شعبان عبود
في قراءة أولية لما جرى في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، يمكن القول إن نجاح قوات الأمن السورية في بسط السيطرة الكاملة عليها لا يُختزل في بعده العسكري المباشر، بل يتجاوز ذلك ليشكّل بالأساس إنجازاً سياسياً لحكومة دمشق المركزية. فالمعركة، في جوهرها، دارت حول تثبيت مفهوم السيادة وإعادة الاعتبار لدور الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للأمن والإدارة، وهو ما يفسّر الأثر الواسع الذي تركته نتائجها على المستويين الداخلي والخارجي.
في المقابل، فإن هزيمة الميليشيات التابعة لقوات سوريا الديموقراطية لا يمكن قراءتها فقط كخسارة ميدانية، بل كنكسة سياسية واضحة. فقد أظهرت الأحداث حدود الرهان على فرض وقائع منفصلة عن المركز، وكشفت هشاشة الخطاب الذي حاول تقديم هذه القوات بوصفها بديلاً مقبولاً عن الدولة في مناطق ذات حساسية ديموغرافية وسياسية عالية.
اللافت في هذا السياق كان حجم التعاطف الشعبي مع القوات الحكومية، وهو تعاطف لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بسلوك عسكري منضبط وخطاب سياسي وإعلامي متماسك، حرص على تجنّب التصعيد غير الضروري وعلى التأكيد بأن الهدف هو فرض الأمن لا الانتقام. هذا الأداء ساهم إلى حد كبير في تحسين صورة القوات الأمنية، وهي صورة كانت قد تعرّضت لتصدعات ملموسة على خلفية أحداث الساحل والسويداء، ما منح العملية بعداً ترميمياً للثقة بين الدولة وشرائح من المجتمع.
إقليمياً ودولياً، ورغم غياب المواقف المعلنة، يمكن استشعار نوع من القبول الضمني بما جرى، انطلاقاً من أولوية الاستقرار ووحدة الأراضي السورية لدى العديد من الفاعلين. هذا المعطى ينعكس حكماً على مستقبل أي مسار تفاوضي بين دمشق وقوات سوريا الديموقراطية. فالمفاوضات المقبلة، بعد ما حصل في حلب، لن تكون كما كانت قبلها، إذ تدخل الحكومة السورية إليها من موقع أقوى سياسياً، بينما تجد قسد نفسها مضطرة إلى إعادة حساباتها، والانتقال من منطق فرض الشروط إلى منطق البحث عن تسويات أقل سقفاً وأكثر واقعية.

Social Links: