بعد الدم حفور وطم”.

بعد الدم حفور وطم”.

فرح العاقل

قرأت ما كتب الدكتور عامر القوتلي والذي افتتحه بعبارة “بعد الدم حفور وطم”.
استوقفتني هذه العبارة كثيراً لأيام، وهي عبارة تختصر العقلية التي حكمت سوريا لعقود، حيث لم تكن الجرائم تُعالج بالاعتراف أو المساءلة، بل بالدفن والنسيان. الدم يراق، ثم يأتي الصمت كأداة للطمس. لكن في السويداء، بعد الهجوم الطائفي الدموي الأخير، لم يعد من الممكن للمعادلة أن تستمر كما هي. هذه المرة، الدم خرج عن السيطرة، وأصبح شاهداً حاضراً لا يمكن محوه، جرحاً مفتوحاً سيغيّر وجه سوريا بطريقة أو بأخرى.

الهجوم على السويداء لم يكن عابراً، ولم يكن خطأً تكتيكياً أو نتيجة اشتباك عرضي. كان عملية عسكرية منظمة شنتها السلطة بأدواتها، وباستخدام أسلحة ثقيلة، وبإغلاق متعمّد للطرق المؤدية إلى المدينة وريفها. الهدف كان واضحاً: كسر إرادة الجبل الذي رفع صوته عالياً ضد الاستبداد، وتلقين أهله درساً بأن التمرد على السلطة ثمنه الدم. أكثر من ألف شهيد سقطوا في ساعات، بينهم نساء وأطفال، وتحوّلت بيوت المدنيين إلى ركام. سُجّلت حالات اختطاف، وعمليات إعدام ميداني، وحرق ونهب لمنازل ومحلات. الصور ومقاطع الفيديو التي وثقها ناشطون محليون، والتي راجعتها لاحقاً منظمات حقوقية دولية، تؤكد أن ما جرى كان جريمة ممنهجة لا يمكن تبريرها أو التلاعب بروايتها.

تقرير منظمة العفو الدولية، الصادر بعد أيام من الهجوم، قدّم أدلة دامغة على أن المدنيين كانوا المستهدفين الأساسيين، وأنماط الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب. ذكر التقرير أن ما حدث لم يكن نتيجة اشتباكات مسلحة بين أطراف متنازعة، بل هجوم متعمد على أحياء سكنية، تخللته إعدامات ميدانية، وعمليات اختفاء قسري، وممارسات تهدف بوضوح إلى بث الرعب في صفوف السكان.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك. لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة أعلنت عن فتح تحقيق خاص في مجريات السويداء، مؤكدة أن على السلطات السورية واجباً قانونياً وأخلاقياً لحماية المدنيين، وأن فشلها في ذلك أو تورطها المباشر في الهجوم يجعلها عرضة للمساءلة الدولية. اللجنة وصفت ما جرى بأنه “قمع واسع النطاق”، وأكدت أن الانتهاكات لا تسقط بالتقادم، وأن المسؤولين عنها لن يفلتوا من الملاحقة، حتى لو طال الزمن.

يرى كثير من المراقبين أن ما وقع في السويداء يمثل نقطة انعطاف حقيقية في تاريخ سوريا الحديث. فالمجزرة عرّت طبيعة السلطة كجهاز قائم على العنف الطائفي، يتعامل مع الناس إما كأدوات للسيطرة أو كأوراق ضغط في صفقات سياسية. السويداء لم تعد مجرد محافظة منكوبة، بل تحولت إلى مرآة لسوريا كلها، وجرس إنذار بأن أي مشروع لبناء المستقبل لن يكون ممكناً إذا جرى تجاهل دماء الأبرياء أو القفز فوقها.
الواقع أن ما جرى في السويداء يُسقط نهائياً كل الشعارات التي رفعها السوريون عن “الوحدة الوطنية” و”التعايش في سوريا الدولة الواحدة”، فكيف يمكن الحديث عن وحدة بينما يُستهدف مكون بكامله بدموية باردة؟ وكيف يمكن الحديث عن دولة بينما الدولة نفسها تتحول إلى قاتل؟ هذا التناقض لم يعد يحتمل أي تجميل. السويداء، بأجساد شهدائها، عرّت السلطة وأسقطت أقنعتها.

لكن الأهم من الجريمة نفسها هو أثرها القادم. الهجوم على السويداء لن يُمحى من الذاكرة، ولن يمر كغيره من المجازر التي طُمست سريعاً. هذه المرة، المجتمع المحلي يصرّ على التوثيق، والمنظمات الدولية دخلت على خط التحقيق، والصحافة المستقلة وضعت الضوء على التفاصيل. هناك إدراك متزايد أن هذا الحدث سيكون حجر أساس في أي نقاش عن سوريا المستقبل.

فبعد هذه الدماء، لا يمكن بناء دولة جديدة على إنكار ما جرى. المواطنة الحقيقية لا تولد من شعارات عامة، بل من عدالة تُطبَّق، ومحاسبة تُنفّذ، واعتراف بالضحايا لا كأرقام، بل كبشر لهم أسماء ووجوه وعائلات.

السويداء اليوم تقول بوضوح: نحن لا نبحث عن ثأر، لكننا نطالب بالعدالة. لا نريد أن نغرق في دائرة الدم، لكننا نرفض أن يُمحى دمنا بالصمت. ما حدث في الجبل لن يبقى محلياً، بل سيكون له أثر عميق على مجمل الصراع السوري. فإما أن يشكل بداية لوعي جديد، يفرض على الجميع مواجهة جرائم السلطة ومحاسبتها، أو أن يكون بداية لانفصال فعلي بين السوريين الذين تعبوا من انتظار عدالة لا تأتي.

بعد الدم حفور وطم. لكن في السويداء، هذه المرة، هناك تصميم أن الدم لن يُطمَر. إنه باقٍ، شاهداً وصرخة، ليغيّر وجه سوريا مهما طال الطريق، وليذكّر الجميع أن الطريق الوحيد لمستقبل سوريا كان بدولة تحترم مواطنيها وتساوي بينهم، أما الموجود على الأرض فهو لا يشبه دولة على الإطلاق.

  • Social Links:

Leave a Reply