احمد كريم
الخصوصية الطبقية للعالم العربي وعبثية السلطة: قراءة ماركسية في فساد بلا طبقة
عالمنا العربي يتميز بخصوصية طبقية شاذة، إذ في الوقت الذي تعتمد فيه الإمبريالية الغربية على تحالفها التقليدي مع الطبقات البرجوازية والإقطاعية الكومبرادورية في معظم دول الجنوب، فإنها في العالم العربي تسلك مسارًا مختلفًا: الاعتماد على البروليتاريا الرثّة.
هذه “الطبقة” – أو بالأحرى هذا الخليط – لا تملك وعيًا طبقيًا، ولا مشروعًا سياسيًا، ولا خبرة تاريخية في الحكم أو الإدارة. إنها مجموعات كانت مسحوقة سابقًا، انتُزِعت من قاع المجتمع وصعدت إلى السلطة بفعل هندسة خارجية، لتُمارس دور الحاكم دون أن تكون طبقة فعلية في ذاتها أو لذاتها.
وهنا يأخذ الفساد في العالم العربي طابعًا مختلفًا عن غيره من مناطق العالم: طابعًا عبثيًا وعدميًا. ففي دول الجنوب الأخرى، وعلى الرغم من الاستغلال الرأسمالي والإمبريالي، توجد نخب حاكمة تشكل طبقات يمكن فهم بنيتها ومصالحها. وتستطيع الطبقات العاملة هناك، بدرجات متفاوتة، التمييز بين عدوها الطبقي والعمل ضده، إما عبر أحزاب ونقابات، أو عبر العمل المؤسساتي والمجتمعي.
أما في العالم العربي، فإن السلطة ذات طابع رثّ، غير مؤسسي، هش، وغير عقلاني. الطبقات الحاكمة لا تملك حتى الكفاءة في إدارة الفساد. لا تستثمره لإعادة إنتاج نفسها طبقيًا أو اقتصاديًا، بل تستهلكه سريعًا في شهوات آنية: القصور، السيارات الفارهة، النزعة الاستعراضية، العنف الفج، والهيمنة الفارغة. هم رديئون حتى في فسادهم، ولا يمتلكون تصورًا استراتيجيًا لمصالحهم كطبقة، لأنهم ببساطة لا يشكلون طبقة حقيقية.
هذا الوضع يخلق انطباعًا واسعًا في أوساط الجماهير بأن ما يجري ليس صراعًا طبقيًا، بل مجرد “لصوصية” عشوائية، مارسها بعض “المحظوظين” الذين وصلوا للسلطة بالصدفة. وبناءً عليه، ترى الطبقات العاملة في كثير من الأحيان أن مواجهة هذا الفساد عبر العمل المؤسسي أمر عبثي بحد ذاته، لأن الفساد نفسه لا يبدو مؤسسيًا، بل أقرب إلى فوضى مسلحة تابعة للخارج. ومن هنا تنشأ حلقة مفرغة: الجماهير تواجه العبث بالعبث، فتنتشر مظاهر الفساد الصغير، والانكفاء الذاتي، والاحتيال، والهروب من كل التزام عام. ويُعاد إنتاج الفوضى.
لكن الرؤية التي تنفي جدوى العمل المؤسسي في هذا السياق، رغم صدق مقدماتها، تنتهي إلى استنتاج خاطئ. فالعبثية الظاهرة ليست بلا بنية، بل هي واجهة لهيمنة منظمة. فرغم كل ما في هذه الأنظمة من فشل وارتجال، فهي لا تزال قائمة. هنالك وزارات، أنظمة تعليمية (ولو مهترئة)، أجهزة قمع فعالة، حدود تُدار، وخدمات عامة قائمة. كيف ذلك؟
الجواب هو أن هذه الأنظمة، رغم تفسّخها الظاهري، تحكم بدعم خارجي منظّم. فلو تُركت هذه النخب الرثة وحدها، لانفجرت دولها من الداخل خلال أسابيع. إن استمرار هذه الأنظمة لا يفسَّر بقدرتها الذاتية، بل بحضور قوى رأسمالية غربية نافذة تعمل من وراء الستار، وتضمن بقاء هذا الشكل من “اللانظام” بوصفه الوضع المثالي لإجهاض أي مشروع تحرري أو اشتراكي جديد.
نحن لا نتحدث هنا عن كل الأنظمة العربية، بل نستثني بوضوح المشروع الناصري ومشتقاته، الذي حاول بناء دولة ذات طابع اجتماعي–اشتراكي وطني، مؤسسة على طبقة وسطى عاملة، وشبه برجوازية وطنية منتجة، وتنظيم بيروقراطي مدني فعّال. لكن ما حدث بعد انهيار هذا المشروع التاريخي، هو تسليم العالم العربي لقوى مضادة للتاريخ: فئات أُوصلت للسلطة على يد الغرب، بلا ماضٍ ولا مستقبل، تمثل شكلاً من أشكال الانقلاب الإمبريالي على الطبقة الوسطى العربية.
ولذلك فإن العمل المؤسساتي ضد “السلطة الفاسدة” يجب ألا يُفهم على أنه مواجهة فئات عربية فقط، بل مواجهة للهيكلية الإمبريالية العالمية التي صمّمت هذه العبثية، وأبقت عليها كأداة لتعطيل أي تطور تاريخي في المنطقة.
نحن لا ندعو هنا إلى أوهام إصلاحية، بل إلى إعادة توجيه الصراع. المعركة ليست مع أفراد ناهبين، بل مع بنية طبقية عالمية.
ولهذا فإن الطبقة العاملة العربية، إذا ما أسّست نفسها في أحزاب ومؤسسات، وشكّلت وعيها الذاتي كطبقة تاريخية فاعلة، فإن القوى الغربية والشرقية ستجد نفسها مضطرة، إمّا لدعم هذه الطبقة بشكل مباشر، أو – وهو الاحتمال الأرجح – للاستعاضة عن النخب العبثية الراهنة بطبقة برجوازية أكثر تنظيمًا ووعيًا بمصالحها الطبقية. وهذا وحده كفيل بنقل الصراع في العالم العربي من عبثيته الراهنة إلى ديالكتيك حيّ تنتج فيه التناقضات مؤسساتًا وقوى اجتماعية وتاريخًا جديدًا.
قد لا نحصل على حلفاء في الغرب، لكننا قد نتمكن من نقل الصراع من عبثية إلى مؤسسية، من الفوضى إلى التناقض، من الفراغ إلى الديالكتيك. وحينها فقط، يدخل العالم العربي مجددًا في منطق التاريخ، حيث الصراع الطبقي ينتج وعيًا، والوعي ينتج حركة، والحركة تفتح الطريق نحو التحرر والتقدم

Social Links: