“يا من تجلسون في الظل وتكتبون على جدران النور”
بقلم: فاطمة سليمان محمد
في زمانٍ تُرسل فيه بعثاتُ الرحمة إلى أطهر بقاع الأرض، بأسماء ذوي الشهداء وذوي الاحتياجات، تنحني الروح احترامًا لفكرةٍ نبيلة، ويهمس القلب: “عسى أن تظلّ أبواب السماء مفتوحة لمن سُحقت أقدامهم على تراب الصبر.”
لكن، هل سأل أحدكم عمّن لا يملكون حتى ظلّ دعوة؟
هل رأيتم في زحمة الشاشات تلك العجوز التي تبيع كرامتها على قارعة الرصيف؟
هل سمعتم صمت الطفل الذي يختار بين الجوع والنوم؟
هنا، في الزوايا المظلمة من الوطن، تُولد الفلسفة من صرخة جائعة، وتُكتب القصيدة من دمعة رجل يبحث في القمامة عن بقايا الخبز، لا عن بقايا الكرامة، فالكرامة رحلت منذ زمن.
يا عرب، يا من تفاخرتم بأن الشهيد يشفع، هل فكرتم بمن مات حيًّا؟
من عاش الحرب ثم عاش بعدها موتًا آخر، أبكم، لا يحمل شهادة بطولة، ولا يُرفرف اسمه فوق علم، لكنه قاتل… قاتل الجوع، قاتل القهر، قاتل اللامبالاة التي صارت نظامًا عامًا!
نعم، الله موجود.
لكن بعض القلوب باتت غائبة.
تجار البيوت صاروا أكثر قسوة من تجار الدم، يشترون صمت الفقير بقرض، ويبيعونه وطنًا بحفنة تراب.
في كل حارة، هناك بيتٌ يشبه الوطن. وفي كل بيت، أمٌ تبكي وتبتسم كي لا ينهار أطفالها من الجوع.
وفي كل زاوية، رجلٌ فقد كل شيء إلا صوته الداخلي: “يا رب.”
الفقر ليس جريمة.
الجريمة أن نمرّ من أمامه دون أن نراه.
الجريمة أن نقيم احتفالات الذكرى دون أن نُحيي الميت حيًا.
الجريمة أن نُرسل البعض إلى الحج، ونترك الأرواح تموت في مساجد القهر اليومي، بلا باب، بلا سجاد، بلا روح.
يا أبناء الوطن العربي،
الكرامة ليست مناسبة سنوية،
والعدل ليس هدية حكومية،
والرأفة ليست امتيازًا سياسيًا.
إنها حقّ. نعم، حقّ.
فإلى متى نكتب للبطون الممتلئة وننسى الأرواح الفارغة؟
إلى متى نُزين الصور ونخفي الوجع خلف الجدران العالية؟
آن لنا أن نصرخ لا على الفقر، بل على الذين تعلموا كيف يتعايشون معه وكأنه طبيعي.
آن لنا أن نكتب لا لبطولة الشهيد فقط، بل لبطولة الذي لم يمت، لكنه عاش بطلاً بلا وسام.

Social Links: