لماذا أكتب؟

لماذا أكتب؟

مطيع اتاسي

لم أكن يومًا ثائرًا أحمل السلاح أو أقف في ساحات الاعتصام، بل كنت أقرب إلى مشجع من بعيد. لكني عشت أجواء الثورة السورية لحظة بلحظة منذ 2011، من الخارج، بكل تفاصيلها: عرفت رموزها وأبطالها، رأيت خياناتها وصبيانها، والتقيت بالكثير من شخصياتها. هذه شهادتي الشخصية، وليست رواية للتاريخ، لكنها التجربة التي صنعت قناعاتي، وجعلتني أكتب الآن بعد أكثر من عقد من الدم والخذلان.

من بين المحطات التي أعتبرها حاسمة في مسار الثورة، كانت لحظة تسليحها. قيل وقتها إن الهدف هو حماية المدنيين، لكن من وجهة نظري كان ذلك بداية النهاية. النظام كان ينتظر هذه اللحظة ليتقن القتل، كما ظهر لاحقًا في وثائق مسرّبة من أفرع الأمن: تعليمات بقتل ما لا يزيد عن عشرين شخصًا يوميًا “حتى لا تُحسب مجزرة”. لكن بعد التحول للعمل العسكري صار المعدل 200 شهيد يوميًا، ومعه جاء التدخل الدولي.

ثم جاءت “الموكات” في تركيا والأردن، بإشراف أمريكي مباشر على تسليح المعارضة. لم يكن السلاح حرًا ولا القرار حرًا. كانوا يتحكمون بالذخيرة، يُلزمون المعارضة بإعادة الفوارغ وتوثيق كل رصاصة، ويوقفون أي تقدم غير محسوب، كما حدث في معارك الساحل وحمص.

بعدها وُلدت “داعش”، البوابة التي فُتحت لدخول الجيش الأمريكي إلى المنطقة. تصريحات ترامب عن دور هيلاري كلينتون في صناعة التنظيم لم تكن غريبة عليّ، فقد بدا واضحًا أن الهدف كان تأسيس منطقة نفوذ جديدة شمال شرق سوريا، “روج آفا”. ومعها أُغلقت الموكات وتحول الدعم إلى حرب داعش، تاركين الأسد لروسيا وإيران ليحسموا المعركة ضد المعارضة حتى إدلب، حيث توقفت اللعبة عند “فتاة إدلب” التي تحدث عنها ترامب.

في تلك المرحلة قال ترامب عبارته الشهيرة: “الشيطان الذي نعرفه أفضل من الشيطان الذي لا نعرفه”، وكان يقصد الأسد. ومن هنا بدأت دول المنطقة، وحتى أوروبا المنهكة من اللاجئين، تتعامل مع الأسد على أنه أمر واقع. بدا وكأنه عائد إلى القمة.

كنت مقتنعًا وقتها أن الهدف لم يكن سوريا وحدها، بل جزءًا من مشروع أكبر: لعبة “الفوضى الخلّاقة”، لتفتيت المنطقة وضرب تركيا وإيران والسعودية لاحقًا. ومع “صفقة القرن” وإعلان ترامب عن سحب القوات من سوريا، تعزز هذا الشعور عندي، حتى لو لم يُنفذ القرار بالكامل.

طوال هذه السنوات كنت أسأل السوريين: “هل يمكن تقسيم سوريا؟” الجميع كان يجيب بلا. وحدي كنت أرى العكس. وما جرى لاحقًا من انهيار الجيش السوري، وصعود “أوليغارشية” سياسية–اقتصادية تحكم باسم الخراب، يشبه كثيرًا ما حدث في العراق من قبل.

لماذا أكتب؟

أكتب لأنني أكره أن أرى مليون سوري يُستشهدون تحت راية قضية نبيلة مثل الثورة، ثم تتحول دماؤهم إلى ورقة بيد واشنطن وتل أبيب لتفتيت المنطقة.

أكتب لأنني أكره أن أرى ملايين السوريين مشرّدين في أصقاع الأرض فقط ليخدموا مشاريع الآخرين.

أكتب لأنني أكره أن تُهدم أوطاننا، التي رسموا حدودها بأيديهم منذ سايكس–بيكو، ثم يطلبون منا أن نؤمن بقدسية هذه الخرائط.

أكتب لأننا جميعًا — موالون، معارضون جدد، إسلاميون، ملحدون، أقليات وأكثريات — وقعنا في اللعبة الكبرى، رغم اختلافاتنا. لسنا متشابهين، لكننا جميعًا أدوات في مشروع أكبر منّا.

أكتب لأنني أكره الهزيمة.

الكثيرون يقولون إني مؤمن بـ “نظرية المؤامرة”. لكن هؤلاء ينسون أن بلدانهم نفسها هي نتاج مؤامرة، وأننا جميعًا نعيش في خرائط صنعتها غرف مغلقة في لندن وباريس قبل قرن.

هذه هي قناعاتي. وهذا هو السبب الذي يجعلني أكتب.

كل يوم أخسر صديقًا جديدًا، أو أسمع شتيمة في وجهي لأنني ما زلت أكتب. أحيانًا أشعر أنني أكتب ضد التيار، ضد الخراب الذي ابتلع الطبقة الوسطى، وضد الصمت الذي صار لغة المجتمع. ربما لا أبالي بالخسارة بقدر ما أخاف من أن يأتي يوم لا أجد فيه من أخسره، ولا من يشتمني. عندها فقط سيكون الصمت قد ابتلعنا جميعًا.

  • Social Links:

Leave a Reply