الدين عن طريق تقديم شواهد وأمثلة أعقبت تلك المرحلة التاريخية ثم يطرح جانبا وفي نفس الوقت تاريخ العنف في المسيحية.
ما تزال الحروب الصليبية تثير مشاعر الألم في العالم الإسلامي لما نشرته من خراب وتدمير بين يهود أوروبا. لقد شق الصليبيون طريقهم نحو الجنوب الشرقي في غزوات متعددة صوب الأرض المقدسة، وخلال مرورهم ذبحوا اليهود باسم الايمان المسيحي ثم جاءت المحرقة قبل حوالي 70 عاماً في لهيب أشعلته أوروبا المتمدنة المسيحية.
وإذا اردتم التأكد من ذلك الاضطهاد الوحشي الذي عانى منه اتباع المانوية المسيحية بإمكانكم الرجوع الى (الموسوعة الكاثوليكية) حيث ستجدون مدى القسوة التي تعاملت بها الكنيسة الكاثوليكية مع المعتقدات الأخرى التي اختلفت الى هذا الحد او ذاك عن العقيدة الكاثوليكية.
بعد ان قام (مارتن لوثر) بإلصاق المخطوطة التي كتبها والمتضمنة لمواقفه التي سميت (بالقضايا الخمس والتسعون) واعتبرت دعوة الانطلاق التاريخي للبروتستانتية، ثم أدت الى نشوب سلسلة من الحروب بين المسيحيين تواصلت لمدة 100 عام، حيث سفكوا خلالها دماء بعضهم البعض بحجة ان كل طرف منهم يحمل رؤياه الصحيحة ليسوع المسيح. ان مثل هذا الاقتتال الدموي لا يقتصر على التاريخ القديم فقط، فالعنف بين البروتستانت والكاثوليك استمر داخل (ايرلندا) المسيحية حتى نهاية القرن العشرين.
“الإسلام المتطرف هو عدو المرأة، هو عدو (المثلي جنسياً)، وهو عدو الأمريكي” هكذا نطق (ترامب)، ثم أضاف: ” لن أسمح بان يتعرض المثليون والمسيحيون واليهود للاضطهاد والتهديد في أمريكا، من قبل الإسلاميين المتطرفين الذين يبشرون بالحقد والعنف.” ولعل النقطة التي أراد ان يوضحها (ترامب) هي ان الذين يتبعون الإسلام المتطرف (مهما كانت تعنيه هذه التسمية) لا يرتاحون لمن لا يشاطرهم معتقداتهم مما يدفعهم لاستخدام العنف ضدهم. قد يمثل الإسلام المتطرف كل هذه المساوئ، غير ان سجل المسيحية ليس أفضل منه.
يتبع ..

Social Links: