هاشم رفعت هشوم
في عالم يتجه بسرعة نحو مزيد من التدهور الأخلاقي واللامساواة، تُطرح تساؤلات جادة حول مدى كفاءة النظم السائدة — سواء الدينية أو الرأسمالية — في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية البشرية. لقد أصبح من الواضح أن هذه المنظومات، بدلاً من أن ترفع من قيمة الإنسان، باتت تسهم في تكبيله، وإفراغه من إنسانيته، وتحويله إلى مجرد ترس في آلة اقتصادية أو أداة في يد سلطة دينية أو سياسية.
أزمة الواقع: الرأسمالية والدين كمصادر للعبودية الحديثة
في المجتمعات الرأسمالية، يُختزل الإنسان إلى “موظف” أو “عامل” أو “باحث” لا يملك من أمره شيئاً. يُستهلك عمره في خدمة شركات أو مؤسسات تجني الأرباح بينما لا يُمنح هو إلا الفتات. أما في المجتمعات المتدينة، فكثيراً ما يُوظف الدين كأداة سيطرة لا كمنارة تحرر، إذ يُستخدم لفرض الطاعة والخضوع والتبرير الأخلاقي للفقر والتفاوت الطبقي.
المأساة تكمن في أن كليهما — الدين والرأسمالية — لا يعملان على ترقية الإنسان نحو حريته، بل يعيدان إنتاجه ككائن مستلب، مملوك، تابع، يُستغل أكثر مما يُنصف. إنه إنسان فقد ذاته بين معادلات السوق ومصطلحات القداسة، ولم يعد يملك من حريته شيئاً.
أين نحن من العدالة الاجتماعية؟
العدالة الاجتماعية لم تعد ترفاً فكرياً أو طرحاً طوباوياً. إنها حاجة إنسانية أساسية. لا يمكن بناء مجتمع متوازن دون أن يشعر الإنسان بأنه متساوٍ مع غيره، محترم، مشارك، ومحرر من سلطة الإكراه الاقتصادي والديني.
لكن المعضلة أننا نعيش في عالم يتحالف فيه المال مع السلطة، وتُستخدم فيه الأديان كأدوات دعم للنظام الرأسمالي المتوحش أو حتى للمنظمات الإرهابية المتطرفة، تحت مسميات دينية — إسلامية، مسيحية، أو يهودية — دون أن تُراجع الأسس الإنسانية لهذا الفعل.
الاشتراكية والشعور: طريق الإنسان نحو التحرر
ما نحن بحاجة إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى، هو منظومة فكرية وتنظيمية تجعل من “الإنسان” محورها الأساسي، وتحرّره من الاستغلال بكل أشكاله. الاشتراكية — بمفاهيمها الأصيلة لا النماذج المنحرفة التي عرفها التاريخ — تقدم رؤية تسعى لتوزيع الثروة بعدالة، ولإعادة الاعتبار للعمل المنتج، ولضمان أن يعيش الإنسان بكرامة.
الاشتراكية ليست مجرد نظام اقتصادي، بل هي دعوة للشعور بالآخر، لبناء مجتمع يحترم الضعفاء، ويفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في الثروة والقرار. هي فلسفة إنسانية تهدف إلى تحرير الإنسان من القيود المفروضة عليه — سواء كانت دينية أو مادية أو فكرية.
نحو إنسان فضيل: مسؤولية فردية وجماعية
المطلوب اليوم هو “إنسان فضيل” — أي إنسان واعٍ، حُر، نزيه، لديه شعور تجاه مجتمعه، ويعمل على رقيه لا على خدمته لمصالح سلطات أو شركات. هذا الإنسان يجب أن ينشأ في بيئة تحرره لا تستعبده، وتزرع فيه القيم لا الخوف، وتمنحه القدرة على الإنتاج لا مجرد الاستهلاك.
خاتمة: دعوة إلى مراجعة جذرية
العالم بحاجة إلى مراجعة عميقة لمنظوماته، وبحاجة إلى مشروع إنساني اشتراكي جديد، لا يقدّس الأصنام الدينية أو السوقية، بل يُعلي من قيمة الإنسان وحريته وكرامته. وحدها الاشتراكية — القائمة على الشعور، والمساواة، والعدالة — يمكن أن تخلق هذا العالم المنشود.
✍

Social Links: