مطيع أتاسي
كان والدي -رحمه الله- يقدم “عرضاً سياسياً” أسبوعياً، واليوم، أجد نفسي مدفوعاً بإرثه وبثقل اللحظة التاريخية لإعادة إحياء هذه الفكرة. أكتب ليس بحثاً عن جمهور، بل لأرشفة مرحلة يتصاعد فيها الدخان من تحت الرماد، ولأقول إن التغيير الذي لا يرتكز على قيم مدنية هو مجرد استبدال لوجوه القمع بوجوه أكثر حدة.
أولاً: الزلزال الإيراني.. ثورة بلا “حامل”
إذا استعرنا أدوات “لينين” في تحليل الثورات، نجد أن إيران اليوم تملك وقوداً داخلياً مشتعلاً وظرفاً دولياً ضاغطاً، لكنها تفتقر إلى “الحامل السياسي” الوطني. في إحدى جلساتي مع والدي، حللنا بنية المعارضة الإيرانية، واكتشفنا أنها تعاني من ذات “اللعنة السورية”؛ معارضة محبوسة في أروقة الفكر القومي أو العرقي الضيق. غياب المشروع الوطني الجامع يحوّل الصراع من مواجهة مع الاستبداد إلى “تفتيت مذهبي”، وهو ما يمهد الطريق لولادة “كيانات هجينة” قد تمحو إيران عن الخارطة، وتستكمل رسم حدود “كردستان الثالثة” على أنقاض الهويات الوطنية الكبرى.
ثانياً: المشهد السوري.. تطور الخطاب وتكلس الواقع
في قراءة موضوعية لعام من حكم “أحمد الشرع”، نلمس تطوراً لغوياً ملحوظاً؛ فمن خطاب “خالد بن الوليد وعمرو بن العاص” الذي خاطب الغريزة المذهبية في أيامه الأولى، انتقل في ذكراه السنوية الأولى ليتحدث عن سوريا “مهد الأديان والحضارات”. هذا التطور “الإيجابي” في المفردات لا يمكنه حجب الحقيقة المرة على الأرض.
لقد مثل وصول الشرع انتصاراً كاسحاً لـ “التيار الأهلي” على “التيار المدني السوري”. هذا الانتصار لم يأتِ بصناديق الاقتراع، بل بمجازر على نقاط التماس الطائفي، وبحل الأحزاب، وسحق النقابات. نحن أمام “وأدٍ” ممنهج للمجتمع المدني. والمفارقة أن “المؤيدين الجدد” يتحدثون بنفس لغة القوة التي استخدمها الأسد، متناسين أن من حكم بالحديد والنار أربعين عاماً، انتهى به المطاف تحت أنقاض نظره القاصر.
ثالثاً: الاقتصاد.. بيع ما لا يُملك لمن لا يستحق
رغم رفع “قوانين قيصر”، لا نجد مشروعاً اقتصادياً يبني دولة، بل نجد “مزاداً علنياً” لبيع الأصول والموارد. السياسة الحالية تعتمد مبدأ “تسيير المرحلة” عبر بيع الاستثمارات لمن يدفع، دون محاسبة لأباطرة المال في عهد الأسد، ودون أي ملمح للعدالة الانتقالية. نحن لا نعيش نهضة اقتصادية، بل نعيش “خصخصة للخراب”، حيث تُنهب الأموال المنهوبة أصلاً، ويُترك الشعب يواجه دماراً فوق دمار.
رابعاً: السيادة المُستباحة و”وهم الاتفاقات”
ما زالت الطائرات الإسرائيلية تعربد في سماء سوريا رغم “بوادر حسن النية” التي قدمها العهد الجديد، بدءاً من تسليم جثة “كوهين” وصولاً إلى محاولات التقرب الأمني. يبدو أن النظام الجديد يعتقد أن “الصك الأمني” مع إسرائيل هو الضامن للبقاء، متجاهلاً الدرس السوداني القريب؛ حيث لم يشفع “الاتفاق الإبراهيمي” للسودان، الذي يتقسم اليوم للمرة الرابعة أمام أعين العالم. السيادة لا تُباع في سوق المقايضات الأمنية، بل تُنتزع بالشرعية الداخلية.
خامساً: من فنزويلا إلى ترامب.. ملاعبة الشيطان
في فنزويلا، أدرك “مادورو” أن أمريكا (خاصة في عهد ترامب) لم تعد تملك ترف الحروب المباشرة بسبب انشغالها بالوحش الصيني. لذا، قرر مادورو ملاعبة واشنطن خارج الصندوق. الأيام ستكشف لنا: هل الشعوب “فنزويلية” تقاوم أم أنها ستُسلم أوطانها لرهانات ترامب الذي يرى السياسة مجرد “صفقة عقارات”؟
سادساً: “أدلجة” الدولة.. العودة إلى القرون الوسطى
النقطة الأكثر خطورة هي محاولة تعميم “نموذج إدلب” على كامل الجسد السوري. هذا النموذج الذي يستبدل الكفاءة بـ “الشيخ” في كل مؤسسة حكومية، هو عودة صريحة لسياسة القرون الوسطى والشرعية الإلهية. إن اعتبار تجربة إدلب “نموذجاً” هو إهانة للعقل السوري؛ فهذه التجربة لم تنتج سوى شلل البيروقراطية وتعطيل محركات الدولة لصالح “أيديولوجيا ضيقة”. الدولة لا تُدار بالوعظ، بل بالكفاءة والقانون.
خاتمة: سوريا اليوم تقف على مفترق طرق: إما الانفجار الداخلي نتيجة سياسة الإقصاء وتكلس الفكر، أو مراجعة شجاعة تعيد السياسة للسياسيين والكفاءة للمؤسسات. الجمر تحت الرماد يزداد اشتعالاً، ومن يظن أن السلاح وحده يبني “شرعية خالدة”، فليقرأ التاريخ.. مرة أخرى.

Social Links: