لماذا مكتوب علينا كسوريين اتباع تجارب فاشلة

لماذا مكتوب علينا كسوريين اتباع تجارب فاشلة

المهندس سامر كعكرلي
سكرتير المكتب السياسي في
حزب اليسار الديمقراطي السوري

لا يختلف اثنان عاقلان بأن المُّهجرين في سوريا والذين يسكنون في المخيمات في ظروف الحر الشديد والبرودة القارسة لهم كل الحق بالعودة إلى مدنهم وبلداتهم وقراهم بعد إعادة إعمارها من التدمير الذي سببه نظام الأسد المخلوع. كما لا يختلف اثنان عاقلان بأن التدمير الممنهج الذي مارسه نظام الأسد منذ عام 1970 فاق كل التصورات التي يمكن أن يتخيلها العقل. فالخراب في سوريا طال كل شيئ من تشريعات إلى قوانين إلى الأخلاق إلى مؤسسات الدولة …الخ. وأمام تلك الحقائق وبعد أن استطاع الشعب السوري الانتصار على نظام الاستبداد المخلوع وبدء الحديث عن تخريب ما دمره نظام الأسد، يبرز مصطلحين هامين هما “التعافي المُبكر لسوريا” ومصطلح “إعادة الإعمار” وبدأ السؤال بأي منهم يجب على سوريا أن تبدأ وهل يمكن دمج المسارين مسار التعافي المُّبكر ومسار إعادة الإعمار.
للإجابة على ذلك لا بد لنا من أن نُّعرف كل مصطلح وما هي متطلبات تحقيقه، ويجب أن ندرس تجارب الدول التي مرت بظروف مشابهة لظروف سوريا.
ولنبدأ بتعريف مصطلح التعافي المُّبكر: فهو استعادة الحياة الاقتصادية والمؤسساتية والتشريعية الأساسية عبر تدخلات سريعة تستهدف الخدمات العامة، وخلق فرص العمل، وتشغيل البنية التحتية الحيوية كالماء والكهرباء والمواصلات والاتصالات.
أما مصطلح إعادة الإعمار فهو عملية إعادة تهدف إلى إعادة إعمار ما تهدم من قرى وبلدات ومدن وتجهيز المنازل اللائقة لاستقبال عودة اللاجئين سواء في المخيمات أم في دول اللجوء المجاورة (لبنان – تركيا – الأردن) عودة كريمة تتناسب مع حجم المعاناة التي تعرضوا لها خلال سنوات الثورة التي امتد لأربعة عشر عام.
من التعريفين نفهم بأن التعافي المُّبكر يستهدف بالدرجة الأولى الاقتصاد وملحقاته من تشريعات وبنى تحتية ومنظومة قانونية ومنظومة تعليمية، أما إعادة الإعمار فهو يستهدف بالدرجة الأولى قطاع الإسكان.
بعد أن تم تعريف المصطلحين نأتي لمتطلبات كل مسار، فمسار التعافي المُّبكر يحتاج لاتخاذ إجراءات مستعجلة واسعافية تتعلق بمنظومة التشريعات القوانين التي فرضها نظام الأسد ولا سيما تلك الجائرة منها، وحلول إسعافية لمنظومة التعليم ولمنظومة الصحة وللبنى التحتية وأهمها الكهرباء ودعم المشاريع المتوسطة والصغيرة وتسهيل إجراءاتها وإمكانية تمويلها أو تمويل جزء من رأسمالها مما يساهم في تحقيق استقرار معيشي نسبي للسوريين وتخفيف أعباء البطالة. وبالطبع يأتي على رأس مسار التعافي المُّبكر قضية العدالة الانتقالية والسلم الأهلي والتي تعزز الثقة ما بين الحكومة الانتقالية والمواطن السوري. أما مسار إعادة الأعمار فيتطلب وضع مخططات لنهضة عمرانية للقرى والبلدات والمدن التي تم تدميرها ليحل محلها مدن عصرية تحترم وتراعي حاجات المواطن الذي سيسكن بها والذي دفع من مستقبله ومستقبل أولاده الكثير لينال ما يستحقه كإنسان أولاً وكمواطن ثانياً، فليس من المعقول أن يكون إعادة إعمار ما دمره نظام الأسد المخلوع بنفس العقلية السابقة أي عبارة عن سكن عشوائي لا يرعي حتى أبسط مقومات الكرامة فعلى سبيل المثال فإن أحياء مثل التضامن ومخيمي فلسطين واليرموك والقدم وجوبر والقابون وغيرها من المناطق بدمشق والتي نالها التدمير كانت عبارة عن تجمعات سكنية عشوائية بنيت في زمان الأسد الأب والأبن بشكل غير مُّنظم وكل بناء من أبنية تلك المناطق كان يتصف بصفات تتناسب مع حجم الرشوة التي كان يقدمها أصحاب هذا البناء للبلدية لينال ترخيص طابق إضافي أو للسماح له بإنشاء متاجر أو للتعدي على أملاك الدولة والعديد من المخالفات، ومع الازدياد السكاني واستمرار الحياة وتناقل الملكيات بواسطة الإرث بين الآباء والأبناء تحولت تلك المناطق للوحات سكنية مشوهة اتسمت بالفقر والجهل وأصبحت بؤرة فساد من تهريب وتوزيع مخدرات طبعاً بالإضافة لكون تلك المناطق مناطق ضغط على الخدمات مثل الكهرباء والصرف الصحي والمياه لأنه تم البناء بالأساس بطرق غير منظمة. تلك المظاهر في سوريا القادمة يجب أن تختفي من حياة السوريين فكل المناطق يجب أن تكون على قدم المساواة من ناحية الخدمات التي تقدم للمواطنين وبالطبع هذا يحتاج لمخططات لمدن حديثة منظمة، وهذه المدن العصرية لا يمكن إنشائها إلا بواسطة شركات عمرانية ضخمة تدخل لأي منطقة منكوبة وتبدأ أولا بإزالة الأنقاض وثم تضع مخططات ورسومات وتبدأ التنفيذ.
وبعد الإطلاع على متطلبات كلا المسارين مسار التعافي المُّبكر ومسار إعادة الإعمار يتضح بشكل جِّلي بأن مسار التعافي المُّبكر لا يحتاج سوى بقليل من الأموال للبدء فيه لأن إلغاء قانون واستبداله بقانون أخر لا يكلف مالاً، ووضع خطط للنهوض بمختلف القطاعات والبدء بتنفيذها يحتاج قبل المال الإرادة والخبرات وكلاهما يتوفران بكثرة في سوريا، أما مسار إعادة الإعمار فإنه يتطلب الأموال الضخمة التي ستكون في الغالب على شكل قروض أو منح أو بأحسن الأحوال الارتهان لشركات تمويل عقارية سواء محلية أم إقليمية أو حتى دولية. ويمكن أن يضاف بأن كافة تجارب الدول التي مر عليها ظروف مشابهة لظروف سوريا تؤكد حقيقة أن البدء بمسار التعافي المُّبكر قبل مسار إعادة الإعمار هو الأجدى على المدى الطويل فمثلا في لبنان بعد حرب أهليه استمرت لخمسة عشر عاماً وبعد اتفاق الطائف الذي وضع حداً لتلك الحرب بدأت حكومات لبنان بمسار إعادة الإعمار من خلال مجلس الإنماء والإعمار الذي تلقى مليارات الدول كمساعدات من عدة دول وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي، أيضا في العراق فإنه بعد سقوط صدام حسين وبعد الحرب الأمريكية تشكلت عدة برامج لإعادة الأعمار مثل برنامج إعادة إعمار العراق برأسمال تجاوز ثمانية عشر مليار دولار أمريكي ومن ثم تم إنشاء هيئة إعادة الإعمار العراقية (IRDC )، لكن للأسف في كلا البلدين لبنان والعراق ذهبت الأموال المُخصصة لإعادة الإعمار أدراج الرياح بسبب الفساد وعدم وضع آليات رقابة شفافة ونزيهة وبسبب عدم تحديث المنظومة القضائية والقانونية وعدم اتباع قواعد الحكم الرشيد. بينما هناك تجارب لدول اعتمدت مسار التعافي المُّبكر قبل البدء بمسار إعادة الأعمار مثل البوسنة الهرسك وراوندا فالبوسنة والهرسك بعد اتفاق “دايتون” الذي أوقف الحرب وضع الاتحاد الأوربي كل إمكانياته للتعافي المُّبكر قبل البدء بأي عملية إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وفي راوندا وبعد اتفاق “أروشا للسلام” الذي وضع حد للحرب الأهلية وضعت راوندا صوب أعينها على مسار التعافي المًبكر حيث ركز “بول كاغامي” الرئيس الرواندي على سياسات إصلاح صارمة كانت نتيجتها أن تحولت راوندا في خلال عشر سنوات لأكثر دولة إفريقية نمواً وطبعاً وضع بول كاغامي بأول حساباته العدالة الانتقالية ((أي لم يقل لمجرمي الحرب: اذهبوا وأنتم طلقاء لأنه يعرف بأن النهوض من الكارثة تستوجب مساءلة المسؤولين عن تلك الكارثة)).
الآن ونحن السوريين الذين خرجوا من حرب دامية استمرت أربعة عشر عاماً، إضافة لخمسين سنة من الاستبداد والقمع والتخريب المُمنهج الذي اتبعه نظامي الأسد، ونحن نرى تجربتين أمامنا تجربة لبنان والعراق التي اعتمدت مساء إعادة الإعمار قبل مسار التعافي المُّبكر ونرى نتائج ذلك مزيداً من الفقر والانهيار والفساد، ونرى تجربة البوسنة والهرسك وراوندا التي حولت تلك البلدان لدول تحظى بنسب نمو جيدة نسبياً يبقى السؤال مشروعاً لنا وهو لماذا تصر الحكومة الانتقالية برئاسة السيد أحمد الشرع وفريقة البدء بمسار إعادة الإعمار قبل البدء بمسار التعافي المُّبكر؟ ولا سيما ونحن نرى ونسمع بأن كافة زيارات مسؤولي تلك الحكومة الانتقالية ومطالباتها برفع العقوبات الاقتصادية يكون الحديث فقط عن إعادة الإعمار وضرورة بناء المنازل والمساكن في المدن التي دمرها نظام الأسد دون ذكر أي شيئ عن قضية التعافي المُّبكر؟
برأي (وهو رأي شخصي) بأن لذلك سببان: الأول أن غنيمة مسار إعادة الإعمار أدسم من الناحية المالية وبالتالي ربما تكون غنائمه لبعض أفراد حكومة أحمد الشرع أكثر ولا سيما وأنهم يدركون بأنهم في مرحلة انتقالية قد تنتهي باي فترة. والسبب الثاني: (هو الأهم برأيي) أن مسار التعافي المُّبكر يحتاج للاستعانة برجال سوريا في العديد من المجالات وعلى رأسهم القانونيين والاقتصاديين وذوات الخبرات الفنية والعلمية والأكاديمية الذين هاجروا خارج سوريا لرغبتهم بعدم الوقوف مع قتلة شعبهم السوري، وهذه الاستعانة على ما يبدوا بأن الحكومة الانتقالية برئاسة السيد أحمد الشرع غير واردة أيضاً لسببين الأول بأن حكومة السيد أحمد الشرع الانتقالية غير راغبة بمشاركة أي أحد من خارج فلكها على مبدأ (من حرر يحكُم) الذي أطلقوه عشية سقوط نظام الأسد، والثاني بأنهم أنفسهم رجال القانون والفكر والاقتصاد والكفاءات العلمية والإدارية الذين رفضوا استبداد نظام الأسد لن يعودوا في حال عدم رؤيتهم لبذور الدولة التي حلموا بها عند تأييدهم لثورة السوريين بأن تكون سوريا دولة الحرية والعدالة والديمقراطية دولة المواطنة والقانون والمؤسسات، وهذا ما يبدو بأن حكومة السيد أحمد الشرع الانتقالية غير مستعدة لتحقيقه، ويضاف إلى ذلك بأن حكومة السيد أحمد الشرع مُقتنعة بأن تجربة إدلب خلال حكومة الإنقاذ تجربة ناجحة مع العلم بأن تجربة إدلب لم نرَّ فيها سوى المولات والسوبر ماركات دون إي تعديلات تشريعية تؤسس لحكم رشيد.
في الخلاصة لا بد لنا أن نعلم بأن تغيير وزير أم مدير عام أو حتى رئيس قسم وضعهم نظام الأسد في أي وزارة أو مؤسسة بشخص أخر وضعته حكومة السيد أحمد الشرع ليس كافياً ما دام العمل على نفس المنهج وعلى نفس التشريعات والقوانين التي كان دائما ما يحرص نظام الأسد ومشرعيه أن يضعوا بتلك القوانين والتشريعات بعض الثغرات التي يمكن الولوج لعالم الفساد من خلالها. ما يريده السوريين الذين دفعوا أربعة عشر عامً من الحرب التي أدت بحياة أولادهم وأحبابهم أن يروا سوريا على غرار راوندا دولة مؤسسات ودولة مواطنة وهدالة وليس كما نراها اليوم في ظل الحكومة الانتقالية دولة محسوبيات جديدة. وهذا لن يتحقق دون إرساء قواعد الديمقراطية التي ما زال بعض الحاكمين الجدد يرونها كفراً.

  • Social Links:

Leave a Reply