حين تصرخ الأرصفة بصوتٍ خافت…

حين تصرخ الأرصفة بصوتٍ خافت…

بقلمي .أ. فاطمة سليمان محمد
الجمهوريه العربيه السورية

إلى معالي وزير الثقافة الدكتور محمد ياسين صالح،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

لا أكتب إليكم من باب السياسة، بل من باب الوجع…
وجعٌ لم يعد نائمًا، بل يصحو كل صباح على صراخ الفقر،
وصوت شبابٍ تائهٍ، لا يعرف من الحياة إلا الأبواب المغلقة.
فرص العمل قليلة، قليلة جدًا،
حتى الشهادة صارت لا تفتح رزقًا،
والحرفُ صار لا يطعم،
والكرامة أصبحت بحاجة إلى وظيفة ثانية!
شبابنا كبر قبل أوانه…
تحت الضغط، تحت الخيبة، تحت وطنٍ لا يُنكرهم لكنه لا يحتضنهم كما يجب.
تائهون في وطنهم، يبحثون عن مكان، عن دور، عن معنى…
ولم يجدوا سوى الغربة التي تلوّح لهم كأنها النجاة الأخيرة.
وفي هذه الأيام، لم أعد أكتب وحدي…
كل ساعةٍ تقريبًا، هاتفٌ يرنّ، ورسالة تصل:
اكتبي عنّا…
أصواتٌ كثيرة تلتمس منّي الكلمة، لا لشيء، سوى أن تصل صرخاتهم بهدوء…
فهل من يُصغي؟
يقول لي أحدهم:
اكتبي عن الجائع…
عن الطفل الذي يعمل بدل أن يتعلّم…
عن الشباب الذي يفكّر بالهجرة الثانية، بعدما عاد وظنّ أن الوطن سيعانقه… فاكتشف أن الانتظار في طوابير الخبز أقسى من المطارات.
أتذكّر أني، وأنا طفلة، كنت أتابع برنامج أطفال اسمه لبيبة،
كانت لبيبة شخصية تخرج من شاشة كمبيوتر حساس،
تشرح لنا بعذوبة وبراءة عن البيئة والحياة والعلم،
وتعلّمنا كيف نراقب العالم من حولنا ونفهمه،
كنا نحلم أن يصبح هذا الكمبيوتر الحساس في كل بيت،
ليكون لنا نافذة على المعرفة، ومفتاحًا لأبواب المستقبل.
مرت أربعون سنة،
وما زال كثير من البيوت لا تعرف الكمبيوتر إلا كجهاز ترف، لا كأداة معرفة.
أليست هذه مأساة صامتة؟
أين الحسّ الثقافي في وطننا إن لم يبدأ من البيت، من الطفل، من الحق في التعلّم، من شاشة مضيئة بدل شمعة ذابلة؟
ولماذا لا تعود حلقات المساجد منابر تعليم وتربية؟
لماذا لا نُقيم دورات صيفية حقيقية مجانية تُنير عقول الصغار؟
لماذا لا نُخصّص رواتب بسيطة للطلاب تشجعهم على البقاء في المدرسة بدل الهرب إلى السوق؟
أما الوجع الأكبر…
فهو أن ترى طفلًا في الشارع يشمّ شعلة،
كأنها مخدر… لكنها أرخص من المخدرات!
شمّة واحدة تُسكته عن الجوع، تُغيب وعيه لساعة…
ثم يعود… لا لطفولته، بل لأرصفة الصمت.
وفي زوايا الطريق، يمرّ الغريب مزهوًّا بجمال البلاد…
ينظر إلى الحجارة، فيراها تاريخًا،
وإلى الشمس، فيراها دفئًا،
ولا يلتفت خلفه…
هناك أقدامٌ صغيرة تسير دون صوت،
وعيونٌ تتعلّق بحقيبةٍ قد تسقط منها تفاحة،
لا لأنهم جياعٌ فقط،
بل لأن الطفولة تعلّمت أن تلعب على أرصفة النسيان…
الغريب يعود بصورة…
والأطفال يبقون في إطار الغياب.

يا معالي الوزير،
الثقافة لا تُقاس بعدد الكتب في المعرض، بل بعدد العقول التي أنقذناها من الضياع.
ولا تُقاس بعدد الأمسيات، بل بعدد الأيادي التي ساعدناها لتكتب، لا لتشحذ.
إننا نعيش ما يشبه الهجرة الثانية،
لكنها هذه المرّة ليست فيزيائية… بل هجرة داخلية صامتة،
حين يشعر الإنسان أنه لا مكان له،
حين يغيب الانتماء لأنه لا يجد ما ينتمي إليه…
حين يصبح الحلم أقسى من الواقع،
والواقع أضيق من الحلم.
ومن يحمل شهادة إعدادية أو ثانوية حرمته الحرب من إكمال دراسته،
لم يعد له حق في الحياة كما يجب،
أصبح لا بد أن يركض خلف لقمة عمل حتى لا يضيع بين الشوارع،
وهناك من يستغل هذا الواقع، يريد أن يبقى الإنسان على أضداد المجتمع، يشحد عليه،
ولا يُعطى فرصة ليبني نفسه أو يحقق حلمه.
أنا أكتب،
لا لأنني أبحث عن جواب، بل لأنني أخاف من الصمت،
ولأن الناس وضعت أملها في الكلمة،
وقالوا لي: ربما إذا كتبتِ، وصلت.
فكتبت…

مع الاحترام،
أ. فاطمة سليمان محمد
كاتبة من البادية السورية
من أرضٍ لا تعرف التجاهل،
ومن قلمٍ يؤمن أن الكلمة قد لا تُنقذ وطنًا… لكنها تُنقذ ما تبقّى منّا.

  • Social Links:

Leave a Reply