مجتمع يقدس الجهل ويخشى الوعي.

مجتمع يقدس الجهل ويخشى الوعي.

زكريا نمر

ليس من السهل أن يواجه المجتمع نفسه بمرآة صادقة، لأن الحقيقة غالبا ما تكون موجعة. لكن المجتمعات التي ترفض النقد وتحارب التفكير الحر، إنما تختار البقاء في دائرة التخلف، مهما امتلكت من موارد أو رفعت من شعارات. نحن مجتمع لا يعاني فقط من التخلف، بل يحافظ عليه، يرعاه، ويعيد إنتاجه جيلا بعد جيل، حتى صار جزءا من بنيتنا الذهنية والاجتماعية.

التخلف العقلي لا يعني غياب الذكاء الفطري، بل غياب الجرأة على التفكير. الفرد في مجتمعاتنا يتعلم منذ الصغر أن السلامة في الصمت، وأن النجاة في التبعية، وأن العقل إن خرج عن السائد عد تهديدا للنظام الاجتماعي. التفكير النقدي يواجه بالريبة، والسؤال يفسر كوقاحة، والشك يدان باعتباره خروجا عن الجماعة. هكذا يقمع العقل قبل أن ينضج، ويدرب الإنسان على قبول كل ما هو جاهز، حتى لو كان زائفا أو ظالما.

الجهل في مجتمعاتنا لم يعد حالة فردية، بل أصبح بنية عامة، لها حراسها ومبرراتها. إنه جهل يلبس ثوب الحكمة أحيانا، وثوب الدين أحيانا أخرى، ويسوّق باعتباره فطرة أو خصوصية ثقافية. المعرفة تقابل بالشك، والتعليم ينظر إليه كترف لا ضرورة، والمثقف يتهم بأنه متعال أو منفصل عن الواقع. في هذا الواقع، لا يكافأ من يفهم، بل من ينسجم، ولا يحترم من يفكر، بل من يكرر ما قيل له.التعصب القبلي ليس مجرد انتماء اجتماعي، بل هو مرض سياسي وأخلاقي. عندما تتحول القبيلة إلى مرجعية نهائية، يلغى الإنسان الفرد، وتلغى معايير العدالة والكفاءة. يصبح الخطأ مقبولا إذا صدر من أحدنا، وتصبح الجريمة مبررة إذا ارتكبها من ينتمي إلى جماعتنا. في هذا المناخ، تتفكك فكرة الوطن، ويستبدل القانون بمنطق القوة، وتستبدل المواطنة بعلاقات الدم.

القبيلة، بدل أن تكون إطارا للتكافل، تتحول إلى أداة إقصاء وصراع، تغذي الكراهية، وتمنع أي مشروع وطني جامع. وما دام الولاء للقبيلة أقوى من الولاء للقيم، فلن يكون هناك استقرار حقيقي، بل هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها القادم.ومن أخطر مظاهر التخلف الاجتماعي تقديس الأشخاص، أي تحويل القادة والرموز إلى كيانات معصومة من الخطأ. في هذه الحالة، لا يناقش الفعل بل يبرر، ولا تحاسب الأخطاء بل تغطى باسم التاريخ أو النضال أو المكانة الاجتماعية. النقد يعتبر إساءة، والمساءلة تفسر كخيانة. تقديس الأشخاص يؤدي إلى قتل الفكرة، لأن الفكرة بطبيعتها قابلة للنقد والتطوير، بينما الشخص المقدس يغلق باب المراجعة. هكذا تشل الحياة السياسية والفكرية، ويتحول المجتمع إلى جمهور يصفق لا مواطنين يشاركون.الوعي مكلف، لأنه يفرض المسؤولية. الإنسان الواعي لا يستطيع أن يختبئ خلف الجماعة، ولا أن يبرر الظلم بالعادات، ولا أن يغفر الفساد بدعوى الانتماء. لذلك يقاوم الوعي، ويحاصر كل من يحاول إيقاظ الأسئلة. الأسهل دائما هو الحفاظ على الواقع كما هو، حتى لو كان بائسا، لأن تغييره يتطلب شجاعة جماعية نفتقدها.

لسنا متخلفين لأننا فقراء أو لأن تاريخنا مليء بالصراعات، بل لأننا لم نحسم موقفنا من الجهل، ولم نكسر بعد تحالف التعصب والقداسة الزائفة. التخلف لا يسقط وحده، بل يحتاج إلى عقول ترفضه، وأصوات تفضحه، وإرادة تعترف بأن المشكلة فينا قبل أن تكون في الظروف. إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع هو أن يتعايش مع التخلف حتى يدافع عنه، ويبرره، ويعتبره قدرا لا يناقش. والنجاة تبدأ بسؤال بسيط لكنه شجاع هل نريد حقا أن نفكر، أم نكتفي بما ورثناه دون مساءلة؟

  • Social Links:

Leave a Reply