الشفافية معركة المال العام المفقود

الشفافية معركة المال العام المفقود


زكي الدروبي


بعد هروب بشار الأسد إلى روسيا، والإعلان عن إطلاق المرحلة الانتقالية، ورغم تحفظاتي الكثيرة على احتكار التمثيل وطريقته، إلا أنني تفاءلت خيرا بأن لدى سلطة الأمر الواقع التي وصلت إلى دمشق خطة لإعادة الإعمار، بعد كل السنوات العجاف التي مرّت بها سوريا، لكن وبعد مرور عشرة أشهر لا زالت تتعامل السلطة مع شعبها بالكثير من العبث والسطحية، خصوصا في ملف كبير متعلق بهموم الناس وحياتهم كملف إعادة الإعمار، بحيث حولته إلى مهرجان دعائي بدلا من أن تعلن خطة حقيقية متكاملة تعطي الناس ضوءا أخضرَ لقرب نهاية مسار معاناتهم.
إلى متى سنبقى أسرى هذا العبث؟
لم تتوقف السلطة عن استعراضاتها منذ الوصول إلى دمشق، وكانت دوما تستعرض أمام الشعب لتحقنه بجرعات الأمل وقرب الوصول إلى نهاية النفق المظلم، لكن في كل مرة تنتهي فرحة الناس بالمهرجان لتعود مصطدمة بواقعها المُرّ، فاتفاقيات التفاهم والمليارات التي تهطل على سوريا من تصريحات المسؤولين في هذه السلطة لم تصل إلى جيوب الناس، بل شهدنا بيعُ أملاكِ الدولة دون شفافية ووضوح، ودون خطة حقيقية.
لماذا نبيع هذه المؤسسة الحكومية لهذا الشخص أو هذه الشركة؟ هل هناك دراسة حقيقية لإعادة تشغيل هذه المؤسسة والحصول من خلالها على دخل يقوي خزينة الدولة، والتي لا نعرف أصلا أية أرقام شفافة حولها؟ ماذا وجدت هيئة تحرير الشام عندما وصلت إلى دمشق في خزينة الدولة؟ هل هناك حصر وجرد وتقييم لأملاك عصابة الأسد؟ هل تم تحويلها إلى صندوق الدولة؟ …
لماذا يتم إفراغ مؤسسات الدولة من مضمونها وسحب صلاحيات الوزراء وتوزيعها على المحسوبين على السلطة؟ لماذا يرأس شخص (شقيق الرئيس) بمرتبة وزير دولة اجتماع مجلس وزراء؟
أسئلة كثيرة يمكن أن نطرحها عن الشفافية وطريقة إدارة مؤسسات الدولة وهي لازمة وضرورية كي تنطلق عجلة الاقتصاد ويبدأ البناء.
الشفافية ضرورة وليست رفاهية:
إن حديثنا عن الشفافية ليس شعارا عفا عليه الزمن، كما يبرّره الإعلام الرديف للسلطة، إعلام المؤثرين والتيك توك، بل ضرورة لنهج اقتصاد السوق الذي يعلنون أنهم ينتهجونه، فرفض الإدارة الحالية التعامل مع المؤسسات المالية الدولية لا يعود فقط ليساريتها المفاجئة، بل لما تطلبه هذه المؤسسات من شفافية وقوانين واضحة تبين مصدر الأموال، وتمنع عمليات تبييض أموال المافيات، وأمراء الحرب، وتجار المخدرات.
إن أبسط سؤال يمكن أن نسأله هو سؤال “شام كاش”، والذي قال عنه الخبراء بأنه تطبيق فاشل وخطير ومعرض للاختراق، وبنفس الوقت فهو يكشف لشركة مجهولة معلومات خاصة عن مئات الآلاف من العاملين في الدولة، ويمنح هذه الشركة أرباحا تُقدّر بالملايين، ويمنعها عن المصارف العامة المملوكة من الدولة.
إن هذه الشفافية تتطلب أن نعرف من أين لربة منزل، زوجها يعمل موظف في الدولة برتبة رئيس جمهورية، ووالدها عامل عادي، أن تتبرع بخمسة آلاف دولار، ويتطلب الأمر أن نعرف من أين لرئيس الجمهورية وهو موظف وابن موظف سابق في الدولة أن يتبرع بعشرين مليون دولار للصندوق؟
قد يقول قائل بأن المبلغ أتى من بيع سيارات كانت لبشار الأسد، لكن هل البيع هكذا بقرار فردي منه؟ ألا يجب جرد الأملاك المنقولة وغير المنقولة التابعة لأفراد النظام السابق من بشار الأسد إلى بقية أفراد عائلته والقيادات المحيطة به من ضباط ووزراء فاسدين، ووضعها في خزينة الدولة، ثم اتخاذ القرار المناسب بشأنها، كالبيع مثلا بمزاد علني مفتوح معلن يشاهده الجميع، تنشر تفاصيله مسبقا، كنوع السيارات وكل التفاصيل المتعلقة بها، وعندما تنتهي عملية البيع يتم توثيقها من خلال الجهة المشرفة عليه وإعلان أسماء المشترين والمبلغ الذي تم شراؤها به، وتقرير مالي يثبت تحويل الأموال إلى خزينة الدولة، وتسجيلها في الميزانية العامة للدولة، مع إشعارٍ بالمناقلة والتحويل بين خزينة الدولة وبين صندوق التنمية.
هكذا تتم إدارة مؤسسات دولة، وهي تختلف كلية عن إدارة فصائل مقاتلة تكون فيها الأموال موجودة ب “قطرميز” القائد، وهو صاحب القرار الأول والأخير بها.
صندوق التنمية وإعادة الإعمار:
كرر الشرع في مقابلته الأخيرة مع قناة الإخبارية السورية رفضه للقروض “المسيسة” وقد سبق لحاكم مصرف سوريا المركزي أن نقل هذه التصريحات عن لسانه، وقال في حديثه الأخير مع الإخبارية السورية “سوريا لا تريد أن تعيش على المساعدات أو القروض المسيسة”، واعتبر أن صندوق التنمية كفيل بتولي مهمة إعادة ” بناء البنية التحتية للقرى والبلدات المهدمة” معتبرا أن مشروع إعادة الإعمار “منهج عمل طويل الأمد، يبدأ بالمتاح وحسب الأولويات” وقال أيضا بأن بديل القروض والمساعدات هو ” فتح البلاد أمام الاستثمارات”.
هذا الكلام الشعبي الذي يدغدغ عواطف الناس لا يقدم الحقيقة للسوريين، بل يتركهم أسرى الوهم والشعارات، ولا يبني لهم بيتا، ولا يخرجهم من مخيماتهم، فالبطون الجائعة، والأجساد المنهكة التي تنتظر أربعة جدران تؤويها من برد الشتاء القادم، لن تنتظر عشرات السنين كي تستطيع جمع الأموال الهائلة – تقدر ب 400 مليار دولار حسب الأمم المتحدة – المطلوبة لإعادة الإعمار، ولن تنتظر اتفاقيات وهمية غير حقيقية لبناء أبراج وفراشات ومصاعد، ولن تنتظر مستثمرين لن يأتوا كي ينفذوا مشاريعهم، ويربحون ليوفروا “فرص العمل والقطع الأجنبي”، حسب تصورات الشرع والتي قالها خلال لقائه مع الإخبارية السورية، والذي أكد أن “حركة المال والاستثمار داخل سوريا تنعكس إيجاباً على جميع القطاعات، وتفتح في الوقت نفسه أسواقاً خارجية”.
صندوق التنمية استمرار بيع الوهم:
يشير مرسوم إحداث الصندوق إلى أنه “مؤسسة ذات طابع اقتصادي تُسمّى (صندوق التنمية)، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقره دمشق، ويرتبط برئاسة الجمهورية”.
ويهدف إحداث الصندوق، وفق المرسوم، إلى المساهمة في إعادة الإعمار وترميم وتطوير البنية التحتية، والتي تشمل كل ما يدعم الحياة اليومية للمواطنين من خدمات ومرافق كالطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء والمطارات والموانئ وشبكات الاتصالات وغيرها، وتمويل المشاريع المتعددة من خلال القرض الحسن.
لكن تحول صندوق تنمية إلى صندوق يشبه صندوق جمعية خيرية يعتمد فقط على القرض الحسن ليس حلا لإعادة إعمار البلد، فالتبرعات ليست مصادر مستقرة، ولا تكفي لتمويل مشاريع ضخمة كالمطارات وشبكات الطرق وشبكات الكهرباء ومئات الآلاف من المنازل المهدومة، وغياب خطط تنويع مصادر دخل الصندوق، وتأمين البيئة الأمنية المستقرة، والقوانين الواضحة، والقضاء العادل لجذب استثمارات خارجية تبني الاقتصاد وتخلق فرص العمل، ووجود آلية معلنة شفافة لمراقبة الأموال الداخلة للصندوق ومعرفة مصدرها، وأين تصرف، ووجود مؤسسات رقابية فاعلة، تمنع تسييس الصندوق واستثماره لتحقيق مكاسب سياسية للسلطة الحالية، وإيجاد هيئة مستقلة لتديره، بعيدا عن التبعية المباشرة للرئيس تقوي استقلاليته وتبعده عن التقلبات السياسية، كل ما سبق ضروري كي يثق الناس بهذا الصندوق ويقدّموا له التمويل اللازم لنجاحه.
طريق الألف ميل:
بالتأكيد سيأتي من يقول: أنت مُعطَّل، تجلس على أريكتك مرتاحا منتقدا، بينما هم يعملون، يحاولون.
لكن هل العمل لوحده فضيلة؟ ماذا سينتج إن بدأ طريق الألف ميل بخطوة في الاتجاه الخاطئ؟
كل العصابات والمافيات تعمل، والأنظمة القمعية تعمل، لكن هل يُعدّ هذا إنجازا؟
إن أمثالي ممن يرفضون هذه المهازل ليسوا معطلين، بل يحاولون أن يمنعوا الخراب وحماية ما تبقى من أمل في بناء سوريا التي ثرنا لأجلها، سوريا التي قدمنا التضحيات الكبيرة لأجلها تستحق منا عملا مختلفا عن الذي تقوم به هذه السلطة منذ وصولها إلى دمشق باتفاق روسي إقليمي كما أعلنه الشرع نفسه على شاشة الإخبارية.

  • Social Links:

Leave a Reply