قراءة أولية في أوضاع التجمعات السياسية والمدنية السورية.

قراءة أولية في أوضاع التجمعات السياسية والمدنية السورية.


معتز حيسو


ـ الاختلاف في الرأي حق مشروع لكل إنسان حر.
ـ رأيك صواب يحتمل الخطأ، ورأي خطأ يحتمل الصواب.
شكل إسقاط السلطة الأسدية بالنسبة للسوريين عموماً والسياسيين المعارضين والمثقفين بشكل خاص مدخلاً للأمل ببناء سورية العظيمة. لكن سرعان ما تراجع التفاؤل وتقلص الأمل لأسباب متعددة منها: العوامل الخارجية، بنية السلطة الجديدة، بنية الأحزاب السياسية الأيديولوجية، دور المجتمع ( القاعدة الشعبية)، إشكالية المثقف.
العامل الخارجي:
بات معلوماً بأن تحرير سوريا كان من بوابة ترتيبات دولية مرتبطة بلحظة اختلال موازين النظام الدولي والإقليمي. وعلى أساس ذلك رأى كثير من السوريين أن ثمة دور مؤثر لغير دولة في مستقبل سوريا السياسي (عوامل فوق وطنية). وذلك ليس بجديد إذ أن كثير من القوى السياسية راهنت منذ اللحظة الأولى لانطلاق الثورة السورية على تأثير العامل الخارجي (ديمقراطياً). فوقع السوريون ضحية قمع السلطة الأسدية وتناقض دولي غربي وإقليمي غير ديمقراطي اشتغلت في سياقه غير دولة على تمكين مصالحها ونفوذها. أكثر من ذلك فإن تلك الدول استثمرت في الصراع السوري، واشتغلت على إفشال( ثورة الحرية والكرامة) التي طالب المشاركون فيها بالديمقراطية وكرامة السوريون لإقامة دولة وطنية تعددية ديمقراطية مدنية تؤسس للمواطنة المتساوية.
إن ما يحصل في سوريا يدلل على أن مصالح ونفوذ غير دولة يصعب تحقيقها ببقاء سوريا موحدة جغرافياً ومجتمعياً، وأن يكون السوريون أصحاب سيادة حرة ومستقلة. ونشير في هذا السياق أن تراكب وتداخل وتخارج مصالح غير دولة في سوريا وعليها، يجري العمل على تجاوزه في سياق يفضي إلى تقاسم النفوذ بين اللاعبين الدوليين على الأرض السورية بنفس الوقت الذي يتم فيه العمل على توضيب الملف السوري بما يتناسب مع مصالح تلك الدول بغض النظر عن آراء السوريين. بناءً على ذلك فإن مستقبل السوريين مازال يكتنفه الغموض، وكثير من المعيقات التي تحول دون بناء دولة سورية ذات سيادة يكون فيها السوريون متساوون على أساس مبدأ المواطنة المتساوية.
بنية السلطة الجديدة:
بعد مرور عام على إسقاط السلطة الأسدية، يمكننا القول بأن بنية السلطة الجديدة وآليات اشتغالها، يمكن أن يساهم في تمكين بنية أيديولوجية أحادية مغلقة على ذاتها. هذا في وقت تثار فيه تساؤلات كثيرة عن آليات تعامل السلطة مع أحداث الساحل السوري، السويداء( الجنوب السوري)، شمال شرق سورية … ، يمكن أن تساهم في حال تقاطعها مع عوامل داخلية وأخرى خارجية إلى تداعيات سيئة على مستقبل سورية، أولها نشوء مظلوميات جديدة يمكن أن تساهم في تجدد دورة العنف والانتقام. لذلك نرى أنه من الضرورة بمكان التأكيد على أن مصدر شرعية السلطة الجديدة يجب أن يكون المواطن السوري، وفي سياق لا يتعارض مع اشتغالها على تمكين شرعيتها السياسية على المستويين الدولي والإقليمي. بمعنى آخر تشكل المشروعية الشعبية الوطنية ـ المواطنة للسلطة السياسية مصدر قوة واستقرار يمكن الاعتماد عليها لبناء تحالفات دولية تعبّر عن الاحتياجات الوطنية، وتضمن استقرار وصلابة موقفها على المستوى الدولي. وعليه فإن المدخل الرئيس لبناء الدولة السورية وتجاوز تناقضات المجتمع السوري الناجمة عن ممارسات السلطة البائدة يتحدد بـ: مشاركة السوريين كافة في بناء الدولة، بناء جيش وطني سوري، تجريم التحريض الطائفي، تمكين عقلانية الدولة. إرساء أسس التعددية والديمقراطية، العدالة المجتمعية، مبدأ المواطنة المتساوية، إطلاق الحريات العامة، فصل السلطات، بناء دولة القانون والمؤسسات…. الخ.
الهيئات السياسية والمدنية:
لم تستطع الأحزاب السياسية والهيئات المدنية حتى اللحظة من تجاوز تناقضاتها واشكالياتها الذاتية وأيضاً البينية، ويتجلى ذلك في عجزها عن مواكبة التطور والتغيّرات المستجدة. وذلك لأسباب تتعلق ببنيتها الأيديولوجية وتركيبتها السياسية. واستمرت تلك الإشكالية مع التشكيلات التي تأسست بعد إسقاط السلطة الأسدية. ويتجلى ذلك في بنية وتركيبة المثقف وأشكال تجلّيات وعيه وآليات تفكيره وأدوات اشتغاله، وجلها يرتبط بالموروث الثقافي والسياسي المغلق على الذات المتضخمة. هذا في وقت تفترض اللحظة الراهنة آليات عمل وأشكال تفكير مختلفة عما كان سائداً في ظل الحقبة الأسدية. فالواقع الجديد يفترض إنضاج أشكال من التفكير جديدة تقطع مع الأيديولوجيا, وتتجاوز وعي المكونات والانتماءات والهويات دون وطنية، وتؤسس لفكر وطني حر ومستقل من أجل بناء هوية سورية وطنية جامعة.
لقد بات واضحاً أن القوى السياسية والمدنية إضافة إلى كونها لم تستطع حتى اللحظة تجاوز تناقضاتها البنيوية الذاتية. فإنها تعاني من إشكاليات وتناقضات في شكل علاقاتها البينية، ما أدى إلى عدم تحقيق أهدافها، وأيضاً تعثّرها في إنشاء تحالفات سياسية مرحلية وإستراتيجية. نشير هنا إلى طبيعة السلطة الأسدية الأمنية التي جففت منابع العمل السياسي تحديداً، والمدني بشكل عام. وقد شكلت الانقسامات ضمن الأحزاب السياسية لأسباب سياسية يتعلق بعضها بالموقف من النظام المخلوع، وأخرى شخصية مؤدلجة، أحد أهم تلك الإشكاليات. وتجلى ذلك في انقسام القوى السياسية بين أحزاب مرخصة اشتغلت تحت راية السلطة البائدة ( الجبهة الوطنية التقدمية) وأخرى رفضت الانضمام للجبهة المذكورة. علماً أن أحزاب الجبهة لم تكن على سوية واحدة في علاقتها البينية من جهة، ومع السلطة البائدة من جهة أخرى. ويعود ذلك إلى التباين في المواقف السياسية والأيديولوجية، وتضخم الأنا الذاتية الشخصية والسياسية. بالمقابل فإن تشكيلات القوى المعارضة للنظام من خارج الجبهة، كانت متباينة في مواقفها من السلطة ومن أحزاب الجبهة. ويعود ذلك بجانب منه إلى الموقف السياسي العام، وأيضاً إلى الأيديولوجيا الحاكمة للسياسية. ونشير في السياق ذاته إلى التقاطع الأيديولوجي بين أحزاب سياسية داخل وخارج الجبهة. لكن الموقف من السلطة السياسية، وتضخم الأنا الذاتية المرضي والعطالة السياسية كان له الدور الأبرز في طبيعة العلاقة السياسية بين الكتل السياسية. وتعمقت جملة الخلافات والتباينات وأيضاً التناقضات السياسية الداخلية/ الذاتية، والبينية بعد انطلاق الثورة السورية.
لقد شكل إسقاط السلطة الأسدية وإصدار السلطة الجديدة قراراً بحل الأحزاب السياسية نقطة تحول في الحياة السياسية السورية. فالأحزاب الجبهوية أصبحت رسمياً خارج المعادلة السياسية. علماً أنه لم يكن لها دور يذكر قبل إسقاط السلطة الأسدية، ويتعلق ذلك بقبولها (ميثاق العمل السياسي للجبهة الوطنية التقدمية) ما ساهم بدخولها في مرحلة موات سريري وعطالة سياسية. وانحسر دورها آنذاك في تمكين سيطرة السلطة البائد، وذلك على قاعدة تحالفها مع حزب البعث من منظور الولاء والطاعة والتبعية. وكانت أحزاب الجبهة تبرر موقفها الداعم للسلطة البائدة إستناداً إلى (الموقف الوطني لسلطة البعث، ودعمها للمقاومة والعداء لإسرائيل وأمريكا). ما أدى إلى اتساع الهوة بينها وبين المجتمع وقواه السياسية المعارضة، وصولاً إلى انقطاع التواصل والقطيعة السياسية والتناقض الجبهي بعد انطلاق الثورة السورية. وذلك نتيجة دعم أحزاب الجبهة للسلطة الأسدية في حربها ضد الثورة السورية، والسوريين الداعمين للثورة. مع ذلك لم يحاول زعماء تلك الأحزاب حتى اللحظة الاعتذار من السوريين، أو القيام بعملية نقد ذاتي لمواقفهم السياسية السابقة. أكثر من ذلك فإنهم ما زالوا يدِّعون صحة مواقفهم.
من جانب آخر طفت على سطح الحياة السياسية هيئات مدنية، وأطر سياسية بعضها يحاول إقامة تحالفات سياسية واسعة الطيف، وأخرى تحاول الجمع بين العمل السياسي والمدني. وكان واضحاً إن معظم تلك التشكيلات تحاول بشكل ما إقامة قطع سياسي مع الأيديولوجيات السائدة، أو ما تبقى من آثارها.
وبخلاف طبيعة علاقة القوى المعارضة التي تأسست على قاعدة إسقاط السلطة الأسدية، أو رفض التشاركية السياسية معها باستثناء(أحزاب الجبهة). نلحظ حالياً أن تشكيل التجمعات السياسية والمدنية يتم على قاعدة تمسك السوريون بحقهم بالمشاركة السياسية والمدنية في بناء الدولة السورية الجديدة، فكان شعار الرقابة والتشاركية في بناء الدولة من أساسيات توجهها. وبالرغم من قناعة بعض السياسيين وقوى سياسية تم تأسيسها بعد إسقاط السلطة الأسدية، بأن من يقود مرحلة بناء الدولة السورية في اللحظة الراهنة يعتمد رؤية سياسية من منظور إسلام سياسي، فإنهم راهنوا على الحراك الشعبي، وعلى فاعليتهم السياسية والمدنية في إحداث تغيير سياسي وطني يتزامن مع تأكيدات دولية تدعو إلى دعم بناء سورية مستقرة يسودها دستور يستند إلى عقد اجتماعي يحفظ أمن السوريين ووحدة الجغرافيا السورية ويفتح المناخ العام على بناء دولة تعددية ديمقراطية يسودها مبدأ المواطنة المتساوية.
إن تقارب أهداف ورؤى القوى السياسية والمدنية، كان يبشّر بإمكانية تمكين التواصل والتنسيق لتأسيس آليات عمل مشتركة. لكن ذلك لم يتحقق، وذهبت أوضاع تلك القوى إلى مآلات مختلفة عنوانها العريض مزيداً من الانقسامات الداخلية، تفاقم التباين الذي يصل لحد التناقض أحياناً. ويعود ذلك لأسباب تتعلق بأزمة متوارثة تمثلت في تضخم الأنا الفردية الشخصية، وأخرى تتعلق بالموقف السياسي من السلطة الجديدة نتيجة أدائها السياسي على أكثر من صعيد، ومن الممكن أن يكون تداخل العامل الخارجي مع عوامل داخلية متعددة من أسباب تفاقم التناقض بين مكونات الشعب السوري. ونشير في هذا السياق إلى أن فرض اللامركزية السياسية، أو الفيدرالية كأمر واقع يرتبط بتردي العلاقة بين مكونات الشعب السوري، سيكون مدخلاً إلى نشوء صراعات يمكن استخدامها لتمكين مصالح دول ضالعة في الملف السوري. ويكشف عن ذلك تناقض وتداخل المصالح الدولية والإقليمية.
يبدو واضحاً أن ثمة توافقات عديدة تجمع بين التجمعات السياسية والمدنية منها: مبدأ المواطنة المتساوية، سيادة القانون، بناء دولة وطنية ذات سيادة على كامل الجغرافيا السورية، العدالة الانتقالية والاجتماعية، المساواة أمام القانون وفي القانون، تشكيل جيش وطني موحد ومستقل لا يتدخل بالسياسة وغير تابع للخارج أو مرتهن له، استقلال القضاء …. مع ذلك ما زلنا نلحظ عجز تلك التشكيلات عن تأسيس عمل سياسي تشاركي يؤسس إلى نشوء تحالفات وطنية عريضة. كذلك فإن العطالة السياسية وتضخم الأنا الفردية السياسية/ الشخصية، يساهم في تقويض العلاقة التشاركية، وزيادة حدة التناقض. وجميعها أسباب تؤسس لحالة من العداء السياسي والشخصي المؤدلج. ويعتبر ذلك مدخلاً لاتساع وتعميق التباين والتذرر، وتراجع إمكانية العمل المشترك من أجل تأسيس رؤية وطنية عامة وشاملة تساهم في نهوض سوريا والسوريين على قاعدة التفاعل المتبادل. يتقاطع مع ما سبق الإشارة إليه محدودية التأثير الاجتماعي للقوى السياسية والمدنية، وبالتالي عدم القدرة على جذب السوريين أو تأطيرهم سياسياً ومدنياً، وبشكل خاص الشباب الذين يتمحورن حول ذاتهم ضمن أطر خاصة بهم. عزوف غالبية السوريين، وبشكل خاص الشباب عن المشاركة السياسية والمدنية نتيجة اضطراب الوضع الراهن، وآليات عمل التجمعات الموجودة، وانقساماتها المتكررة. وجميعها أسباب تعمق العطالة السياسية. علماً أن تقاطع تلك التشكيلات على كثير من القضايا الوطنية الأساسية كان من المفترض أن يخفف من حدة خلافاتها الذاتية والبينية.
إن ارتفاع منسوب التخوف الشعبي من تكرار التجاوزات التي تهدد الأمان المجتمعي وتنذر بتفجره، لم يمنع بعض التشكيلات السياسية والمدنية من اتهام كل من ينتقد أداءه السلطة الجديدة، وأيضاً حواضنها المسلحة. أياً كان مستوى وشكل النقد والهدف منه، بأنه (فلول وطائفي وشبيح)… . متناسين أنهم كانوا جميعاً معارضين للسلطة البائدة وأنهم تعرضوا للقمع والقهر والاعتقال، وإن ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم. وأنهم بعد إسقاط السلطة الأسدية اجتمعوا على اختلاف انتماءاتهم ومشاربهم السياسية والفكرية على فكرة المشاركة في بناء دولة المواطنة المتساوية والتشاركية والانفتاح على الأخر ومد جسور التواصل وإطلاق الحريات السياسية وصون الحريات العامة.
من جهتنا نرى إن المهمة الأساسية الآن تتركز على تأسيس مشتركات تساهم في بناء برنامج مشروع وطني منفتح على الجميع يؤسس إلى تحالف وطني عريض يجمع السوريين لإنجاز القضايا المركزية بعيداً عن الأيديولوجيا أياً كان شكلها كونها كانت وما زالت أحد الأسباب الرئيسية في إفشال كثير من المشاريع السياسية التشاركية/ التحالفات. وعليه نرى أنه من الأهمية بمكان تبني فكر نقدي حر يضع القضايا السورية على بساط النقد والدراسة الموضوعية المنهجية للتوافق على آليات تمكن السوريين من حقهم في بناء دولة المواطنة المتساوية في سياق تجاوز إشكاليات وتناقضات هويات ما دون وطنية، لبناء هوية وطينة جامعة، بناء اقتصاد وطني يحقق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، ضمان وحدة الجغرافيا السورية، ووحدة السوريين وسيادتهم. إن تحقيق ما ذكرناه آنفاً يحتاج إلى مشاركة مواطن حر، كرامته مصانة، ورأيه مسموع ومؤثر.
القاعدة الشعبية:
من البداهة بمكان إن أي فعل أو حراك سياسي أو مدني سيكون تأثيره محدوداً إذا لم يستند إلى قاعدة شعبية واسعة مؤثرة ووازنة. ونشير هنا إلى أن من أسباب انحسار تأثير القوى السياسية في المرحلة الماضية هو عدم تأثيرها في القاع المجتمعي. فكانت منفصلة عن الواقع الشعبي ولم يستطع أي منها تحويل السوريين المضطهدين إلى حامل مادي لمشروعها السياسي. فكان القمع المركّب بحق تلك القوى وصولاً إلى تجفيف منابع الفعل السياسي أحد أبرز ممارسات السلطة البائدة لتأبيد سيطرتها في سياق إبعاد المجتمع عن السياسية، وتمكين الفصل بين القوى السياسية والمجتمع. أما الآن، فإن مساحة العمل المدني والممارسة السياسية ما زلت متاحة رغم إصدار السلطة الجديدة قراراً بحل الأحزاب السياسية كافة. فهي تراقب وتتابع نشاط الهيئات المدنية والسياسية، لكنها بالمقابل لم تصدر قانوناً ينظم النشاط السياسي. وهذا يستدعي تمكين العمل السياسي والمدني وإقامة تحالفات سياسية وطنية، والتشبيك بين الهيئات المدنية لتشكيل حالة من التوازن السياسي يمكن من خلالها وعلى أساسها المساهمة في بناء الدولة. ويتطلب تحقيق ذلك تجذير التواصل مع كافة الشرائح والفئات المجتمعية وتمكينها من المشاركة الواسعة والفاعلة على قاعدة برنامج وطني يعبّر عن السوريين ويجمع شملهم، ويكون دافعاً لهم للمشاركة في عملية بناء الدولة والمجتمع إنطلاقاً من تكريس قيم المواطنة المتساوية.
المثقف السوري وإشكالية بناء سوريا:
إن بحث أوضاع المثقف العضوي/ الحزبي يرتبط بنقاش واقع الأحزاب السياسية والمستوى المعرفي والوعي السائد، إضافة إلى الأوضاع السياسية والأمنية العامة. أما فيما يتعلق بالمثقف بشكل عام، المثقف غير المنتمي بشكل خاص، فإن عدم خضوعه لأطر سياسية وأيديولوجيات حزبية، يمكّنه من امتلاك مجال أوسع من حرية الحركة والتفكير، وهذا يجعله أكثر قدرة على معالجة الأوضاع السياسية، الاقتصادية، الثقافية والمجتمعية بطريقة موضوعية وحيادية. ويندرج في إطار المثقف (اللامنتمي) المستقلين الذين كانوا يمارسون نشاطهم في الأحزاب السياسية. في السياق نشير إلى إن عدم انتماء المثقف لحزب سياسي، لا يعني أنه يقطع مع الأيديولوجيا بشكل كامل. لكنه مع ذلك يمكن أن يتملك أدوات تحليل منهجية متسقة تمكِّنه من تقديم دراسات أكثر عقلانية وموضوعية. فهو بذلك أقرب إلى الباحث الأكاديمي في تناوله إشكاليات المجتمع، وقضايا الدولة ونظام الحكم. ويمكن وصفه بالعين المراقبة والمتابعة والدارسة لمختلف التحولات.
من جانب آخر نلحظ تحّولاً في شكل العلاقة وطبيعتها بين أصدقاء الأمس ممن كانوا يعارضون السلطة الأسدية، إذ باتت أقرب إلى حالة عدائية تستند إلى عقل تبريري وتخويني. وذلك على قاعدة الموقف من السلطة الراهنة. علماً أن كافة التشكيلات الناشطة تفتقر لأدوات التواصل مع المجتمع، مما يضاعف من عزلتها وتراجع تأثيرها.
أما فيما يخص إشكالية المثقف والسياسي معاً في اللحظة السورية الراهنة. فإننا نلحظ انزياحاً كبيراً يصل لدرجة القطع المعرفي مع المنظومات المعرفية والثقافية التي كان يتم تبنيها سابقاً. وقد بات واضحاً أن شريحة واسعة من المثقفين والسياسيين من مشارب أيديولوجية يتجاهلون أن لحظة بناء سوريا الجديدة يحتاج بغض النظر عن الموقف من السلطة الجديدة، إلى قراءة موضوعية لكافة التحولات والمتغيرات المتعلقة بالوضع السوري. ونشير في هذا السياق إلى: انتقال مثقفين وسياسيين من موقع المدافع عن دور الدولة الاجتماعي والسياسات الاقتصادية القائمة على تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة الوطنية… . إلى موقع المدافع عن تحرير الاقتصاد، وهؤلاء يعلمون ماهية هذا النموذج، ويدركون مخاطره وأثاره السلبية على المجتمع والدولة.
بخصوص وحدة المجتمع السوري نلحظ أن شريحة من المثقفين والسياسيين وبعض الفئات المجتمعية يروجون لفكرة إعادة بناء الدولة السورية على أساس مكوناتها الأولية. إن القبول بفكرة إعادة بناء الدولة على قاعدة المكونات ما قبل وطنية له علاقة بممارسات السلطة السياسية البائدة. لكن تصاعد خطاب الكراهية والتحريض الطائفي في اللحظة الراهنة، وتقاطعه مع التدخلات الخارجية، يفاقم من مخاطر تلك الطروحات، ويضع السوريون أمام تحديات كبيرة. كذلك فإن تحويل الطوائف إلى طائفية سياسية، وأيضاً اعتماد التمثيل السياسي على أساس المكون المادون وطني سيكون مدخلاً إلى المحاصصة، وإلى تفكيك المجتمع السوري. ومن الممكن أن يؤسس ذلك إلى حالة من التناقض والصراع بين مكونات الشعب السوري. وكما بات معلوما بأن السلطة الأسدية استخدمت الأقليات لتأمين سيطرتها، وادّعت حمايتهم في وقت كانت تمارس عليهم وعلى كافة مكونات الشعب السوري دون استثناء كافة أشكال القهر والقمع والاضطهاد والإذلال، علماً إن الموقف من السلطة البائدة داعماً لها أو معارض، كان عابراً للطوائف، وله أسباب متداخلة ومتراكبة.
نشير أخيراً أن جملة القضايا التي عرضناها، وقضايا أخرى كثيرة تدفعنا لتأكيد على أهمية تمسك المثقف العضوي، والمثقف غير المنتمي، والسوريين عموماً بهوية وطنية جامعة يتم بلورتها على قاعدة برنامج وطني يوحد السوريين من أجل: مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بناء دولة المواطنة المتساوية والحريات العامة، الإسراع في إنجاز ملفي العدالة الانتقالية والاجتماعية، إرساء أسس دولة تتمتع بالسيادة والاستقرار، وتحافظ على وحدة الأرض والمجتمع، يسودها نظام سياسي يمثل السوريين ويحقق لهم الكرامة والحرية. وفي حال لم يتحقق ذلك فمن الممكن أن نشهد اضطرابات متعددة المستويات والأشكال.

  • Social Links:

Leave a Reply