زرقاء اليمامة
في معرض مناقشة السياسة الخارجية الأمريكية، عموماً وعلى وجه الخصوص ماتظهر الحرب الحالية من واقعية وموضوعية النقاش
فمن غير المنطقي أن نتعامل مع المصطلحات التقليدية مثل “الحليف” أو “العدو” بعقلية ثابتة لا تتغير مع الوقائع.
الواقع الاستراتيجي يكشف أن الولايات المتحدة لا تمتلك حلفاء مطلقين، بل تستخدم دولاً كأدوات لخدمة مصالحها المتغيرة، ومن ضمن هذه الأدوات كانتا —
ولا زالتا.
إسرائيل وإيران حسب ما يظهر من التحولات التي طرأت في السياسات والمواقف الدولية خلال الأزمة الحالية مع إيران حتى مارس 2026.
قراءة واقعية لتصرفات السياسة الأمريكية عبر التاريخ والممارسة الحالية.
⸻
- “الحلفاء” بحسب المصالح الأمريكية – لا بالمصالح المتبادلة
من الناحية النظرية، الحليف هو دولة تشاركك مصالحها وأمنها.
لكن في الممارسة الأمريكية نجد توترات واضحة حتى مع أقرب الشركاء، وغالبًا ما تتحول العلاقات حسب المصالح الاستراتيجية القابلة للتغيير.
مثال:
الولايات المتحدة دعت دولًا لحملة ضد إيران لتصنيف الحرس الثوري وحزب الله كمنظمات إرهابية، وقوبل ذلك بتردد واضح من بعض الدول الحليفة التقليدية رغم الضغط الأميركي عليهم، والتي لم تمنحها واشنطن مسبقًا الحق في اتخاذ القرار.
كذلك، التقارير الإعلامية تشير إلى أن واشنطن اتخذت قرار شن ضربات على إيران بأقل قدر ممكن من مشاركة التحالفات الدولية التقليدية، ما يعكس استقلالية القرار الأمريكي عن “دعم الحلفاء” التقليديين لصالح ما تعتبره مصالحها الأنية.
بعبارة أخرى، السياسة الأمريكية تتصرف وعلى نحو متكرر كدولة عظمى تمارس التحكم في التحالفات للوظائف التي تريدها فقط، وليس كشبكة علاقات متبادلة التحسينات.
⸻
- إسرائيل: ليست حليفًا بمعناه التقليدي، بل أداة استراتيجية
العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية تُروَّج غالبًا كتحالف مبني على ارتباطات ثقافية وسياسية، لكن التحليل العملي يشير إلى أن هذه العلاقة غالبًا لا تتوافق مع المنطق العسكري أو الاستراتيجي التقليدي:
• الولايات المتحدة لم تشارك في أي من الحروب الإسرائيلية بشكل فعال مع القوات الإسرائيلية؛ بل دورها كان يشبه اكثر دور الشخص الذي يشرف على استخدام البلطجي الخاص به ويدعمه مالياً لاستخدام هذه البلطجة، وببعض القوات بهدف الإشراف على النتائج لصالح أميركا، ولم يحدث العكس مطلقاً.
• الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل يتم عبر عقود طويلة من التمويل والدعم السياسي عبر مجلسي الكونغرس والرئاسة، لكنه ليس دائماً جزءاً من حرب مشتركة ضد عدو مباشر بنفس قدر المشاركة في العمليات، رغم المعارضة الدولية الواسعة أحيانًا!
.• هذا الدعم يتم بقيمة مالية ضخمة بينما القيمة الاستراتيجية لعلاقة كهذه هي في ثقلها داخل منطقة الشرق الأوسط وليس في عمل مشترك في ساحات أخرى.
هذه العلاقة — التي في كثير من الحالات تُمثِّل استمرار الدعم من الولايات المتحدة حسب أولوياتها الخاصة — ليست دليلاً على حلف تقليدي قوي، بل على شراكة وظيفية تعتمدها واشنطن كجزء من سياسات أكبر في المنطقة.
من زاوية الحلفاء التقليديين، العلاقات مع دول أوروبا أو آسيا غالبًا تتسم باعتبارات أوسع للنظام الدولي، بينما الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يتغير حتى في أوقات توتر سياسي داخلي في أميركا نفسها.
فهي اداة تفوق في الشرق الأوسط لضمان المصالح المتغيرة:
يثبت ذلك رأي ترامب في ولايته السابقة في سوريا التي لاتتجاوز كونها صحراء ورمال مقابل استثماره الحالي في توظيف نفس الرموز -الإرهابية-التي إستخدمها سابقاً لقلقلة الأمان في سوريا لمصلحة الفوضى الخلاقة!
⸻
- إيران: من حليف سابق إلى أداة للسياسات الأمريكية
إيران نفسها كانت في مراحل سابقة تحظى بدعم أمريكي مباشر قبل الثورة عام 1979, وكانت جزءًا من استراتيجيات الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة.
وكذلك وظفتها بشكل غير مباشر في تخريب واحتلال مذهبي:
لسوريا ولبنان والعراق واليمن وحتى فيما يتعلق باستخدام إيران لحماس!
بعد الثورة، لم تعد “حليفًا” بالمعنى التقليدي، لكنها أصبحت أداة في اللعبة نفسها:
• الولايات المتحدة أيضاً لم تتوان عن استخدام الرواية الإيرانية بعد الثورة، كسبب لتبرير سياسات عسكرية وعقوبات وتدخلات!
• التوتر مع إيران سمح بخلق بيئة سياسية تُبرر زيادة الإنفاق العسكري، وتوجيه المسارات الدبلوماسية لصالح واشنطن؛
• حتى اليوم، الصراع مع إيران يستخدم لتثبيت السياسات الأمريكية في المنطقة، أو لإعادة ترتيب قواعد النفوذ لديه بحسب التوازنات المتغيرة، أو حتى استنفاذ الطاقات العسكرية للمتحاربين من الجهتين.
باختصار: إيران لم تُستخدم كـ “عدو متأصل”، بل كـ أداة لفرض سرديات معينة في النظام الدولي
وهذا جزء من المنطق الحقيقي للسياسة العليا في واشنطن.
⸻
- لماذا لا يمكن اعتبار الولايات المتحدة أن تملك “حلفاء مطلقين”؟
التحالفات الحقيقية تكون قائمة على توافق دائم في المصالح والتهديدات المشتركة. لكن السياسة الأمريكية الحديثة تُظهر أن:
• القرارات الاستراتيجية غالباً ما تتخذ من دون تنسيق حقيقي أو عميق مع الحلفاء التقليديين.
في الأزمة الحالية تحولت المبادرات الأمريكية للتحالفات إلى طلب مشاركة لاحقة بعد اتخاذ قرارات أحادية أولاً.
• واشنطن قد تضغط أو تعلّق أو تعيد توجيه العلاقات حسب المصالح الأنية — أحيانًا على حساب هذه “الحلفاء”.
• التحالفات تظهر عادة حين تصبّ في مصلحة الهيمنة الأمريكية أو تعزيز قوتها لا حين تخالفها.
هذا ما يجعل مصطلحات “الحليف” التقليدية غير دقيقة في وصف العلاقات الدولية عندما تنظر إلى القوى العظمى الواقعية في القرن الحادي والعشرين.
⸻
خاتمة: قراءة سياسية واقعية
حين نفهم أن أمريكا لا تملك حلفاء مطلقين بل تملك أدوات قوة تُوظَّف حسب المصالح الأمريكية في اللحظة التي تختارها، يصبح واضحًا لماذا يمكن القول إن:
• إسرائيل وإيران كلاهما جزء من هذه الأدوات؛
• الولايات المتحدة لا تتعامل معهما على أساس تحالفات دائمة بالمعنى الكلاسيكي؛
• بل تستخدم كل طرف للوصول

Social Links: