خطر المقاتلون الاجانب

خطر المقاتلون الاجانب

وليم ابستروم

🔴 مع انهيار نظام بشار الأسد وصعود سلطة انتقالية جديدة، تجد سوريا نفسها أمام تركة ثقيلة من الملفات الأمنية والسياسية المعقّدة، أبرزها ملف المقاتلين الأجانب الجهاديين، الذين شاركوا بشكل نشط في قتال النظام السابق ضمن تشكيلات مثل “جبهة النصرة”، “الحزب الإسلامي التركستاني”، وغيرها.

من بين الحلول المطروحة مؤخرًا – وبدعم أمريكي مشروط – تقف خطة دمج هؤلاء المقاتلين في مؤسسة الجيش الوطني السوري، كوسيلة للسيطرة عليهم ومنع تجدد العنف، وهي خطوة أثارت موجة من الجدل والقلق في الأوساط الإقليمية والدولية.

🔴 أولًا: القراءة القانونية – هل يجوز دمج متطرفين سابقين في الجيش؟
من منظور القانون الدولي، خاصة اتفاقيات جنيف، تُعتبر القوات المسلحة التابعة لأي حكومة مطالبة بالالتزام بمبادئ الحياد والالتزام بالقانون الإنساني الدولي.
دمج مقاتلين يحملون سوابق في الانضمام إلى جماعات مصنّفة إرهابية دوليًا، دون محاكمات شفافة أو إعادة تأهيل موثقة، يُعد خرقًا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب.

⚫وفق تقارير Reuters، عبّرت دول أوروبية عن قلقها من أن هذه الخطة:

“تُسهم في شرعنة عناصر شاركت في جرائم وانتهاكات جسيمة ضد المدنيين خلال سنوات الحرب.”

🔴 ثانيًا: البعد السياسي – ما الذي يدفع دمشق وواشنطن لدعم الخطة؟

الدوافع السورية:
تسعى القيادة الجديدة إلى احتواء آلاف المقاتلين الأجانب الذين لا يمكن إعادتهم لدولهم، ولا يمكن تصفيتهم دون مساءلة دولية.
هؤلاء المقاتلون يُشكلون قوة مقاتلة منظّمة، مدرّبة، ومنضبطة نسبيًا، وقد استخدموا فعليًا في المعارك ضد بقايا النظام وتنظيم داعش.

⚫ الموقف الأمريكي:
بحسب Reuters، وافقت واشنطن على الخطة بعد اجتماع في الرياض، بشروط تشمل:
استبعاد من لهم صلات مباشرة بـ”القاعدة” أو “حراس الدين”.
إشراف استخباراتي على مراحل التنفيذ.
لكن التقرير نفسه يُبرز انقسامًا داخل الإدارة الأمريكية، حيث عبّر مسؤولون في الخارجية والبنتاغون عن تحفّظات استراتيجية.

وتنقل رويترز عن مذكرة استخباراتية أمريكية:

“دمج العناصر الجهادية السابقة في القوات المسلحة السورية قد ينجح على المدى القصير، لكنه يشكّل خطرًا استراتيجيًا طويل المدى في حال غياب السيطرة الفعلية على العقيدة العسكرية داخل الجيش.”

🔴 ثالثًا: المخاطر الجوهرية – نقاط ضعف الخطة

1.خطر الاختراق الداخلي:
دمج عناصر بعقيدة “عابرة للحدود” في مؤسسة سيادية قد يؤدي إلى انقسامات داخل الجيش، خاصة إذا ما برزت ولاءات دينية أو تنظيمية بديلة.

2.ضعف آليات التحقق والمساءلة:
لا يوجد حتى الآن نظام شفاف للتحقيق مع هؤلاء المقاتلين أو غربلتهم وفق معايير قانونية وأمنية، ما قد يسمح بإفلات مرتكبي الانتهاكات من المحاسبة.

3.سابقة خطرة إقليميًا:
تُعيد الخطة إلى الأذهان تجربة “الصحوات” في العراق، حيث استُخدمت ميليشيات سنية لمحاربة القاعدة، لكنها لاحقًا تحولت إلى بذور لتمردات جديدة، أبرزها تنظيم داعش.

4.ردة فعل اجتماعية داخلية:
دمج مقاتلين أجانب – خصوصًا في المناطق التي ارتكبوا فيها تجاوزات – قد يؤدي إلى نقمة شعبية وفقدان الثقة بالجيش الجديد، مما يضعف شرعيته.

🔴المقاتلون الجهاديون: لماذا يُعتبر الأجانب أخطر من السوريين؟

في خضم الثورة السورية، تقاتل الآلاف من المقاتلين، بعضهم سوريون اندفعوا إلى السلاح بدافع الغضب من الاستبداد، وآخرون قدموا من الخارج بعقيدة دينية صارمة. ومع سقوط النظام، تبرز الحاجة لتفكيك هذا الملف الخطير، خاصة عند التمييز بين المقاتلين السوريين والمقاتلين الأجانب، رغم أنهم قاتلوا في صف واحد ضد الأسد.

لكن التشابه في الجبهة لا يعني التشابه في الهدف أو الخطر. فما الذي يميز كل طرف؟ ولماذا يُنظر إلى الأجانب على أنهم أشد تهديدًا لمستقبل سوريا؟

🔴الدافع والعقيدة: من يقاتل لأجل ماذا؟

⭕ المقاتل السوري، في غالبه، دخل ساحة القتال بدافع الانتماء الوطني، أو كردّة فعل على الظلم والقمع والقتل الجماعي. كان يقاتل ليرى قريته حرة، أو للانتقام لأخيه المعتقل، أو للمشاركة في “ثورة شعب”. عقيدته – حتى لو تأثرت بالخطاب الديني – بقيت محلية وظرفية.

⭕ في المقابل، جاء المقاتل الأجنبي إلى سوريا بدافع “عقائدي صلب”، يرى في الأرض ساحة جهاد لا علاقة لها بالمجتمع أو الدولة. قاتل تحت راية “الخلافة” أو “الراية البيضاء”، ولم يكن يعنيه سقوط النظام بقدر ما يعنيه قيام مشروع أممي بديل، يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة.

🔴 الانتماء للمجتمع: من له جذور… ومن عابر؟

⭕ السوري المقاتل، مهما ابتعد، يبقى ابن بيئة اجتماعية محلية. له عائلة، قرية، هوية طائفية أو مناطقية، ويمكن مخاطبته عبر وسطاء محليين، أو إخضاعه لقانون، أو حتى جذبه لمشاريع إعادة تأهيل.

⭕ بينما الأجنبي لا جذور له. يعيش في مناطق خارجة عن القانون، لا يعرف المجتمع السوري، ولا يعترف به أصلًا. انخراطه في العنف أكثر حدة، لأنه غير مرتبط بأي شعور بالخسارة الاجتماعية. وإن فشل مشروعه، ينتقل ببساطة إلى “أرض جهاد” جديدة.

🔴 التهديد الأمني الحقيقي: من يربط الداخل بالخارج؟

⭕ السوري – حتى وإن تورط في التطرف – غالبًا ما يبقى ضمن دائرة التأثير المحلي. يمكن تتبعه، مراقبته، محاكمته، أو حتى كسبه مجددًا.

⭕ أما الأجنبي، فهو مرتبط غالبًا بشبكات دولية: القاعدة، الحزب التركستاني، داعش، وغيرها. يحمل تدريبًا متقدمًا، وفكرًا توسعيًا، ويُمكن أن يُجنّد آخرين، أو ينسّق لهجمات عابرة للحدود. وجوده بحد ذاته خرق للسيادة، وتهديد للاستقرار الإقليمي.

🔴 من يعالج محلّيًا… ومن يُصبح ملفًا دوليًا؟

يمكن للدولة السورية – بغض النظر من يقودها – أن تُخضع المقاتلين المحليين للقانون، أو برامج المصالحة، أو المحاسبة الانتقائية، وفق مقتضيات العدالة الانتقالية. لكن الأجنبي هو ملف دولي معقّد، يتطلب تعاونًا دبلوماسيًا، وضغوطًا على حكوماته الأصلية، ورقابة صارمة حتى لا يتحول إلى خلية نائمة جديدة.

المجتمع الدولي نفسه يُفرّق بين الحالتين: السوري يعالج محليًا، أما الأجنبي، فهو محل اهتمام أمني واستخباراتي عالمي.

  • Social Links:

Leave a Reply