زكريا نمر

وجود المثقف الراديكالي في أي مجتمع يعد مصدر ازعاج دائم للسلطات والنخب التقليدية. فهو لا يقبل التسليم بالثوابت السائدة بل يفضح تناقضاتها ويضعها موضع تساؤل دائم. هذا الدور النقدي يجعله في مواجهة مفتوحة مع القوى الحاكمة التي تسعى الى تثبيت الوضع القائم وابقاء المجتمع في دائرة الطاعة والتكرار. وفي المقابل يصبح بالنسبة للشباب والقوى التواقة للتغيير رمزا ملهم وصوتا مختلفا يفتح امامهم احتمالات التحرر وبناء واقع جديد.
هذا الموقع يجعل المثقف الراديكالي عرضة للاتهامات تارة بالمثالية البعيدة عن الواقع وتارة اخرى بالعدمية التي تنكر كل قيمة او جدوى. وقد يحاصر بالتهميش او يسجن وينفى او يشوه اعلاميا ليفقد مكانته. ومع ذلك يبقى جوهر رسالته قائما رفض الاستسلام والايمان بان التحولات الكبرى تبدأ من فكرة جريئة ومن كلمة تتحدى السائد.
في العالم العربي والافريقي يبرز دور المثقف الراديكالي بصورة اوضح بسبب تشابك الازمات من صراعات الهوية الى الفقر والتهميش الى الفساد المستشري والحروب الاهلية. في مثل هذا الواقع المضطرب يصبح المثقف الراديكالي بمثابة الضمير الحي للمجتمع. فهو لا يكتفي بالتنظير بل ينخرط في القضايا اليومية التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي. وعلى مر العقود دفع الكثير من هؤلاء المثقفين اثمانا باهظة اقصاء من الجامعات ملاحقات امنية نفي قسري او تشويه من قبل الاعلام الموالي للسلطة. ومع ذلك يظل اثرهم ممتدا عبر الاجيال لانهم يغرسون بذور التفكير النقدي ويتركون وراءهم ارثا من الشجاعة الفكرية والقدرة على الحلم.
المثقف الراديكالي ليس مجرد ناقد او صوت عابر بل هو ضمير يقظ يحاول ان يوقظ المجتمع من سباته الطويل. وظيفته ليست ان يقدم حلول جاهزة بقدر ما هي دعوة مستمرة لاعادة التفكير ولاثارة الاسئلة التي يتهرب منها الجميع. قد لا يملك ادوات السلطة ولا النفوذ المادي لكنه يمتلك سلاحا لا يستهان به الفكرة والكلمة. الكلمة الراديكالية قادرة على ان تزعزع يقينيات كبرى وان تدفع الناس الى التساؤل حول شرعية النظام القائم او عدالة التوزيع الاجتماعي. لذلك يصبح المثقف الراديكالي اشبه ببذرة تغيير صغيرة قد تقمع في البداية لكنها مع مرور الزمن تثمر وعيا جديدا يتجذر في المجتمع.
لا مستقبل لأي مجتمع يسعى للحرية والعدالة دون وجود مثقفين راديكاليين يفتحون مسارات بديلة ويقاومون الركود الفكري والسياسي. صحيح ان الطريق امامهم مليء بالعقبات لكن التاريخ يثبت ان كل تحول جذري بدأ من فكرة اعتبرها الناس يوما ضربا من الجنون او اليوتوبيا. المثقف الراديكالي ليس ترفا فكريا بل هو ضرورة تاريخية فهو من يذكر المجتمع بان التغيير ممكن وان العدل والحرية ليست شعارات فارغة بل اهداف يمكن بلوغها اذا توفرت الارادة.

Social Links: