زكي الدروبي
عضو المكتب السياسي
كان إعلان الرئيس الأمريكي عن رفع العقوبات مفاجئا لكل المراقبين، وأثار أسئلة عميقة: هل نحن أمام تحول استراتيجي أمريكي تجاه السلطة الجديدة في سوريا بقيادة الشرع (أبو محمد الجولاني سابقا)؟ أم أن ما يجري لا يتعدى كونه مناورة تكتيكية فرضتها ضرورات مؤقتة؟ لفهم هذا القرار لابد من قراءته في سياقه السياسي العريض، والبحث في دوافع واشنطن وحسابات الحلفاء والمطالب التي طرحت للمقايضة.
المصالح أولاً:
لم يكن التدخل الأمريكي في سوريا منذ البداية بغرض تغيير النظام أو فرض الديمقراطية، وتجربة العراق خير شاهد. بل كانت العقوبات أداة ضغط لتنفيذ مصالح أمريكية تصب كثير منها في خانة حفظ أمن إسرائيل. بدأت هذه السياسة عام 1976 بسبب الوصاية السورية على لبنان، ثم بعام 1979 وضعت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب لدعمها لمنظمات فلسطينية متهمة بالإرهاب، مرورا بقانون محاسبة سوريا، وصولًا إلى قانون قيصر الذي هدف لحماية المدنيين، وبنفس الوقت للضغط على حلفاء النظام السوري ودفعه للانخراط في المسار السياسي والابتعاد عن إيران وروسيا، وضمان أمن إسرائيل.
على الرغم من عدم إعلان واشنطن دعمها الصريح للسلطة الجديدة في بداية وصولها، إلا أن قرار رفع العقوبات عن سوريا، ثم اللقاء المباشر الذي حصل بين ترامب والشرع، بعث برسالة واضحة: نحن جاهزون لتعديل مسار سياستنا بالكامل، والتعامل معكم كواقع جديد على الأرض، مقابل التزامكم بشروط اللعبة. الشرط الأمريكي الواضح والصريح هو التطبيع مع إسرائيل. بقية الشروط معروفة سابقا، كالقضاء على الجهاديين، ومنع داعش من العودة، وإراحة الولايات المتحدة من عبء مراكز احتجاز داعش، ومنع إيران من استغلال الفوضى في سوريا بعد سقوط نظام الأسد والعودة إليها، وترحيل المنظمات الفلسطينية “الإرهابية” من سوريا. هذا التغيير في السياسة الأمريكية، يشير إلى الرغبة الأمريكية في تحقيق مصالحها العليا، وحلفائها بغض النظر عمن يسكن قصر الشعب في دمشق.
الشرع بين السلطة والخوف:
يجد الشرع نفسه اليوم بين خيارين أحلاهما مر: البقاء على نهجه السلفي واستمرار تصنيفه كمنظمة إرهابية ومواجهة العزلة، وربما التصفية الجسدية لاحقا، كما حصل مع قادة سبقوه، أو الانفتاح على مطالب الغرب وتلبيتها، مما سيفقده شرعيته في الداخل.
يرى الكثير من المراقبين لتاريخه وسيرته بأنه يتبنى النفعية المصلحية محاولًا الحفاظ على ما وصل إليه، دون الاصطدام بحاضنته الداخلية. لهذا، سيلبي المطالب بهدوء وتدريج دون صخب إعلامي.
على صعيد العلاقة مع إسرائيل، وجه الشرع منذ وصوله إلى دمشق عدة رسائل تطمينية لها، وكذلك فعل عديله ماهر مروان، محافظ دمشق. كما تناقلت الصحف أيضا عن لقاء جمع شخصيات من إدارته مع الإسرائيليين بوساطة إماراتية، ثم أكد الشرع نفسه وجود مفاوضات مع إسرائيل عبر وسطاء. بالتوازي يعمل جيشه الإلكتروني على السوشيال ميديا لتمهيد اتفاق سلام قادم، مقنعا الناس بضعف الدولة وعدم قدرتها على التصدي لإسرائيل، وأن البناء الداخلي أولى، ويربط بين النظام الأسدي المجرم وشعارات مقاومة إسرائيل، وبين الواقع المأساوي للشعب، مستغلا كره الناس لفكرة المقاومة الناجم عن كرههم للنظام الذي تاجر بهذا الشعار، وبهذا يمهد للعلاقة مع إسرائيل والتطبيع معها كضرورة ملحة لإنقاذ البلد، وفي نفس الوقت يفاوض إسرائيل سرا للبقاء بالسلطة.
أما بخصوص ملف المهاجرين، وتفكيك التنظيمات الجهادية، فقد عمل الجولاني (الشرع حاليا) على هذا الأمر لسنوات، مقدما نفسه كقائد محلي لا كأمير جهادي، فأعلن فك ارتباطه مع القاعدة منذ 2016، وتم تصفية واعتقال كبار الجهاديين في منطقة نفوذه من قبل قوات التحالف، وقام هو بإنهاء آخرين. بعد إعلان رفع العقوبات، خرجت أخبار عن اعتقال الأمن العام لجهاديين عرب في إدلب، ما يشير إلى استعداد للتجاوب مع الطلبات الأمنية الغربية، دون تبني خطاب عدائي صريح تجاه التيارات السلفية. تبدو الاستراتيجية التي يتبعها الشرع حتى الآن وكأنها “احتيال”، حيث يعمل على تنفيذ المطلوب دون التصريح به، وبهذا يحقق التوازن بين البقاء في الحكم وتلبية الشروط الدولية، بحدود لا تنسف شرعيته أمام جمهوره.
السعودية: مهندس الاتفاقات واللاعب الرئيسي:
منذ لحظة إعلان ترامب أن قراره برفع العقوبات عن سوريا، أتى بطلب من الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، بات واضحا أن السعودية تلعب دورا محوريا في تشكيل ملامح المرحلة المقبلة بسوريا، فالعلاقة الشخصية المتميزة بين الأمير محمد وترامب، والدور الذي تلعبه المملكة في ملفات حيوية لواشنطن، مثل تحجيم الدور الإيراني، والتمويل الضخم الذي تقدمه المملكة لدعم الاقتصاد الأمريكي، وملف النفط وأسعاره، وملف العلاقة مع الصين وروسيا وإبعادهما عن الشرق الأوسط، وملف التطبيع العربي مع إسرائيل، كلها عناصر تجعل الطلب السعودي ذا وزن لدى ترامب.
هذه الخطوة أتت كاستجابة إنسانية وتعاطفا مع معاناة الشعب السوري، وعكست أيضا تقاطعا دقيقا بين المصالح السعودية والأمريكية في ملفات تتجاوز الحدود السورية. يمكن النظر للدوافع الاستراتيجية للحراك السعودي على رقعة الشطرنج السورية بأنه يسعى لقطع الطريق نهائيا أمام احتمال عودة النفوذ الإيراني، وضمان ألا يتحول الفراغ إلى فوضى أمنية. كما يهدف المسعى السعودي لإيقاف سيل الكبتاغون والمخدرات الذي كان يرعاه الأسد، والذي شكل تهديدا كبيرا لأمن المملكة القومي، والحد من موجات اللجوء التي قد تنجم عن فوضى انتقال السلطة، وضمان استقرار الحدود وعودة اللاجئين. وأخيرا، يهدف لخلق سلطة جديدة بدمشق غير معادية للعرب، يمكن إدماجها تدريجيا في الترتيبات الإقليمية، وضمان احتواء النفوذ التركي، أو على الأقل المشاركة في هندسة مرحلة ما بعد الأسد. في المقابل، تجد أمريكا في الدور السعودي فرصة لتخفيف أعباء الانخراط المباشر في الملف السوري، وتسليم حلفائها العرب زمام المبادرة ضمن خارطة النفوذ الجديدة.
تحديات إقليمية:
هذا التنسيق الناشئ لا يخلو من التحديات. إسرائيل، على سبيل المثال، أعلنت تحفظها على رفع العقوبات، وطلب نتنياهو من ترامب عدم رفعها محذرا من تقوية النظام السوري الجديد. كذلك، من المتوقع أن تعارض كل من إيران وروسيا أي محاولة لإخراجهما من المعادلة السورية دون ثمن، مما قد يفتح جبهة تجاذب جيوسياسي في مناطق النفوذ. من جهة أخرى، قد تخرج تساؤلات سياسية وقانونية من الداخل الأمريكي، خصوصا مع استمرار تصنيف القادة الجدد في سوريا على قوائم الإرهاب، مما يخلق تناقضا بين المواقف الرسمية والتطورات الميدانية.
يمكن القول بأن ما يجري هو ملامح لبداية اصطفاف جديد، لازال في طور التشكيل، ولا يملك خارطة طريق واضحة. قد يتطور في المستقبل ليصبح تحالفا أوسع، ورغم أن المعركة على سوريا لم تحسم بشكل نهائي، إلا أن ملامح من سيكتب سيناريو النهاية بدأت بالظهور.
Social Links: