راغده ابراهيم
اجتمع اليوم الجمعة السادس من شباط لعام 2026 عدد من أهالي مدينة سلمية في الساحة العامة أمام السرايا، في وقفة احتجاجية سلمية، رفضًا لرفع أسعار الكهرباء وللغلاء المعيشي المتفاقم، في ظل تدهور حاد في الأوضاع الاقتصادية وانخفاض القدرة الشرائية، بما يهدد الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الأساسية لشرائح واسعة من المواطنين.

ورفع المشاركون لافتات عبّرت بوضوح عن واقع التهميش الاجتماعي، من بينها:
عم نطفي الضو لنطعمي ولادنا
كرامة المواطن الفقير في خطرلا
كل أمبير… بلقمة
ما معنى ندفع؟
نحن منعيش على الشموع وانتوا عيشوا على الكهربا
وخلال الوقفة، التقت منظمة ديمقراطيات سوريات بعدد من المحتجين، حيث عبّرت إحدى السيدات عن تفاقم الفقر وفصل الموظفين وارتفاع الأسعار، متسائلة عن الأساس الذي تُبنى عليه مطالبة المواطنين بالدفع في ظل غياب الدخل الكافي، فيما أكد أحد المشاركين رفضه دفع الفواتير المفروضة، معتبرًا أن معاقبة العجز عن الدفع تمثّل ظلمًا اجتماعيًا صريحًا.
إن هذه الوقفة تكشف، في جوهرها، عن سؤال سياسي مركزي يتجاوز مسألة الكهرباء بوصفها خدمة عامة، ليطال طبيعة الدولة التي يُراد بناؤها بعد سقوط الدكتاتورية الأسدية. فالدولة الأسدية قامت تاريخيًا على منطق واضح: الجباية دون تمثيل، والطاعة مقابل البقاء، والخدمات بوصفها أداة ضبط لا حقًا عامًا. وكان المواطن يُعامل باعتباره مصدرًا للموارد لا شريكًا في القرار، وتُفرض عليه الأعباء دون أي اعتبار لكرامته أو قدرته على الاحتمال.

في المقابل، فإن الدولة الانتقالية المفترضة، إذا كانت جادّة في القطع مع إرث الاستبداد، يُفترض أن تستند إلى عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع. عقد يقوم على مبدأ أن الشرعية لا تُستمد من السيطرة، بل من حماية الحقوق وتوزيع الأعباء بعدالة، وأن الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الكهرباء، ليست سلعة خاضعة لمنطق السوق أو أداة ابتزاز مالي، بل حق اجتماعي مرتبط مباشرة بالعيش الكريم.
غير أن الإصرار على فرض تسعيرة كهرباء جائرة، في ظل فقر واسع وغياب شبكات الحماية الاجتماعية، يعكس استمرارية في منطق الدولة القديمة أكثر مما يعكس تحوّلًا نحو دولة جديدة. فحين تُعاد إنتاج سياسات تحميل الفئات الأضعف كلفة الانهيار، دون مشاركة مجتمعية أو شفافية أو مراعاة للقدرة على الدفع، فإن السلطة الانتقالية تخاطر بالتحوّل من مشروع تغيير إلى نسخة مخففة من الدولة الأسدية في بعدها الاقتصادي والاجتماعي.

إن الفارق الجوهري بين الدولة الأسدية والدولة الانتقالية لا يجب أن يكون في الشعارات أو الأشخاص، بل في كيفية فهم السلطة لوظيفتها: هل هي سلطة جباية وضبط، أم سلطة رعاية وتنظيم عادل؟ وهل يُنظر إلى المواطن كطرف خاضع، أم كشريك في عقد اجتماعي متوازن يقوم على الحقوق والواجبات المتبادلة؟
من هذا المنطلق، فإن احتجاج أهالي سلمية ليس مجرد رفض لتسعيرة كهرباء، بل هو اختبار عملي لمدى التزام السلطة الانتقالية بمبادئ العقد الاجتماعي الجديد. فإما أن تشكّل هذه المرحلة قطيعة حقيقية مع منطق الدولة الأسدية، أو تتحول إلى إعادة إنتاج تدريجية له، بأدوات أقل عنفًا ولكن بالنتائج الاجتماعية ذاتها.
Social Links: