زكريا نمر
تقدم الديمقراطية في الخطاب السياسي العالمي باعتبارها الطريق الأمثل لتنظيم الحياة العامة وضمان الحقوق والحريات وتداول السلطة بشكل سلمي. غير ان هذه الفكرة حين تزرع في بيئات لم تتجاوز بعد الولاءات التقليدية مثل القبيلة، تصبح مجرد واجهة شكلية تحجب صراعا اعمق بين البنى التقليدية والدولة الحديثة.
القبيلة بطبيعتها كيان محافظ يقدم التضامن الداخلي على اي اعتبار آخر. الفرد في المجتمع القبلي لا ينظر اليه كمواطن مستقل، بل كجزء من جماعة ترتبط بدم واحد وارض مشتركة ومصالح متشابكة. من هنا فإن اي ممارسة سياسية ـ بما فيها الانتخابات الديمقراطية تصبح في الغالب امتدادا لهذه الروابط. المرشح لا يقيم على اساس برنامجه او كفاءته، بل على اساس موقعه داخل الهرم القبلي، او مدى قدرته على جلب الموارد والامتيازات لجماعته.تتحول الديمقراطية الى اداة لتجديد الولاء القبلي بدل ان تكون وسيلة لتجديد الحياة السياسية. فالقبيلة تعيد انتاج نفسها من خلال صناديق الاقتراع، والبرلمان يصبح ساحة لعقد الصفقات بين زعماء العشائر، والدولة لا تعدو كونها اطارا لتقاسم الغنائم بين المجموعات المختلفة.
التجربة التاريخية في العديد من البلدان الافريقية، ومنها جنوب السودان والسودان، اظهرت ان الولاء القبلي ظل اقوى من الولاء الوطني. فبدل ان تكون الدولة هي المظلة الجامعة، تختزل مؤسساتها في اداة لاعادة توزيع النفوذ بحسب ثقل كل قبيلة. هذا الوضع يجعل من المستحيل تقريبا ترسيخ سيادة القانون، لان القانون نفسه يعاد تفسيره وفق ميزان القوى بين المجموعات.
في جنوب السودان مثلا، فشلت الانتخابات والمصالحات السياسية في تجاوز الانقسامات القبلية، اذ ظلت كل مجموعة ترى في الدولة اداة لتعزيز موقعها وحماية مصالحها. وفي بلدان اخرى، كنيجيريا او كينيا، كثيرا ما تحولت الانتخابات الى شرارة صراع دموي بسبب تغليب العصبية القبلية على روح المواطنة.حين تقع الديمقراطية في اسر القبيلة، تفقد جوهرها. فهي لم تعد تعبيرا عن الارادة الحرة للافراد، بل عن الارادة الجمعية للانتماءات الضيقة. بذلك، تتحول الى ديمقراطية مشوهة لا تنتج تداولا سلميا للسلطة، بل تكرس الانقسام. انها تفرغ الدولة من مضمونها الحديث وتعيدها الى منطق ما قبل الدولة، حيث يقاس كل شيء بموازين العصبية والدم.
تحرير الديمقراطية من قبضة القبيلة ليس امرا يسيرا، لكنه ممكن. ويتطلب اولا بناء ثقافة مدنية جديدة تقوم على مفهوم المواطنة المتساوية، حيث ينظر الى الفرد باعتباره مواطنا له حقوق وواجبات بصرف النظر عن خلفيته القبلية. التعليم يلعب هنا دورا جوهريا في اعادة تشكيل الوعي، وكذلك الاعلام الذي ينبغي ان يعيد توجيه الخطاب من تمجيد القبيلة الى ترسيخ قيم الدولة كما ان الاحزاب السياسية مطالبة بالتحرر من بنيتها التقليدية القائمة على المحاصصة القبلية، والتحول الى فضاءات برامجية تجمع الناس حول قضايا التنمية والعدالة والمساواة، لا حول زعامات القرابة والعشيرة.
ان الديمقراطية لا يمكن ان تزدهر في ظل القبيلة، لانها في جوهرها تقوم على الفرد الحر المستقل، بينما القبيلة تقوم على الانتماء الجمعي الذي يقيد الارادة الفردية. الدولة الحديثة تتطلب قطيعة مع البنية التقليدية التي تجعل من الولاء القبلي مصدرا للشرعية، والا ستبقى الديمقراطية مجرد شعارات مفرغة من محتواها، واسيرة في سجن القبيلة

Social Links: