خماسية العقل الإسلامي…

خماسية العقل الإسلامي…

منار الشاعر


خماسية العقل الإسلامي… قراءة في مشروع محمد أركون
يرى محمد أركون أن العقل الإسلامي لم يتشكّل دفعة واحدة، بل مرّ عبر خمس مراحل كبرى تمثل رحلة هذا العقل من لحظة الخطاب الإلهي إلى لحظة الخطاب الديني، أي من التجربة الروحية الأصيلة إلى التراكم التأويلي السلطوي. وفي هذا المسار الطويل، يمكن قراءة التاريخ الإسلامي كتحوّل مستمر من انفتاح الوحي إلى انغلاق التأويل، ومن التجربة الحيّة إلى النظام المعرفي المغلق.

في المرحلة الأولى، أي لحظة التأسيس والوحي، التي تمثل القرن الأول الهجري (1–11 هـ / 622–632 م)، كان الإسلام تجربةً روحية مفتوحة لا تحدّها المذاهب ولا تقيّدها المؤسسات. كان الخطاب الإلهي في أصفى تجلياته، يخاطب الإنسان بلغة الوجدان والضمير، لا بلغة الفقه والتقنين. يرى أركون أن القرآن في مرحلته الأولى لم يكن “نصًا” بعد، بل حدثًا حيًّا يهزّ الوعي الإنساني ويدعوه إلى الحرية والمسؤولية. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين الخطاب الإلهي بوصفه نداءً مفتوحًا من الله إلى الإنسان، وبين الخطاب الديني الذي لم يكن قد وُجد بعد.

أما في المرحلة الثانية، وهي مرحلة التدوين وبناء الأرثوذكسية، فقد بدأت مع القرن الثاني والثالث الهجريين (8–9 م)، حين تحوّل الإسلام من تجربة روحية إلى منظومة فقهية وكلامية. في هذه الفترة جُمعت النصوص، ووُضعت أصول الفقه، وتبلورت المذاهب الكبرى. ومع هذا التحول التاريخي، ظهر ما يسميه أركون بالعقل الأرثوذكسي، الذي بدأ يغلق المعنى ويحدّد الصحيح والمنحرف، ويفرض سلطة بشرية على الخطاب الإلهي. ومن هنا وُلد الخطاب الديني: خطاب بشريّ يتحدث باسم الله، لكنه في جوهره نتاج ثقافي وتاريخي مرتبط بظروف السياسة وبنية القوة. لقد انتقل الإسلام من “تجربة الوحي” إلى “سلطة النص”، وبدأت هيمنة العقل الفقهي والنقلي الذي يسعى إلى تقنين النصوص وضبطها.

ثم جاءت المرحلة الثالثة، وهي مرحلة ازدهار العقل الفلسفي، الممتدة من القرن الرابع إلى السادس الهجري (10–12 م)، حيث بلغ الفكر الإسلامي قمته في الانفتاح العقلي والإبداع الفلسفي. تفاعلت الثقافة الإسلامية مع الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي، فظهر الفارابي، وابن سينا، والمعتزلة، وابن رشد وغيرهم. كانت تلك محاولة جريئة للتوفيق بين العقل والوحي، أي بين الخطاب الإلهي بوصفه مصدرًا للمعنى، والعقل الإنساني بوصفه أداة للفهم. لكن هذا التوازن لم يدم طويلًا، إذ سرعان ما انتصرت الأرثوذكسية على الفلسفة، وتمّ إخضاع الفكر لحدود المذهب، ليبدأ التراجع الطويل نحو الانغلاق.

أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة الإغلاق الدوغمائي، وتمتد من القرن السادس إلى الثالث عشر الهجري (12–19 م). في هذه المرحلة الطويلة غُلِق باب الاجتهاد وسيطر العقل الفقهي النقلي على المجال المعرفي. تحوّل الدين إلى أداة ضبط اجتماعي، والخطاب الديني إلى لغة تبرير وتكرار لا لغة إبداع ونقد. تمّ طمس الفوارق بين الوحي الإلهي والتأويل البشري، فصار ما يقوله الفقيه يُعامل كأنه من عند الله. وهنا دخل المسلم في ما يسميه أركون بـ“النسق المغلق”، أي نظام معرفي يجرّم السؤال ويقدّس الموروث، ويحوّل المعرفة إلى طاعة، والبحث إلى تكرار. لقد فقد العقل المسلم حريته، وبدأ يعيش داخل دائرة من التكرار المقدّس بدلًا من التجديد الخلّاق.

ثم جاءت المرحلة الخامسة، وهي مرحلة النهضة وما بعدها، الممتدة من القرن الثالث عشر الهجري إلى اليوم (19–21 م). مع هذه الحقبة جاءت الصدمة الكبرى: الحداثة والاستعمار. حاولت النخب الإصلاحية — من الأفغاني وعبده إلى الكواكبي وطه حسين — إعادة بناء الجسر بين التراث والعصر، لكن أركون يرى أن هذه المحاولات بقيت إصلاحًا من داخل الأرثوذكسية، ولم تمسّ البنية العميقة للعقل الإسلامي. فالخطاب الديني الحديث، رغم شعاراته التنويرية، ما زال أسيرًا للغة القرون الماضية، يكرّر التراث بدل أن يتجاوزه. من هنا دعا أركون إلى ما يسميه “تحرير العقل الإسلامي”، أي العودة إلى الخطاب الإلهي كفضاء مفتوح للتأمل الإنساني، لا كمصدر سلطوي مغلق.

إن جوهر مشروع أركون يكمن في إعادة الاعتبار إلى التمييز الجوهري بين الخطابين: فالخطاب الإلهي هو الوحي في أصله، كلمة الله الحيّة، المتعددة الدلالات، التي تدعو الإنسان إلى التفكير والسؤال، لا إلى التسليم الأعمى. أما الخطاب الديني، فهو إنتاج بشري لتأويل الوحي وتوظيفه في التاريخ، وهو بطبيعته نسبي وقابل للنقد والمراجعة. بهذا المعنى، فإن أزمة المسلمين ليست في القرآن نفسه، بل في ما قيل عنه. فالقرآن — بوصفه خطابًا إلهيًا — لم يكن سببًا للانغلاق، بل ضحيةً للتأويلات الأرثوذكسية التي حوّلته من رسالة تحرير إلى نظام ضبط اجتماعي.

العقل الإسلامي، في رؤية أركون، ليس جوهرًا ثابتًا بل بناء تاريخي تشكّل عبر تفاعل الوحي مع الزمن، والسلطة مع التأويل. وكل مرحلة من مراحله الخمس كشفت عن تحول من الإلهي المتعالي إلى الديني المؤسسي، ومن التجربة إلى العقيدة، ومن الحرية إلى النص المغلق. ولعلّ مشروع أركون لا يسعى إلى هدم الدين، بل إلى تحريره من تاريخه المغلق، ليعود الخطاب الإلهي إلى أصله الإنساني الأول: نداءً مفتوحًا للعقل، لا وثيقةً مغلقة باسم الله.

منار الشعار

  • Social Links:

Leave a Reply