نوار نورة البحرة
**اضطراب ثنائي القطب من الداخل:
الهوس بوصفه مآلاً للاكتئاب العميق وطلبًا غير مباشر للنجدة**
مقدمة
يُعرض اضطراب ثنائي القطب في معظم الأدبيات الطبية الشائعة على أنه تعاقبٌ بين حالتين منفصلتين:
نوبة هوس من جهة، ونوبة اكتئاب من جهة أخرى.
غير أن هذا الفصل الصارم، رغم فائدته التشخيصية، يفشل أحيانًا في التعبير عن التجربة الداخلية الحقيقية للمريض، خصوصًا في النوع الأول من الاضطراب.
تسعى هذه المقالة إلى تقديم قراءة نفسية-سريرية أعمق، تنطلق من التجربة المعيشة للمريض المستبصر، وتُعيد فهم نوبة الهوس لا بوصفها نقيضًا للاكتئاب، بل كنقطة ذروة ناتجة عنه.
⸻
أولًا: الاكتئاب العميق بوصفه البنية الخفية
في كثير من الحالات، يسبق الهوس اكتئاب عميق غير مُعلن، يتسم بـ:
• أفكار انتحارية كامنة أو صريحة
• شعور بالعجز وانعدام القيمة
• فقدان الإحساس بالحماية النفسية
• صراع داخلي حاد بين الرغبة في الفناء والرغبة في النجاة
هذا الاكتئاب قد لا يكون ظاهرًا للمحيطين، بل يُدار داخليًا بصمت، خاصة عند المريض الذي يتحمل مسؤوليات كبرى (كالأمومة) أو يخشى الوصم أو فقدان دوره الاجتماعي.
⸻
ثانيًا: الهوس كآلية دفاع نفسية قصوى
من هذا المنظور، يمكن فهم نوبة الهوس بوصفها:
محاولة نفسية قصوى لإنقاذ الذات من الانهيار النهائي أو الانتحار
الهوس هنا ليس تعبيرًا عن “فرح” حقيقي، بل:
• قناع نفسي لمواجهة اليأس
• اندفاع الحياة في وجه فكرة الموت
• صرخة استغاثة غير واعية موجهة إلى الخارج
المريض قد:
• يتظاهر بالقوة والتفاؤل
• يبالغ في النشاط والكلام
• يبدو “مشرقًا” ظاهريًا
بينما في الداخل:
• يكون الصراع الوجودي في ذروته
• ويكون التفكير المنطقي حاضرًا، بل أحيانًا أكثر حدة من المعتاد، لكنه لا يُسمع بسبب الضجيج السلوكي للهوس.
⸻
ثالثًا: الاستبصار قبل التشخيص
تُظهر التجربة السريرية والإنسانية أن بعض مرضى النوع الأول:
• يملكون استبصارًا مبكرًا
• يشعرون بقرب النوبة قبل اكتمالها
• يطلبون المساعدة الطبية قبل الانفجار الكامل
لكن المشكلة تظهر عندما:
• يُساء تفسير هذا الاستبصار
• يُشخَّص المريض بالاكتئاب فقط
• ويُعالج بمضادات اكتئاب ثلاثية الحلقة أو غيرها دون مثبت مزاج
وهنا تتحول محاولة النجاة إلى:
عامل دفع مباشر نحو نوبة هوس كاملة
وهو ما تؤكده الأدبيات الطبية بوضوح.
⸻
رابعًا: الذاكرة، الإنكار، وحماية الذات
على خلاف بعض الصور النمطية، فإن كثيرًا من مرضى الهوس:
• يتذكرون أحداث النوبة بدقة
• يدركون ردود أفعال الآخرين تجاههم
لكن يحدث أحيانًا ما يمكن تسميته:
الإنكار الوقائي
حيث يقوم المريض:
• بإعادة تفسير ردود الفعل العنيفة من المحيط
• أو تلطيفها في ذاكرته
• أو تزييف بعض تفاصيلها لا شعوريًا
ليس بدافع الكذب، بل:
• حفاظًا على الأمان النفسي
• وخوفًا من خسارة الأشخاص الذين كان يتوقع منهم النجدة
• ولتفادي إدراك أن طلبه غير المباشر للمساعدة قوبل بالعنف أو الرفض
⸻
خامسًا: الهوس كرسالة لا كسوء في السلوك
من أخطر ما يواجه مرضى ثنائي القطب:
• تفسير الهوس كـ”سوء سلوك”
• أو كعدوان متعمد
• أو كدليل ضعف أخلاقي
بينما الحقيقة النفسية أعمق:
الهوس في كثير من الحالات هو لغة مريض لم يُفهم بعد
لغة تقول:
• “أنا على حافة الانهيار”
• “أنقذوني”
• “لا أريد أن أموت، لكنني لا أحتمل الحياة بهذا الشكل”
⸻
خاتمة
إن إعادة فهم نوبة الهوس بوصفها نتيجة نهائية لاكتئاب عميق غير محتمل، وليس حالة منفصلة عنه،
يفتح الباب أمام:
• تشخيص أدق
• تدخل علاجي أبكر
• حماية المريض من أذى علاجات خاطئة
• وتقليل الوصم والعنف النفسي الموجه ضده
تجربة المريض المستبصر ليست حالة فردية هامشية،
بل معرفة سريرية حيّة ينبغي أن تُصغى إليها بجدية.
⸻
مراجع علمية داعمة
• World Health Organization – Bipolar Disorder
https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/bipolar-disorder
• Mayo Clinic – Bipolar Disorder Causes and Treatment
https://www.mayoclinic.org/diseases-conditions/bipolar-disorder
• National Institute of Mental Health (NIMH)
https://www.nimh.nih.gov/health/topics/bipolar-disorder
• Goodwin & Jamison, Manic-Depressive Illness, Oxford University Press
⸻

Social Links: