عبد الرحمن منيف

المثقفون السوريون
رحلة في مملكة الملح: تلخيص أدبي نقدي لرواية “مدن الملح”
هذه ليست رواية للتسلية، بل هي سِفرٌ ملحميٌّ مؤلم، ونبوءةٌ أدبيةٌ كُتبتْ بلغةٍ من ملح ورماد. في خماسيته الضخمة “مدن الملح”، يبني عبد الرحمن منيف عالماً خيالياً هو “المملكة الهديبية”، لكن مراياه تعكس بجلاءٍ وقسوة تاريخَ المملكة العربية السعودية والتحولات الجيولوجية التي أحدثها اكتشاف النفط في جسد البادية وروحها. إنها رواية الانهيار: انهيار القيم، وذاكرة المكان، والإنسان ذاته، تحت وطأة ثروة طارئة شيدت مدناً من الملح، ستذوب عند أول هطولٍ لأزمات المستقبل.
المفارقة التأسيسية: المدينة التي لا تُبنى من الملح
يعلن العنوان منذ البداية عن رؤية نقدية جارحة. فالمدينة، رمز الاستقرار والتراكم الحضاري، تُقرن هنا بـ “الملح”، ذلك العنصر سريع الذوبان الذي لا يصلح أساساً لأي بناء دائم. هذه المفارقة هي لبُّ الرواية وجوهر نبوءتها: إنها حداثةٌ قائمة على ثروة طارئة، خالية من الجذور، و”فاقدة لقابلية الاستمرار”. هي حضارة الزيف التي تقول إنَّ “النفط يكفي” ليحل محل الإرادة والإنسان والمجتمع.
رحلة عبر العناوين: من “التيه” إلى “بادية الظلمات”
لا تُفهم الرواية إلا برحلة عبر دلالات عناوين أجزائها الخمسة، التي ترسم مساراً تنازلياً من الضياع إلى العتمة الكاملة.
· التيه: ليس ضياعاً في الجغرافيا فحسب، بل هو الضياع الوجودي والثقافي الذي أحدثه صدمة النفط. هو لحظة القطيعة بين الإنسان وأرضه، بين الذاكرة والتاريخ، حيث يتحول الشرق بكليته، في تعبير منيف اللاذع، إلى “حمار” يحتمل كل شيء.
· الأخدود: يتحول السرد من التيه إلى العنف المؤسسي. يستحضر العنوان قصة “أصحاب الأخدود” القرآنية، ليصوِّر الفجوة السحيقة بين السلطة والمجتمع، ويُظهر كيف يتحول الاختلاف إلى جريمة تُرجم في أخاديد القمع.
· تقاسيم الليل والنهار: هنا تبلغ السلطة ذروة سيطرتها، فلا تكتفي بالتحكم في المكان، بل تقسّم الزمنَ ذاته وتعيد هندسة الحياة وفق إيقاع يومي من الخوف والطاعة، حتى يصبح العنف غير مرئي لأنه جزء من نسيج الحياة اليومي.
· المنبت: هو المرحلة التي ينتجها هذا النظام: الإنسان المقتلع. إنسان بلا جذور ولا ذاكرة، لا ينتمي إلى أرض ولا إلى ماضٍ، وهو بذلك يفقد حتى القدرة على الاحتجاج الحقيقي.
· بادية الظلمات: الخاتمة المأساوية. فالعودة إلى البادية هنا ليست عودة إلى الأصل، بل إلى فضاء معتم خالٍ من المعنى. والظلمات بصيغة الجمع تشير إلى تعدد طبقات القهر: السياسي والاقتصادي والرمزي، وهي الخلاصة النهائية لمشروع الحداثة النفطية التي أعادت إنتاج الصحراء كعتمة تاريخية.
شخصيات التناقض: أبطال وضحايا التحول
شخصيات الانهيار والاغتراب
· متعب الهذال: هو صوت الذاكرة المقهورة والضمير الغائب. يفتتح الرواية كرمز للمقاومة والإرث البدوي البسيط ، لكنه “يتيه بين السطور والمعالم” لاحقاً. وجوده وشخصيته يختفيان تدريجياً، مجسِّداً اغتراب الإنسان البدوي الذي فقد صلته بمكانه. تساؤله المركزي يعبر عن هذه الأزمة: “كيف يمكن للأشخاص والأماكن أن يتغيروا إلى الدرجة التي يفقدون صلتهم بما كانوا عليه؟”.
· الطبيب صبحي المحملجي: هو الوجه القبيح للانتهازية. يجعل من مهنة الطب الإنسانية “مدخلاً إلى الشر” والثراء السريع. يمثل النموذج الذي تستورده السلطة الجديدة ليكون حاكم الظل، فيرسم سياساتها ويتحكم بمقدراتها، ويكشف عن التحالف المشبوه بين السلطة المحلية والكفاءة الأجنبية الانتهازية.
شخصيات السلطة: الظل والحقيقة
· السلطان خريبط (الملك عبد العزيز آل سعود): المؤسس الذي طمس الأسماء التاريخية للبادية وحولها إلى “مملكة” تحمل اسم عائلته.
· السلطان خزعل ووليّ عهده فنر (الملك سعود والملك فيصل): تجسيد الصراع على السلطة في ظل الثروة الجديدة. خزعل، القوي جسدياً والمحدود الثقافة، الذي يُخلع بانقلاب. وفنر، الذكي واسع الثقافة، الذي يصل إلى الحكم عبر المؤامرة وينتهي اغتيالاً. هذان المساران يكرسان صورة الحكم القائم على المكر والعنف العائلي، لا على الشرعية أو الكفاءة.
استعارات نقدية لاذعة
· الشرق “حمار”: ربما تكون هذه من أقسى الاستعارات التي يقدمها منيف، حيث يصور قدرة الإنسان الشرقي المفرطة على الاحتمال كمرض: “نحن في الشرق لا نحتمل فقط وإنما نهوى أن نعذب أنفسنا… لقد تحول الشرق إلى حمار”.
· دموع تصرخ في الداخل: يصور منيف مأساة البدوي المكبوت بمشاعر جارفة: “البكاء يخفف عنهم، لكنهم قساة، عنيدون، ولذلك يبكون في داخلهم، تنزل دموعهم إلى الداخل، وهذه الدموع الحزينة تطفو مرة أخرى على شكل صرخات وتوجع يسمونه غناء”.
· المدينة التي تنفي الصحراء: ليست المدينة النفطية امتداداً للحياة، بل هي “نفيٌ للصحراء” وذاكرتها. إنها فضاء وظيفي بلا روح، مبنيٌّ لخدمة الاقتصاد لا الإنسان.
… الخاتمة : نبوءة أدبية لا تزال تقرع
“مدن الملح” ليست مجرد سرد لماضي، بل هي تفسيرٌ لواقعٍ لا يزال قائماً. منيف، بخبرته كخبير نفط، يقدم تشريحاً بنيوياً للدولة الريعية التي تحكم بتوزيع الريع لا بالتمثيل، مما يجعل العنف جزءاً من بنيتها الأساسية. الرواية تحذر من أن الاعتماد على الريع ينتج “توجساً جماعياً” ويحول البداوة إلى “حضارة زائفة”.
هذه الخماسية هي صرخة طويلة ضد اغتراب الإنسان وضياع هويته، وهي نقدٌ لاذعٌ لا يتوخى الحذر، كتبه روائي “حُرِمَ من جنسيته السعودية” بسبب شجاعته وجرأته. لقد بنى عبد الرحمن منيف من كلماته صرحاً أدبياً شامخاً، كتحفة فنية من الملح، قائمة لتذوب في فم القارئ بقسوة، تاركةً طعماً مراً لا ينسى ولا ينقضي … R-A
Social Links: